المنافسة البحرية تهدد العلاقات التركية الروسية

خلال الأسبوع الماضي، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع فايز السراج الذي يترأس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والتي دعمتها تركيا عسكريا في قتالها ضد المشير خليفة حفتر وجيشه الوطني الليبي.

ويفترض مراقبون أن اللقاء تطرق إلى رغبة تركيا الصريحة في البدء قريبا في التنقيب عن النفط والغاز قبالة الساحل الليبي، وتحقيق هدف اتفاقية الحدود البحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق الوطني في نوفمبر، وهو ما يؤكد على اعتقاد أنقرة بضرورة التحرك سريعا مع تحقيق حكومة طرابلس لانتصارات على أرض المعركة.

يوم الاثنين، اختارت تركيا 7 حقول لبدء مرحلة التنقيب الاستكشافي في شرق البحر المتوسط ​​قبالة الساحل الليبي.

وقال بول برايس، وهو محلل في الشؤون البحرية ومستشار دبلوماسي، لموقع "أحوال تركية": "أعلم أن حكومة الوفاق حققت إنتصارات في معركتها ضد حفتر، لكن ليبيا لا تعد مستقرة بعد"، وشدد بذلك على أن خطوات تركيا الأخيرة تبقى سابقة لأوانها في ظل الأوضاع الحالية على الساحة الليبية.

كما أشار إلى تدخّل تركيا في شمال سوريا، حيث شنت 3 عمليات عسكرية توغلت فيها داخل حدود جارتها مما جعلها تشرف الآن على مساحات كبيرة من أراضيها. وبالإضافة إلى ذلك، أطلقت عدة عمليات حفر قبالة ساحل قبرص في سنة 2019، وهو ما رأته اليونان والاتحاد الأوروبي وقبرص تحركا غير قانوني.

أما في أفريقيا، فقد عززت تركيا من وجودها العسكري في الصومال، وهو أمر وصفه سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا، مارك بيريني، كجزء من سياسة خارجية أكثر عدوانية تبنتها حكومة أنقرة في أعقاب الوباء.

بالنسبة لبرايس، قد تكون صفقة الحدود البحرية، التي تمنح تركيا مساحة بحرية أكبر بكثير والتي واجهت رفض اليونان والاتحاد الأوروبي وانتقادات محللين قانونيون على نطاق واسع، في الأساس لفتة سياسية محلية.

وقال إن تركيا تخوض العديد من "المغامرات" خارج حدودها الجغرافية دون أن تسترجع أكثر من الفواتير وصناديق الجثث. لذلك، تطمح الحكومة في جني فوائد حقيقية من تدخلاتها في الدول الأخرى في وقت يمر فيه حزب العدالة والتنمية الحاكم بفترة صعبة مع الأزمة الإقتصادية التي عززت من أزمات خسائره في الإنتخابات البلدية التي أجريت قبل سنة.

وتابع: "قد يكون هذا الحافز الاقتصادي أمرا يمكنه تقديمه إلى الناخبين، وربما ليظهر للاعبين الآخرين على المسرح الدولي أنه نحت مجال نفوذه".

ومن بين هؤلاء اللاعبين، تبرز روسيا كقوة أساسية. وقد زادت من دعمها لحفتر في الأسابيع الأخيرة مع نشر أكثر من اثنتي عشرة طائرة حربية في ليبيا. وقال قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ستيفن تاونسند، خلال  الأسبوع الماضي: "من الواضح أن روسيا تحاول قلب الموازين لصالحها في ليبيا".

ليست ليبيا سوى واحدة من القضايا الحساسة بين أنقرة وموسكو.

تدعم روسيا الرئيس السوري بشار الأسد في مواجهته مع تركيا في محافظة إدلب، حيث عقد أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قمة لوقف إطلاق النار في مارس. وفي الأسبوع الماضي، أشار تقرير إلى أن تركيا كانت تستورد الغاز من أذربيجان أكثر من روسيا خلال الشهرين الماضيين ، على الرغم من إطلاق البلدين لخط أنابيب "تورك ستريم" الذي يربط بلدة أنابا في روسيا بكييكوي في شمال شرق تركيا، والذي وصلت نفقات إنجازه 7.8 مليار دولار في.

ويبدو الاثنان متجهين نحو حرب المعلومات، حيث نقلت وكالة "سبوتنيك تركيا" عدة تقارير منذ مطلع السنة الحالية أين هاجمت الموقف التركي، وأطلقت أنقرة نسخة باللغة الروسية من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية "تي آر تي" باللغة الروسية عبر الإنترنت في رد واضح على ذلك.

وأشار برايس إلى نقطة صدام أخرى محتملة تكمن في إشراف تركيا الفعلي على الحركة البحرية الروسية والشحن التجاري من البحر الأسود إلى البحر المتوسط ​​وفقا لبنود اتفاقية مونترو التي تضمن السيطرة التركية على البوسفور، والدردنيل، وبحر مرمرة، والمعروفة مجتمعة باسم المضائق التركية.

خلال فترات السلم، تضمن الاتفاقية، التي كتب عنها برايس الأسبوع الماضي للمركز الدولي للأمن البحري، المرور الحر بالنسبة للسفن التجارية وتضع قيودا كبيرة على سفن البلدان التي لا تطل سواحلها على البحر الأسود. ومن جهتها، ترغب موسكو في تشديد قيود مونترو لزيادة تقييد وجود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في البحر الأسود، والذي زاد بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في سنة 2014 وصراعها مع أوكرانيا.

ومن خلال إرسال عدد متزايد من السفن الحربية والاستيلاء على مضيق كيرتش الذي يوفر معبرا إلى بحر آزوف (بحر متفرع من البحر الأسود) والموانئ الأوكرانية الرئيسية، بما في ذلك ماريوبول، "طورت روسيا هدفا جيوستراتيجيا لتحويل البحر الأسود إلى بحيرة يسيطر عليها الروس"، حسب تعبير مدير مركز أليسون لدراسات السياسة الخارجية الأميركية، لوك كوفي، في تقرير نشره موقع "ديفينس وان" الأميركي المتخصص في شؤون الدفاع الأسبوع الماضي.

قبلت تركيا هذه الأعمال العدوانية الروسية. وقال برايس، الذي كان يعتقد أن الحروب الدموية بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر شكلت موقف أنقرة، أن تركيا لازمت الصمت إزاء تطورات قضية شبه جزيرة القرم. وأكد أن ذلك يعد جزءا من السياسة الخارجية التركية منذ أمد بعيد، حيث تحاول البلاد تجنب الصراع مع روسيا وربما حتى إلى حد استرضائها. وفي هذه الأثناء، نجحت روسيا في تشديد قبضتها على البحر الأسود دون أن تحرز تركيا أي تقدم في وجودها في المنطقة وسيطرتها عليها.

لكنه لا يتوقع أن يدوم الصمت التركي طويلا. فإذا تم بناء قناة إسطنبول المقترحة، فمن المحتمل أن تبطل تركيا اتفاقية مونترو وتسيطر تماما على حق الوصول إلى البحر الأسود. وقال برايس إن هذا سيزيد من التوترات الروسية التركية، ويرجع ذلك أساسا إلى أن الكثير من النفط والغاز الروسي يمر عبر مضيق البوسفور، ويمكن أن نرى سفينة حربية تركية تواجه سفينة حربية روسية قبالة ساحل إسطنبول في المستقبل غير البعيد. وفي الوقت نفسه، ستكون أنقرة في وضع جيد يمكّنها من مساعدة موسكو. وأضاف أن تركيا سوف يكون بإمكانها الإعتراض على أي عمليات مستقبلية يشنها حلف شمال الأطلسي في البحر الأسود إذا لم يعجبها مسارها.

من جهتهم، أعرب مسؤولون روس عن مخاوفهم من أن تركيا ستبطل اتفاقية مونترو بمجرد استكمال القناة، والتي تتطلب عقد مؤتمر يجمع اللاعبين الرئيسيين لمناقشة التعديلات المحتملة حسب ما تنص عليه الاتفاقية. لكن هذا التجمع لن يضمن التوافق. وقال برايس إن تركيا يمكن أن تتحول إلى معيق للتقدم في هذه المحادثات إذا قررت ألا تدعم تجديد بنود مونترو أو وضع اتفاقية أخرى، مضيفا أن روسيا وتركيا كانتا في وضعية بين الحرب و السلم في السنوات الخمس الأخيرة.

تم تسليط الضوء على ذلك في ليبيا يوم الاثنين، حيث أرسل الجيش المدعوم من تركيا قواته إلى المدن التي دافع عنها المقاتلون الروس إلى جانب الجيش الوطني الليبي، مما أدى إلى إلغاء اجتماع السراج المخطط مع المسؤولين الروس.

جادل برايس بأن المصالح المشتركة فيما يتعلق بالنفط والغاز وكسب النفوذ من الصراعات في ليبيا وسوريا ومن مسألة المضيق التركي يمكن أن تدفع الجانبين نحو حل دبلوماسي مثلما حدث في إدلب. ويعتقد أن على بوتين أن يكون حذرا من الحرب الشاملة ضد أردوغان، على الرغم من التفوق العسكري الواضح. ويرى أن موسكو قد لا تدرك حجم النزاع مع تركيا فهي تظن أن السيطرة على البحر الأسود ستكون مهمة سهلة، وهي التي واجهت صعوبة في السيطرة على ماريوبول وجنوب شرق أوكرانيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/black-sea/maritime-threat-turkey-russia-ties
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.