فهمي كورو
يونيو 14 2019

المناظرة التلفزيونية تنطوي على مخاطر جمة لمرشح العدالة والتنمية

يبدو أن مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الذي تسانده قوة إعلامية غير مسبوقة قد بات فجأة متحمسا لخوض مناظرة تلفزيونية مع منافسه على منصب رئيس بلدية إسطنبول، على الرغم من حقيقة أن حزبه اتخذ قرارا بعدم مواجهة أي سياسيين منافسين في مثل تلك المناظرات، والتزم بهذا القرار التزاما كاملا طيلة 17 عاما.

وكما لو أن ذلك في حد ذاته ليس مثيرا للاهتمام بما فيه الكفاية، اختار هذا المرشح صحفيا معروفا بأنه ربما يكون واحدا من أشد المعارضين لحزبه في وسائل الإعلام المعارضة ليكون "مديرا" للمناظرة المقترحة، وقدم نفس العرض إلى صحفي معارض آخر، والذي قبل العرض بعدما رفضه الصحفي الأول.

ألا ترى شيئا غريبا في هذا المشهد؟

بالنسبة لي، يبدو الأمر غريبا. وهذا هو السبب فيما انتابني من شكوك بشأن إجراء هذه المناظرة على الرغم من وضع حجر الأساس لهذا البرنامج بالفعل.

ثمة سبب آخر دفعني للنظر بعين الحذر تجاه إجراء المناظرة، ألا وهو أننا سمعنا أن ممثلي المرشحين المتنافسين، اللذين يستندان إلى "النموذج الأميركي" في مناظرتهما، توصلا إلى اتفاق فيما يتعلق بأساس هذا الحدث، والذي سيتم بموجبه توجيه نفس الأسئلة إلى كلا المرشحين وسيُمنحان نفس الفترة الزمنية للإجابة عن الأسئلة.

هذه القاعدة لم تكن مواتية لمرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم.

فأولئك الذين يتابعون الحملات الانتخابية لكلا المرشحين يعلمون أن مرشح الحزب الحاكم يتحدث ببطء وبشكل واضح، وأحيانا يشرد في حديثه ويصبح من الصعب بعض الشيء فهم ما يقصده، بينما يعبر مرشح المعارضة عن نفسه جيدا، ويخرج الكلام من فمه كالطلقات النارية التي تخرج من البندقية الآلية حين تقتضي الضرورة ذلك.

هذه السمات ستكون واضحة وضوح الشمس في أي معركة كلامية على شاشة التلفزيون.

ومن هنا أتساءل عمّا إذا كان مرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم على دراية بهذا الوضع.

أما مدير المناظرة فينتمي إلى وسائل الإعلام التي يشوه حزب العدالة والتنمية صورتها.

الآن، يبدو أن لدي شكوكا لا داعي لها بشأن إجراء هذه المناظرة. فالمرشحان سيظهران في البرنامج يوم الأحد، وسيُسمح لجميع القنوات التلفزيونية ببث المناظرة إذا رغبت في ذلك. لقد تجاوزنا بالفعل نقطة اللاعودة.

لدينا إعلاميون يرون دائما أن الحكومة معصومة من الخطأ، وإذا ارتكبت أي شخصية بارزة في الحكومة خطأ ما، فيكون من واجبهم المهني الدفاع عن ذلك الخطأ. وما لاحظته وأنا ألقي نظرة سريعة على الصحف هو أن صفحاتها تخلو من إبداء أي شكوك بشأن تلك الجوانب المتعلقة بأساس المناظرة والتي تبدو محفوفة بالمخاطر.

ومع ذلك، من المفترض أنهم يرون أن من الغريب ألا يفضل مرشح الحزب الحاكم قناة تلفزيونية أو "مقدم برامج" من وسائل الإعلام الموالية للحكومة، على الرغم من أن هناك عددا جيدا من مثل هذه القنوات و"مقدمي البرامج" في تلك النوافذ الإعلامية، ويصر على أن يكون مدير المناظرة صحفيا معارضا.

هل رأى الحزب الحاكم أن وسائل الإعلام الموالية للحكومة عديمة القيمة؟ هل اعتقد صناع القرار في الحزب أن ظهور مرشحهم على قناة تلفزيونية مؤيدة له في مناظرة ينظمها "مدير" من المؤيدين أيضا سيؤتي نتائج عكسية؟ ثمة عدد من الاحتمالات التي تتبادر إلى الذهن، ومهما يكن السبب، فإنها وصمة عار في جبين الإعلاميين المحسوبين على فئة الموالين للحكومة. فقد كان من الممكن جدا أن يختار مرشح الحزب الحاكم واحدا منهم مديرا للمناظرة، ويصر على ذلك الشخص.

غير أن مرشح الحزب الحاكم فعل العكس تماما، ولا بد أن ذلك قد أزعج الكثير من الإعلاميين في الأوساط الإعلامية الموالية للحكومة. وإن كانوا لا يشعرون بشيء مثير للقلق في ذلك، فعليهم أن يشعروا به.

الملحوظ في المقالات المتعلقة بهذا الموضوع هو افتقارها إلى التعليقات المنطقية. فمعظم تلك المقالات تستند إلى وجهات نظر من قبيل "لا بد وأن هناك شيئا من النبوءة في هذا القرار".

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك شخصية واحدة غير راضية تماما عن هذا المشهد وتبدي استياءها، ألا وهو دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية الحليف السياسي لحزب العدالة والتنمية. لدى بهجلي اعتراضات على فكرة المناظرة التلفزيونية واختيار مدير المناظرة، بل وعلى المسار الجديد الذي يسلكه مرشح الحزب الحاكم من البداية أملا في الفوز في الانتخابات. وأبدى بهجلي اعتراضاته القوية لمتابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي.

يبدو أن الانتخابات تكتسب أهمية أكبر من المتوقعة.

حين كنت أعلق بالأمس على موضوع المناظرة المرتقبة، التي لم يتأكد إجراؤها حتى الآن، أشرت إلى أن التوسع في حملات انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول، لتمتد حملة مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو إلى عدد من المدن المطلة على البحر الأسود وحملة بن علي يلدريم إلى بعض مدن الأناضول، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة بعد الانتخابات التي يصعب توقع نتائجها مسبقا.

وحتى موضوع المناظرة "المصممة على الطراز الأميركي" يبدو أنه يتجاوز حدود انتخابات البلدية في إسطنبول.

وقد سئلت كثيرا عن "أي نوع من العواقب" تلك التي أتحدث عنها بعد نشر مقالتي في وسائل الإعلام.

بغض النظر عن أي من هذين المرشحين سيفوز في الانتخابات، فإن نتيجتها ستؤدي إلى إعادة خلط الأوراق في الحالتين. فلربما تغير نتيجة الانتخابات سياسات الحكومة، ويكون لها تأثير سلبي على التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وتثير دعوات إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة.

تلك هي توقعاتي.

كان دولت بهجلي قد أعلن أن "البلاد تحتاج لانتخابات مبكرة في الثالث من نوفمبر" من العام 2002، وإن كان ذلك بدون مشاورة شركائه في الحكومة الائتلافية، على الرغم من تبقي نحو 18 شهرا على انتهاء فترة ولاية الحكومة.

وكانت الانتخابات المبكرة في الثالث من نوفمبر 2002 هي التي مهدت الطريق أمام صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة.. (فحزب الحركة القومية الذي ينتمي إليه دولت بهجلي لم يلب شرط الحصول على الحد الأدنى من الأصوات البالغ عشرة في المئة اللازم للتمثيل في البرلمان، ولم يستطع إرسال أي عضو إلى البرلمان رغم أن زعيم الحزب نفسه هو الذي أطلق الانتخابات المبكرة).

تتبقى هنا ملاحظة أخيرة. لقد نشرت تعليقا لأحد أصدقائي المقربين منذ فترة، يقول فيه: "إذا أصبح فوز مرشح المعارضة مرجحا للغاية، فقد نشهد إلغاء الانتخابات من جديد، بل وربما لا تجرى الانتخابات أبدا".

وبالأمس، كنت أتبادل الأفكار مع هذا الصديق، ولاحظت أنه لا يزال يشعر بالحاجة إلى اختتام كل تعليق من تعليقاته بعبارة "إذا أجريت الانتخابات، بالطبع"، بعدما وصل بنا النقاش إلى الحديث عن أحدث التطورات المتعلقة بالانتخابات.

كيف لأحد أن يجرؤ على الحيلولة دون إجراء الانتخابات بعد الوصول إلى هذه المرحلة؟ ذاك أمر لا يصدقه عقل.

وعلى الرغم من ذلك، أود أن أخبركم بأن هناك أشخاصا مطلعين لديهم هذه القناعة.

 

* (نشر هذا المقال بداية على مدونة فهمي كورو www.fehmikoru.com، ويعاد نشره بعد الحصول على إذن بذلك).

* هذه المقالة تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي موقع أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-election/tv-debate-too-risky-ak-party-candidate-new-political-atmosphere-offing
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.