المشهد الأخير من "رقص أردوغان مع الذئاب" في سوريا

في سوريا انقضى أسبوع مذهل بالنسبة لتركيا. الأسبوع الماضي، استولت قوات النظام السوري على بلدة خان شيخون الاستراتيجية، ما دق أجراس الخطر في أنقرة.

وفقًا للخبير الروسي "كريم خاص" فإن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي اتصل بالزعيم الروسي فلاديمير بوتين واستطاع الوصول إليه بصعوبة بالغة، يبدو أنه لم يستطع الحصول على الضمانات التي أرادها من نظيره عبر الهاتف، فقرر الذهاب إلى موسكو في 27 أغسطس. بعد المحادثة الهاتفية أدلى القصر الرئاسي التركي بتصريح أعلن فيه أن أردوغان قال لنظيره الروسي بوتين "انتهاكات وقف إطلاق النار في إدلب تؤدي إلى أزمة إنسانية. وتضر بمساعي الحل. كما أنها تهدد أمن تركيا بشكل خطير."

إن طلب أردوغان لقاءً عاجلًا مع بوتين قبل وقت قصير من اجتماع القادة الأتراك والروس والإيرانيين في أنقرة لحضور محادثات أستانا الرابعة عشرة في 16 أبريل، كشف تمامًا عن خطورة الموقف.

فأنقرة التي تقع في مواجهة مباشرة مع روسيا في إدلب، يبدو أنها قد قبلت الشروط التي وضعتها واشنطن على الطاولة لتجنب الوقوع في خلاف مع الولايات المتحدة بشأن "المنطقة الآمنة".

وعلى الرغم من عدم معرفة جميع التفاصيل، أعلن وزير الدفاع خلوصي أكار أنه قد تم مع الولايات المتحدة اتخاذ الخطوة الأولى بشأن المنطقة الآمنة، وأن "مركز العمليات المشتركة المتحد" ومقره في شانلي أورفا قد بدأ العمل بكامل طاقته. بالإضافة إلى ذلك، نُفذت اليوم أول رحلة مشتركة بطائرة هليكوبتر شارك فيها قادة أتراك وأميركيون، وذلك في نطاق تطبيقات المرحلة الأولى.

وفقًا لقناة الجزيرة القطرية فإن عمق المنطقة الآمنة سيكون 5 كيلو مترات في المرحلة الأولى، ويمكن توسعتها لاحقًا وفقًا للتطورات. تريد تركيا أن تكون هذه المنطقة على عمق 35-40 كيلو مترًا على طول الحدود السورية كلها. أما الولايات المتحدة فقد شرطت سابقًا خلال المفاوضات أن تكون هذه المنطقة بعمق 10-15 كيلو مترًا وبطول 100 كيلو متر على الأكثر.

ثمة أمور أخرى غامضة ومهمة بشأن "المنطقة الآمنة" التي ستفصل بين مناطق سيطرة تركيا وتلك التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بقيادة وحدات حماية الشعب الكردية داخل الحدود السورية تتمثل في تحديد من سيسيطر على المنطقة، وعدد الجنود وكمية الأسلحة التي يمكن لتركيا أن ترسلها إلى المنطقة.

جدير بالذكر أن مبادرات تركيا التي طلبت إقامة منطقة آمنة اعتبارًا من عام 2013 لم تحظَ بالقبول من الولايات المتحدة. كما أن تركيا التي بدأت الانتشار في المنطقة بدءا من شهر يونيو لم تُقدم على أي تدخل في منبج إزاء التهديدات الأميركية.

وتزعم تركيا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظر بشكل إيجابي لاقتراحات تركيا بشأن إقامة المنطقة الآمنة، إلا أن البنتاغون أصر على موقفه.

وقال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في تصريح أدلى به في الحسكة، إنهم سيبذلون قصارى جهدهم لضمان نجاح المبادرات المتعلقة بالمنطقة الآمنة. وذكر عبدي أنهم أيضًا أجروا مفاوضات مع تركيا بواسطة الولايات المتحدة الأميركية.

أما القوات المركزية الأميركية فزعمت، في بيان بتاريخ 23 أغسطس، أن وحدات حماية الشعب المنضوية في قوات سويا الديمقراطية الموجودة في المنطقة قد بدأت مغادرة المنطقة.

تشير التقديرات إلى أن الشروط التي طلبتها الولايات المتحدة تم قبولها على عجل نتيجة لما حدث في إدلب من تطورات لم تكن تتوقعها أنقرة.

يتحدث الرأي العام في تركيا حتى الآن عن منبج والمنطقة الآمنة أكثر من إدلب. أما روسيا التي حصلت على التنازلات التي أرادتها في قضية إس-400، فترى أن تركيا تبحث عن حلول للدخول في تعاون محتمل مع أميركا في منبج، وقد استأنفت عمليات القصف التي كانت علقتها نحو ثلاثة أشهر وتقديم الدعم اللوجستي للقوات السورية النظامية.

الجيش السوري الذي يتفوق بصورة كبيرة جدًا على قوات الميلشيات المدعومة تركيًّا، وقوات هيئة تحرير الشام التي تسير على خطى تنظيم القاعدة، وقوات جيش العزة سيطر خلال فترة قصيرة على بلدة خان شيخون الاستراتيجية، فقطع بذلك اتصال نقطة المراقبة التركية في مورك مع المنطقة الرئيسة الخاضعة لسيطرة المعارضة.  وفي أعقاب هذا مباشرة نظمت قوات النظام السوري هجومًا وقائيًا على القافلة العسكرية التركية التي انتقلت إلى المنطقة، خلق تصورًا بأن سوريا أرادت معاقبة تركيا.

وفي حال واصلت قوات النظام السوري المدعومة روسيًّا تقدمها فسوف تصبح القوات التركية المتواجدة في 12 نقطة مراقبة بالمنطقة في خطر كبير، كما أن الـ 3 ملايين سوري المقيمين في إدلب سيبحثون عن سبل للفرار إلى تركيا. فهي الممر الوحيد الذي يمكن أن يفر إليه أيضًا حوالي 100 مقاتل يوجد 40 ألفًا منهم في هيئة تحرير الشام.

ولكن وزير الداخلية سليمان صويلو قال، في تصريح أدلى به هذا الأسبوع، إنهم سيؤوون اللاجئين الراغبين في الفرار إلى تركيا في نقاط حددوها داخل الحدود السورية، لكنه لم يذكر أية معلومات عن هذه النقاط: هل ستكون في إدلب، أم في عفرين الخاضعة للسيطرة التركية، أم في منطقة الباب؟

إن قوات النظام السوري التي تحركت من أجل تحرير إدلب في شهر أبريل فشلت في تحقيق أي تقدم ضد المعارضين وحاولت فحسب حماية مواقعها، وذلك بسبب المفاوضات الجارية بين تركيا وروسيا.

ووفقًا للإجابات التي حصل عليها أردوغان الذي التقى بوتين يوم الثلاثاء، سوف يتضح إلى حدٍ ماذا سيحدث في إدلب خلال الأيام القادمة.

وفي حال طلبت قوات النظام السوري المدعومة روسيًّا التقدم فلا يبدو من المرجح أن تقاوم تركيا وقوات المعارضة. ولا سيما إذا كانت هيئة تحرير الشام تشكل القوة الأهم في المعارضين، والتي يلزم على تركيا أن تجردها من السلاح.

من المحتمل أن ترد روسيا بشدة وصرامة أكثر على مطالب تركيا في المرحلة القادمة؛ فقد دخلت منبج والمنطقة الآمنة أيضًا ضمن المعادلة.

روسيا والنظام السوري لا يرغبان في أن تكوِّن تركيا منطقة عازلة ولا أن تكسب النفوذ في المنطقة بأي شكل. بينما تركيا تهتم أكثر من اهتمامها بإدلب بوجود منطقة آمنة مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى حين كان النقاش قبل بضعة أسابيع يجري حول نوعية العقوبات التي ستفرضها أميركا يجري حاليًا حول كيفية معاقبة روسيا لتركيا.

لقد حان الوقت لأن تتخذ القرار تركيا وأردوغان الذي يسعى للحصول على دور في سوريا مستفيدًا من الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا خلال السنوات القليلة الماضية. فالستار في مسرحية الرقص مع الذئاب يوشك أن يُغلق.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضأً: