المُعارضة التركية: مؤتمر برلين يُحاول صياغة عقد اجتماعي جديد

 

أصبحت تركيا بحكومتها الحالية تدور في دائرة مغلقة من المشكلات على اختلاف أنواعها؛ من المشكلة الكردية إلى قضايا المرأة والتمييز بين الجنسين، ومن الدمار البيئي إلى المناداة بالحرية الجنسية. وفي هذا الإطار، يحاول النظام الاجتماعي الحالي، المحصور في نموذج الدولة في ثلاثينيات القرن الماضي، القضاء على المشكلات التي لا يمكن حلها عن طريق قمع المجتمع، وممارسة الضغوط على أبنائه.
ولكن بلغ السيل الزُّبى، وتخطى التوتر الاجتماعي والأزمة الاقتصادية كل الحدود. إن أبسط ما يمكن أن نصف به نظام الحكم الحالي في تركيا أنه نظام "إدارة"، وليس نظام حكم كسائر الأنظمة الموجودة في العالم. جاء النظام الحالي نتيجة انتخابات واستفتاءات دموية مخادعة لم تعكس الإرادة الحقيقية للمجتمع التركي.
لم تترك حكومة أردوغان وسيلة للضغط على المواطنين إلا استخدمتها، وكان نظام التعليم القائم على "الأسلمة" أحد أدوات الضغط التي فُرضت على المجتمع؛ حيث عمدت حكومة العدالة والتنمية إلى إجبار العائلات العلمانية والعلويين والملحدين على إرسال أطفالهم إلى مدارس الأئمة والخطباء ذات التوجه الديني، وإلحاقهم بالتعليم الديني الإلزامي في باقي المراحل التعليمية. لقد وضع هذا النظام، الذي أوكل أمر التربية كذلك إلى الطوائف وشيوخ المذاهب، التعليم العالي بين فكي كلَّابة الدولة؛ فعجزت الجامعات عن خلق كوادر مؤهلة من الأكاديميين والطلاب على حدٍ سواء، وكان خفض التصنيف العالمي للجامعات التركية بمثابة صفعة قوية على وجوه الذين يدركون هذه الحقيقة.
لا شك أنّ الدولة، التي تختزل القضية الكردية في بعض أعمال العنف فقط، لن تجد طريقها إلى الحل، بل ستسعى، على النقيض من ذلك، إلى زيادة حالة الاستقطاب والفُرقة بين طوائف المجتمع. لا شك أن السياسة القائمة على إنكار وجود الأكراد في كل مكان، من العراق إلى سوريا، ستدفع تركيا داخل دائرة مغلقة من الصراعات سيصعب عليها الخروج منها مرة أخرى. لا أتصور كيف تغامر تلك الدولة بشعب وثروة ومستقبل  بسبب مخاوف غير واقعية.
لم تتوقف الحكومة الحالية عن تخريب الطبيعة كذلك وتدميرها في عدد من المناطق؛ من إسطنبول إلى منطقة جبال إيدا أو كما يُطلق عليها (جبال كاز)، ومن بلدة حصن كيفا إلى درسيم، ومن البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط؛ فنراها تقوم بحرق الغابات، وقطع الأشجار، وتلويث التربة، دون أن تراعي حق الأجيال القادمة في تلك الطبيعة.
لا تزال عقلية الإسلام السياسي، التي تنظر إلى المرأة باعتبارها مواطنة من الدرجة الثانية، تلتزم الصمت إزاء ما تتعرض له النساء والأطفال من عمليات اغتصاب وقتل، ولا تزال كذلك تتجاهل العنف ضد النساء اللاتي لا يرتدين ملابس مناسبة من وجهة نظرهم. ولا نستغرب من عقلية كهذه، تعتبر المثلية الجنسية مرضاً، ألا تحترم حق الإنسان في اختيار الجنس الذي يريده؛ لذلك كان من الطبيعي أن تفرض هذه العقلية على المجتمع مفهوماً أخلاقياً مزيفاً يهيمن فيه الذكور على الإناث.
من المستحيل على هذه العقلية، المنفصلة عن الواقع والعقل والعلم معاً، أن تعمل على إيجاد حل لهذه السلسلة الطويلة من المشكلات والأزمات؛ لأن الحكومة الحالية والنظام القانوني الذي تقوم عليه لن يعملا إلا على تعميق المشكلات وليس حلها. يوجد في تركيا ما يزيد عن 70 مؤسسة يؤمن العاملون فيها بهذه الحقيقة؛ سواء كانوا من الأتراك أو الأكراد أو الأيزيديين أو السنة أو كانوا من المدافعين عن البيئة والمدافعات عن حقوق المرأة أو الاقتصاديين أو الحقوقيين أو الصحفيين أو المثليين. اجتمعت هذه الفئات، التي تمثل كافة شرائح المجتمع وأطيافه، حول هدف واحد ألا وهو ضرورة "إعداد عقد اجتماعي جديد لتركيا ديمقراطية". 
أعتقد أن حلّ المشكلات التي تعاني منها تركيا اليوم قد تخطى مسألة كتابة دستور جديد للبلاد؛ إذ لا بدّ من صياغة عقد اجتماعي جديد يقضي بتوسيع نطاق الحريات. 
يمثل المؤتمر الذي يعقد في برلين، لمدة يومين، الخطوة الأولى في هذا المسعى. يشارك في هذا المؤتمر علي شيكر مُمَثلاً عن حزب الشعب الجمهوري، ومدحت سانجار ممثلاً عن حزب الشعوب الديمقراطي، وأيضا جيهانجير إسلام  ممثلاً عن حزب السعادة.
وفيما يلي برنامج المؤتمر، الذي يتم عقده في 21 و 22 سبتمبر في فندق ميركيور برلين، وأسماء المشاركين:
الافتتاح: باللغة الكردية واللغة التركية.
 
الموضوع: التلاقي وفكرة العقد الاجتماعي
 ئيس الجلسة: إنجين سوستام (من أكاديميي السلام)
المتحدثون: جان دوندار ولطيفة أكيوز والبروفيسور أحمد إينسال وخطيب دجلة والبروفيسور إيسار كاراكاش وبيرفين أصلان وأرغون باباهان وغوكاي أق بولوط وتورغوت أوكر.
 
الموضوع:  إلى أين تتجه تركيا ؟
رئيس الجلسة:  نيل موتلوير (من أكاديميي السلام)
المتحدثون: علي شيكر (عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري) والبروفيسور مدحت سانجار (عضو البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي) وجيهانجير إسلام (عضو البرلمان عن حزب السعادة)
 
البيان الختامي: والإعلان عن القرارات، ومتابعة القرارات والنتائج - مصطفى ألتي أوكلر (المخرج والكاتب).
 
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/baris/berlinde-turkiyenin-yeni-toplumsal-sozlesmesi-arayisi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.