المؤامرات تتصدر المشهد الإعلامي الحكومي في تركيا

تلفزيون مسكون يعرض لقطات من انقلاب 1980 العسكري التركي. خلية نحل تكتب رسائل باللغة العربية. ليست وسائل الإعلام الشعبية التركية غريبة على الحكايات الغريبة والمضحكة للأحداث الغامضة والمؤامرات العالمية. حتى أننا نجد صفحة ويكيبيديا إنجليزية لنظريات المؤامرة في تركيا.

هذا الموضوع ليس جديدا. نظر مراسل "بي بي سي"، مارك لوين، إلى انتشار الأخبار الكاذبة في تركيا قبل سنتين. حينها، أظهرت دراسة أجرتها جامعة أكسفورد ومعهد رويترز لدراسة الصحافة أن تركيا تتصدر قائمة البلدان التي قال معظم المستجوبين إنهم تعرضوا لمعلومات مضللة فيها. كما أظهرت أن أكبر مصدر أخبار الأتراك لا يزال التلفزيون، وتليه الإنترنت.

نظر التقرير، الذي يحمل عنوان "كشف المعلومات المضللة والتضليل"، في مصادر إخبارية معينة ومدى موثوقيتها. وكانت العديد من القنوات التلفزيونية الأكثر ممارسة للتضليل هي الأكثر تأييدا للحكومة.

يعرف المواطنون الأتراك أنهم لا يستطيعون قول ما يريدون في الأماكن العامة إذا لم يرغبوا في المخاطرة بالتورط في دعاوى قضائية أو وؤية إدراج أسمائهم في القائمة السوداء التابعة للدولة. ولهذا السبب، يعرفون أن المؤسسات الإعلامية الأقرب للحكومة لا يمكن أن تكون صادقة بشأن الأخبار التي ترسم الحكومة من زاويتها.

الثقة في الإعلام
الثقة في الإعلام

في 2016، كتب الكاتب التركي مصطفى أكيول في مجلة فورين بوليسي عن نظريات المؤامرة في تركيا أنها تجعل الأتراك يشعرون بالأهمية. "فإذا كان العالم يتآمر ضدنا، فيجب أن نكون مميزين حقا. أعتقد أنها الطريقة التي نعوض بها عن عظمتنا العثمانية المفقودة".

هذا الرأي صحيح، لكنه مبسّط. إذ يعيش المواطنون الأتراك في بلد لم يتمتع ببيئة إعلامية حرة من قبل.

ومن حسن حظ تركيا، كان أول لقاح لفيروس كورونا المستجد يجتاز التجارب السريرية من تطوير الألمانيين التركيين أوغور شاهين وزوجته الدكتورة أوزلم تورجي، بالتعاون مع شركة "فايزر" الأميركية. ويمكن أن تنال تركيا بعض الفضل في مساعدة العالم على تطوير لقاح خلال هذا الوباء. لذلك، لا داعي لأي مؤامرات. أليس كذلك؟ لا.

على الرغم من قول الرئيس رجب طيب أردوغان إنه ليس لديه مشكلة مع اللقاح وسيحقن جرعة منه، لا يزال بعض مؤيديه الإعلاميين يرغبون في اختراع عالم خيالي يكون فيه اللقاح جزءا من خطة شريرة.

من الواضح أن إيلون ماسك مخادع بما يكفي لفعل شيء مجنون، مثل ادخال شرائح للتحكم في العقل في جسمك، أليس كذلك؟ "كشف" برنامج على قناة "بياز تي في" التركية مؤامرة ماسك في نهاية الأسبوع. ويتولى فيها نجل مليح جوكجيك، الذي كان رئيس بلدية أنقرة السابق من حزب أردوغان، منصب منسق التحرير العام في هذه القناة.

يُعرف جوكجيك نفسه كواحد من منظري المؤامرة الرائدين في تركيا، ويعرض الملايين من أتباعه على تويتر لجميع أنواع نظريات المؤامرة.

ربما يكون ماسك، الذي تخطى بيل غيتس مؤخرا ليصبح ثاني أغنى رجل في العالم، يعمل مع مؤسس شركة مايكروسوفت أيضا. فعادة ما يتهمه متابعو نظريات المؤامرة بالرغبة في حقن البشر بشرائح صغيرة لبعض الأغراض غير المعروفة.

قال كاتب العمود في صحيفة "يني جاغ"، أرسلان بولوت، في أغسطس إن غيتس أراد ذلك وأعرب عن أمله في أن يكون لقاح روسيا جاهزا قريبا ليصبح بديلا للقاح غيتس، والذي لم يكن موجودا لأنه لم يكن يطور لقاحا. وتساءل بولوت عما إذا كانت روسيا تحاول تعطيل هذه الخطة التي تعد منظمة الصحة العالمية جزءا منها.

ثم نجد الدكتور عمر توران، وهو شخصية إعلامية مؤيدة للحكومة ودكتور في السياسة  وليس الطب. واعتبرت وحدة برامج "بوت سينتينال" التي تحلل حسابات تويتر، إشكاليا. ويمكنك أن ترى سبب ذلك. فهو يعتقد أن غيتس سيقدم لك رقاقة صغيرة من أجل إعادة كتابة حمضك النووي لسبب ما. وربما يقرأ كل تلك الكتب لهذا السبب، وحتى يتمكن من تحويل الجميع إلى شخصيات كتلك التي نراها في سلسلة "إكس مان" بقواها الخارقة.

ألقى النائب المعارض عن حزب السعادة الإسلامي، عبد القادر كارادومان، كلمة الأسبوع الماضي اتهم فيها غيتس باستخدام لقاح لإخلاء تركيا من السكان. وقال في تغريدة على تويتر، مع إرفاق مقطع فيديو لخطابه: "قال بيل غيتس إنه لن تتم السيطرة على الوباء إلا بلقاح، وهو ما سيقلل عدد سكان العالم بنسبة 10-15 في المئة. يجب علينا جميعًا المقاومة. يجب ألا نستسلم للعبودية التي أظهروها للإنسانية بأنها السبيل الوحيد للنجاة".

ويدير الكاتب الإسلامي البارز، عبد الرحمن ديليباك، موقعا إلكترونيا جديدا مخصصا لنظريات المؤامرة على اللقاحات والوباء وشبكة الجيل الخامس وبيل غيتس.

ربما تكون الحقيقة الأساسية هي أنه في المشهد الإعلامي الذي لا يُسمح لك بنقل أخبار قد تبدو شديدة الانتقاد للحكومة التركية فيه، لا تسلّط عقوبات على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الذين يخترعون خيالات تآمرية غريبة. إذ يعد اختلاق هذه الأكاذيب مصدر ربح يستغل التحيزات المعرفية التي يمتلكها العديد من الأشخاص بالفعل.

كما يشير المؤلف يوفال هراري: "أدمغتنا كسولة، وقد تكيّفنا من خلال التطور لفهم بعض الأشياء المعقدة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية. عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الاجتماعية، فنحن عباقرة، لأننا كنا نعيش في مجموعة صغيرة من الصيادين، وهذا هو ما احتجنا إلى التمكن منه قبل كل شيء من أجل البقاء. من يكره من، ومن يتآمر علي في القبيلة. لكننا لم نملك أي فكرة عن وجود فيروسات. لم تتطور أدمغتنا لفهم ذلك. الآن، لا نحب الأشياء التي يصعب فهمها. نحن نفضل الأشياء التي يسهل فهمها. قارن محاولة فهم سلسلة الأحداث الوبائية التي تصلك من خفاش واحد إلى فكرة كونها مؤامرة اثنين من المليارديرات للسيطرة على العالم".

يصعب على المواطنين الأتراك العاديين التحقق من صحة التقارير التي تُعرض على القنوات الإخبارية الحكومية أو الموالية للحكومة. إذ تعاني الحكومة التركية من حساسية من المواقع الإلكترونية التي تقدم معلومات لا تستطيع السيطرة عليها. وهذا هو سبب حجب ويكيبيديا لمدة سنتين ونصف في تركيا.

ولا تقتصر مشكلة انعدام الثقة في وسائل الإعلام التقليدية والسياسية على تركيا. ويؤدي الافتقار إلى التفكير النقدي وانعدام الثقة في جميع المؤسسات إلى صعود التفكير التآمري في معظم الدول الغربية. ونرى المفهوم التركي للدولة العميقة في الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام الموالية لترامب، والتي من المرجح أن تستمر في التأثير بعد إخراج ترامب من المكتب البيضاوي.

يبقى العالم مكانا محيرا، ويبحث البشر عن إجابات بسيطة لفهمه. وتكمن الحلول الحقيقية الوحيدة في الاستثمارات طويلة الأجل في التعليم، والتي يمكن أن توفر الوسائل المساعدة على فهم العالم المعقد الذي نعيش فيه، بدلا من البحث عن إجابات بسيطة تتطلب غرضا شريرا يدفعها.

بمجرد طرح اللقاح، سيتعين على أتباع نظريات المؤامرة أن يعودوا بهدوء إلى رواياتهم السابقة عندما يرون أننا لم نصبح جميعًا عبيدا لبيل غيتس بحمضنا النووي المعدّل. وتشمل رواياتهم الأخرى ما مفاده أن مجتمعا سريّا يتحكم في العالم، وقصصا عن هوليوود، وشعب السحالي، والملكية البريطانية، ومجموعة من الرسوم الكاريكاتورية المعادية للسامية أو أي مجموعة خبيثة أخرى موجودة في أذهانهم.

ستستمر مشاكل تركيا الاقتصادية، حتى لو لم يستمر فيروس كورونا، وستكون الحاجة مستمرة لتصوير أشخاص يتحملون اللوم. ولطالما ألقى أردوغان باللوم في أزمة الليرة التركية على "القوى الأجنبية"، وهو ادعاء يعتقد 59 في المائة من مؤيديه أنه صحيح، وفقا لمسح أجري في 2018.

كما أشار الكاتب مصطفى باجال عند مقارنة رد الفعل على لقاحات فيروس كورونا باختراع آخر شهير لشركة فايزر: "لم تتذمروا من الشريحة عندما طوّرت شركة فايزر السيلدينافيل."

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/conspiracy-theories/when-theres-no-good-news-report-just-make-it
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.