الناخبون الذين انفصلوا عن العدالة والتنمية يترقبون الأحزاب الجديدة

كان أحمد داود أوغلو أول من دفع ثمن إقدامه على تأسيس حزبه الجديد، الذي أطلق عليه اسم "حزب المستقبل"، بعد تعيين وصي على جامعة "شهير إسطنبول"، التي تعتبر إحدى المؤسسات التي ساهم في تأسيسها. وعلى الرغم من هذا، لم يتوقف عن تصريحاته، التي  حملت رسائل مفادها أنه لا سبيل للتراجع خطوة واحدة إلى الوراء.

من ناحية أخرى، من المُنتظر، وفقاً لآخر الأخبار، التي وردت بهذا الشأن، أن يدشن علي باباجان بدوره حزبه الجديد في النصف الأول من شهر يناير المقبل.

ومع انطلاق هذين الحزبين، سيُعاد توزيع أوراق اللعبة على طاولة السياسة في تركيا من جديد. لذلك، فلا عجب أن يتوقع البعض أن يشهد عام 2020 زخماً سياسياً كبيراً في تركيا.

وفي السياق نفسه، نشر محمد علي كولات، مدير شركة الاستطلاعات "ماك"، دراسة أعدها مؤخراً، خَلُصَ من خلالها إلى بعض النتائج، التي سأكتفي هنا بالإشارة إلى نقطتين رئيستين منها؛ الأولي، أن نتائج الاستطلاع قد أكدت تحوُّل ما لا يقل عن 25% من الذين صوَّتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلى شريحة المترددين، أما الثانية، التي لا تقل في أهميتها عن الأولى أيضاً، فهي أن الأصوات، التي تحوَّلت إلى شريحة المترددين، لم تذهب إلى أحزاب المعارضة.

هاتان النقطتان هما أهم ما ورد في هذه الدراسة من وجهة نظري.

يضاف إلى ذلك أنه في ظل الظروف العادية هناك أعداد من الناخبين تتراوح بين 10-13% ، لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع في أي انتخابات. وهذا يعني أننا عندما نضيف إلى هذه الأعداد نسبة اﻟ 25% ، التي لم تعد تؤيد حزب العدالة والتنمية، فحينها يمكن القول إن نسبة المترددين، الذين لن يذهبوا للتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية تتراوح بين 35 إلى 38% من إجمالي الناخبين المؤيدين للحزب. وهذا يعني أيضاً أن عدد الذين لم يحسموا أمرهم بعد صاروا، من الناحية العددية، "شريحة ضخمة" .

ولكن الحقيقة هي أن عدد المترددين سيهبط يوم الانتخابات إلى المعدل التقليدي المتعارف عليه، أي سيتراوح بين 10-13% من الناخبين. وليس لهذا تفسير آخر سوى أن نسبة اﻟ 25%، التي انفصلت عن حزب العدالة والتنمية، سوف تذهب، هي الأخرى، إلى صناديق الاقتراع، بشكل أو بآخر، وستدلي بأصواتها.

وفي هذا الإطار، دعونا نتذكر النتيجة المهمة التي ذكرها كولات، وهي أن الناخبين، الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، لم ينضموا إلى أي من أحزاب المعارضة.

لماذا؟

الجواب سهل يسير؛ لأن حزب الشعب الجمهوري هو أول حزب يتبادر إلى أذهاننا عندما نذكر اسم المعارضة في تركيا. وبطبيعة الحال، فمن المفترض أن يتوجه أولئك الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، إلى حزب الشعب الجمهوري، ويصوتوا له، ولكن الحقيقة هي أن أمرًا كهذا غير متحقق على أرض الواقع في تركيا.  

دعونا لا ننسى حقيقة أنه على الرغم من أن حزب الشعب الجمهوري هو المنافس السياسي الأول لحزب العدالة والتنمية، إلا أنه لن يكون، في نظر هؤلاء، البديل المناسب لحزبهم القديم، حتى لو كانوا قد انفصلوا عنه؛ لأن إتاحة الفرصة أمام تطبيق الديمقراطية من جديد، واتساع مجالها على الساحة السياسية، لا تقل أهمية في نظر هؤلاء عن ضرورة أن يكون الحزب البديل لحزب العدالة والتنمية من الأحزاب المحافظة أو من يمين الوسط.

وبناءً على هذا، لن يكون البديل السياسي لحزب العدالة والتنمية هو حزب الشعب الجمهوري، وإنما سيكون من الأحزاب المحافظة. ومن ثم يمكن القول، انطلاقاً من النقطة الثانية في الدراسة، التي أعدها كولات، إن أحزاباً مثل حزب السعادة والحزب الصالح، في الوقت الحالي، لن تكون أيضاً بديلاً قوياً يمكن أن يتوجه إليه الناخبون، الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية.

ولهذا السبب أيضاً يمكن القول إن حزب المستقبل، الذي أسسه أحمد داود أوغلو، الذي انفصل، هو الآخر، عن حزب العدالة والتنمية، وكذلك حزب علي باباجان، المزمع إنشاؤه في يناير 2020، سيكونان البديل الأقوى لحزب العدالة والتنمية أمام هؤلاء الناخبين.  

ويرجع السبب الرئيس وراء هذا إلى سياسة الاستقطاب، التي طبقها حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة؛ لذلك فمن الطبيعي ألا يبحث هؤلاء الناخبون، في ظل سياسة الاستقطاب تلك، عن البديل الملائم لحزب العدالة والتنمية بين أحزاب المعارضة، وأن تتوجه أنظارهم إلى الأحزاب، التي سيؤسسها داود أوغلو وباباجان، اللذان يعرفونهما جيداً.

لقد خلقت سياسة الاستقطاب، التي اتبعها حزب العدالة والتنمية، مع بدء تطبيق النظام السياسي الجديد، الذي أقره أردوغان، بعد الاستفتاء الأخير، نظامًا فاسداً عطَّل الحياة السياسة بشكل كبير، ووضع حكم الدولة ومقدراتها في يد زمرة ضيقة من المقربين للحاكم.

وتحاول السلطة السياسية في تركيا، التي لم تر غضاضة في أن تنفرد وحدها بكل أمور الدولة، دون السماح لأحد بمجرد الإدلاء برأيه، تحت ذريعة شرعية الانتخابات، أن تستغل الظروف الراهنة في احتواء المجتمع التركي، ووضعه تحت ضغط دائم لتبرير أفعالها الرعناء.

وعلى الرغم من كل ما تقوم به، كانت الأزمات، التي تتعرض لها تركيا، ولا سيما في مجال الاقتصاد، تُضعِف من قبضة السلطة السياسية، يوماً بعد يوم؛ لذلك كانت كثيراً ما تلجأ إلى افتعال الأزمات على الساحة السياسية الخارجية؛ من أجل صرف الانتباه عن الأزمات، التي تعاني منها الدولة في الداخل.  

يدرك الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو هذه الحقيقة منذ فترة طويلة. والحق يُقال، إنه قد اتخذ بالفعل العديد من الخطوات الإيجابية؛ من أجل تخطي هذا الوضع، لكن تردده فيما يخص القضية الكردية، والتقرب من حزب الشعوب الديمقراطي، لا يزال يكبل قدميه، ويمنعه من التقدم أكثر.

وفي رأيي، إنه لا سبيل لتخطي حالة الركود السياسي، وأزمة الديمقراطية، التي تعيشها تركيا اليوم، إلا بإعادة إطلاق الحريات السياسية من جديد.

ويحدونا الأمل في أن ينجح حزب المستقبل، الذي أسسه أحمد داود أوغلو، والحزب الآخر، الذي سيؤسسه علي باباجان، في استعادة روح الديمقراطية، ورسم أفق جديد للسياسة التركية.

لقد حاول كمال كليجدار أوغلو، في السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ عملية الاستفتاء، التي جرت في 14 أبريل 2017، إنشاء نسخة مختلفة من "ائتلاف الديمقراطية"، الذي سبق وأقامه حزب العدالة والتنمية في عام 2007 ، بالتعاون مع شرائح اجتماعية مختلفة، وانعكس ذلك على نتائج الانتخابات في 31 مارس و 23 يونيو.

لم يُفسر سعي كمال كليجدار أوغلو بأنه محاولة لفتح حزب الشعب الجمهوري على اليمين، بل كانت محاولة لخلق بديل سياسي قوي قادر على مناطحة حزب العدالة والتنمية. وهذا ما نجح في تحقيقه خلال هذه الفترة بالفعل. 

وبطبيعة الحال، لا تكمن أهمية الأحزاب، التي يتم إنشاؤها، أو حتى التي سيتم إنشاؤها، في أنها ستعمل على تقوية الساحة السياسية في مواجهة السلطة السياسية فحسب، وإنما لأنها ستصبح بدائل سياسية قوية يتخير من بينها الناخبون، الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية. 

اسمحوا لي أن أشارككم، في هذا الجزء من المقال، بعض الملحوظات حول المؤتمر العام الحالي لحزب الشعب الجمهوري. لقد انتهت انتخابات وكلاء الحزب في الأحياء، الذين سيدعوهم الحزب إلى المؤتمر الموسع، الذي سيعقد في إبريل عام 2020 (وقد يتأجل إلى شهر مايو). واعتبارًا من هذا الأسبوع، ستبدأ المؤتمرات الخاصة باختيار نواب الحزب في المدن والمراكز كذلك.

ويبدو أنه سيكون هناك حزم في اختيار مجالس المدن والمراكز. بالطبع، سيكون اختيار مجالس المحافظات أكثر صرامة؛ لأن هناك العديد من المرشحين في كل منطقة؛ لذلك فمن المتوقع أن تحتدم المنافسة السياسية بينهم. وهو أمر جيد على المستوى المؤسسي بصفة عامة.

ومع هذا، فالمشكلة هنا تكمن في أن تلك المنافسة ليست أيديولوجية؛ بمعنى أن المتنافسين يوجهون انتباههم من أجل الفوز بسلطة محدودة فحسب.

وفي المقابل، ينتظر المؤيدون لحزب الشعب الجمهوري أن يلتزم الحزب بالمبادئ، التي تحدث عنها مرشحوه في حملاتهم، وأن يفتح كمال كليجدار أوغلو أبواب الحزب أمام شرائح مختلفة من المجتمع، وأن يجري تعديلات، بالتعاون مع الأحزاب الأخرى، من شأنها توسيع مجال الديمقراطية والمجال السياسي في تركيا. لكننا للأسف لا نرى اليوم شيئاً آخر، اللهم إلا بعض الاستثناءات البسيطة، سوى الصراعات التقليدية على سلطة محدودة.

من ناحية أخرى، يكافح قادة الأحزاب، الذين يريدون الحفاظ على سلطتهم وسطوتهم داخل المقر الرئيس للحزب، من أجل فوز وكلاء ومرشحين تابعين لهم.

ومع ذلك، فعلى حزب الشعب الجمهوري أن يدرك أنه إذا أراد الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة، فعليه أن يحسن اختيار رؤساء المدن والأحياء التابعين له، ليس في هذه المرحلة فحسب، وإنما عليه أن يتخيرهم لاعبين سياسيين لديهم المقدرة على طرح رؤية مناسبة من أجل التحول السياسي داخل الحزب. 

أو على الأقل هذا توقعي بالنسبة للمرحلة المقبلة..

القضية الأخرى، التي تثير الفضول في هذه المرحلة كذلك، هي انتخاب رئاسة محافظة إسطنبول. إننا نعلم أن هناك مسافة واضحة بين جانان قفطانجي أوغلو والمقرر الرئيس لحزب الشعب الجمهوري، ومع هذا استطاعت تحقيق الفوز في انتخابين سابقين، وأصبحت رئيساً لإحدى المحافظات.

وفي رأيي، إن الجميع يصوبون نظرهم، في هذه المرحلة، إلى كمال كليجدار أوغلو. 

يبدو لي أن كليجدار أوغلو قد يدعم أية سيدة أخرى تترشح ضد قفطانجي أوغلو. ويجب ألا ننسى كذلك عامل أكرم إمام أوغلو في هذه المعادلة، لكن من الواضح أنهم لم يعثروا بعد على المنافس الذي يستطيع أن يواجه قفطانجي أوغلو.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ali-babacan/kararsizlar-yeni-partileri-bekliyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.