النفور التركي من الليرة يعيق ارتفاع العملة

ارتفعت الليرة التركية أكثر من أي عملة أخرى في الأسواق الناشئة خلال السنة الحالية بعد أن جدد البنك المركزي التزامه بمكافحة التضخم بسلسلة من الزيادات في أسعار الفائدة. وقد عملت صناديق التحوط والمؤسسات المالية الأجنبية الأخرى على تكديس مليارات الدولارات في الأسواق التركية للاستفادة من العائدات الأعلى التي توفرها أصول الليرة. لكن هذا الحماس لم يكن بنفس القدر بين السكان المحليين المتشككين في تركيا، مما أعاق المزيد من المكاسب.

ووفقا لبيانات البنك المركزي، ضاعف الأتراك ودائعهم بالعملة الأجنبية والذهب بمقدار 2.7 مليار دولار الأسبوع الماضي، حيث كانوا مطّلعين على معدّلات التضخم بعد أن شهدوا سلسلة أخطاء السياسة التي دفعت الليرة إلى مستويات منخفضة قياسية خلال السنة المنقضية. وباعوا الليرة على الرغم من تنبؤات كبار البنوك العالمية بما في ذلك شركة هونغ كونغ وشنغهاي للخدمات المصرفية (إتش إس بي سي) وبنك سوسيتيه جنرال لخدمات الأوراق المالية بأن الارتفاع سيستمر.

قال الخبير الاقتصادي المتخصص في الأسواق الناشئة بشركة "بلو باي آسيت ماندجمنت" ومقرها لندن، تيم آش: "إنه أمر لا يُصدق. لا يريد الأتراك شراء الليرة بأي ثمن كانت. من الواضح أن المعدلات ليست مرتفعة بما يكفي مقابل التضخم أو أن الأتراك لا يصدّقون مزاعم تركيا."

وارتفعت الليرة بأكثر من 6 في المئة مقابل الدولار في 2021 لتواصل مكاسبها منذ أدنى مستوى قياسي في أوائل نوفمبر إلى 20 في المئة. لكن الارتفاع تعثر حول 7 أمام الدولار. وكان تداول الليرة بين 6.95 و 7 ليرات للدولار يوم الجمعة.

تراجعت ثقة الأتراك في الليرة بسبب أزمة العملة التي شهدوها قبل سنتين، والتي أعادت إحياء ذكريات التقلبات الشديدة في العملة وارتفاع أسعار الفائدة التي ميزت تركيا في التسعينيات. ففي يناير 2005، أعادت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان تقييم العملة، وحذفت ستة أصفار منها بحيث أصبحت الليرة الواحدة تساوي 1.35 لكل دولار مقارنة بـ1.350.000 سابقا. وقبل أزمة 2008 العالمية، كانت قيمتها تصل إلى 1.15 لكل دولار.

ولكن، ومنذ 2008، استأنفت العملة مسارها الهبوطي، حتى مع تدفق السيولة العالمية التي جذبت المستثمرين إلى أصول الأسواق الناشئة. قال الاقتصاديون إن السبب وراء ذلك يكمن في السياسة النقدية المتساهلة والتركيز على النمو الاقتصادي والتضخم المرتفع. وخلال سنة 2014، كان تداول الليرة بسعر 2 لكل دولار. وبحلول نهاية سنة 2017، أي قبل أزمة العملة مباشرة، كانت قيمتها 3.8. وفي العام التالي، فقدت حوالي ثلث قيمتها. ثم بلغ إجمالي الخسائر في العام الماضي 20 في المئة.

يبلغ معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا الآن 15 في المئة، مما يقوض القدرة الشرائية الاستهلاكية. وبالنسبة للعديد من الأتراك، لا يوفر متوسط ​​أسعار الفائدة على الودائع لمدة شهر واحد بنسبة 15.5 في المئة حماية مالية كافية لمدخراتهم عند حساب التضخم ومخاطر العملة. وتقدم الودائع لمدة ثلاثة أشهر معدلات 17.4 في المئة، لكن ثلاثة أشهر تعتبر فترة طويلة خلال الأوضاع الراهنة.

أبقى البنك المركزي التركي أسعار الفائدة دون معدلات التضخم خلال جل سنة 2020 لمساعدة الحكومة على تحقيق طفرة الاقتراض ودفع ذلك السكان المحليين لبيع عشرات المليارات من الدولارات من الليرة، مما أوصل الودائع بالعملات الأجنبية إلى أكثر من 50 في المئة من إجمالي الودائع المصرفية. وقرر الكثيرون الاحتفاظ بالدولارات واليوروهات في منازلهم، وفقا لتقارير إخبارية محلية.

ورد البنك المركزي على الهجرة الجماعية من الليرة بمضاعفة سعر الفائدة القياسي إلى 17 في المئة منذ سبتمبر. كما أقال الرئيس رجب طيب أردوغان محافظ البنك واستبدله في نوفمبر، بوزير المالية السابق ناجي إقبال، الذي تعهد بالتعامل مع الدولرة وخفض التضخم إلى 9.4 في المئة بحلول نهاية العام.

naci ağbal

لكن معظم الاقتصاديين يتوقعون تسارع تضخم أسعار المستهلكين سنويا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مما يزيد من تضييق الهوامش على عوائد الودائع بالليرة. كما دعا بعض المحللين إقبال للمضي قدما ورفع أسعار الفائدة مرة أخرى. لكنه اختار الإبقاء عليها دون تغيير هذا الأسبوع.

قد تكون أيدي إقبال مقيدة بسبب نفور أردوغان من ارتفاع أسعار الفائدة. حيث كرر الرئيس معارضته لارتفاع تكاليف الاقتراض عدة مرات منذ تعيين المحافظ الجديد، مدعيا أنها تضخمية. وكان قد أقال المحافظ الأسبق، مراد تشتين قايا، في يوليو 2019 لفشله في خفض تكاليف الاقتراض.

ومع ذلك، يتوقع إتش إس بي سي وبنك سوسيتيه جنرال أن الليرة ستصل إلى 6.5 للدولار بحلول نهاية العام، مستشهدين بالتزام البنك المركزي بأسعار الفائدة المرتفعة وكبح التضخم.

توقعت مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" للأبحاث الاقتصادية، ومقرها لندن، أن ترتفع الليرة إلى 6.25 أمام الدولار بحلول ديسمبر في تقرير هذا الأسبوع. لكن الأتراك بقوا غير مقتنعين، ويرجع ذلك جزئيا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأشهر الأخيرة وعدم الثقة في البيانات الرسمية. كما ارتفعت تكلفة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 18.1 بالمئة سنويا في يناير، وفقا لمعهد الإحصاء التركي.

وإدراكا لنقص الثقة، يخطط المعهد، بقيادة مديره الجديد أحمد كورشاد دوسدوغرو، الذي عُيّن خلفا للرئيس السابق محمد جاهد شيرين، لإدخال حاسبة تضخم لعامة الشعب باسم "تضخّمي" والبدء في نشر أرقام جديدة لتكلفة المعيشة، وفقا صحيفة دنيا.

حددت مجموعة أبحاث التضخم المستقلة، التي شكلها أكاديميون وباحثون العام الماضي، أن معدل التضخم الشهري في تركيا بلغ 3.15 في المئة في يناير. وكان هذا الرقم ضعف النسبة التي أبلغت عنها معهد الإحصاء التركي الذي أعلن عن أن النسبة تبلغ 1.68 في المئة. وقالت إن أسعار المواد الغذائية قفزت بـ5.8 في المئة.

يعتقد 51 في المئة من الأتراك أن التضخم يتزايد بأكثر من 30 في المئة سنويا، وهي نسب حددتها شركة الأبحاث ميتروبول وفقا لمسح أجرته في ديسمبر. ولم يعتبر سوى 11.9 في المئة من المستطلعين أن التضخم يتماشى مع البيانات الرسمية.

ويدرك الأتراك المخاطر السياسية أيضا. حيث ردت حكومة أردوغان على الاحتجاجات الطلابية التي اجتاحت البلاد مؤخّرا بإرسال شرطة مكافحة الشغب واحتجاز مئات المتظاهرين، مما ساهم في إحياء ذكريات احتجاجات منتزه غيزي المزعزعة للاستقرار في 2013.

كما اشتعل خلاف سياسي بين الرئيس أردوغان والولايات المتحدة بشأن شراء حكومته صواريخ الدفاع الجوي الروسية إس-400 في 2019. فقد هدد الكونغرس بفرض عقوبات اقتصادية قاسية. بينما ساعدت قائمة محدودة من العقوبات التي أقرها الرئيس دونالد ترامب في أغسطس 2018 لمعاقبة تركيا على احتجازها قسا أميركيا بتهم تتعلق بالإرهاب في إثارة أزمة العملة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkish-aversion-lira-obstructs-record-currency-rally
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.