أحمد كولوسوي
سبتمبر 06 2019

النقابات في تركيا تفشل في تحقيق مصالح العمال

حين وافقت نقابة منتسبي القطاع العام في تركيا في أغسطس الماضي على زيادة الأجور بشكل يمكّن الأعضاء من مقاومة آثار التضخم، كان في ذلك إشارة على مدى الوهن الذي وصلت إليه هذه الفئة وهي تناضل من أجل الوفاء بالتزاماتها المعيشية.

ويقول خبراء إن النقابات المهنية طالتها البيروقراطية وإن مسؤوليها يضعون مصالحهم الخاصة أمام مصالح الأعضاء.

وقال الكاتب اليساري فكرت باشكايا إن النقابات في تركيا واجهت عقبات حقيقية على مدار التاريخ، لكنها الآن باتت عبئا على الفئة العاملة التي يفترض أنها تمثلها.

وأضاف باشكايا متسائلا "لم يحدث أن اكترث اليسار في تركيا كثيرا بتدهور أوضاع النقابات. لقد وصل بهم الحال إلى الاقتناع بأن وجود كيانات سيئة أفضل من عدم وجودها على الإطلاق."

وتابع "هل هناك من يمكن أن يصدق هذا الهراء؟"

 لم تسمح الحكومة التركية حتى عام 1946 بإنشاء أول نقابات في البلاد، وواجهت تلك النقابات عراقيل منذ البداية، إذ لم يكن مسموحا لها بتنظيم إضرابات ولا بالانخراط في مفاوضات جماعية.

وفرضت الحكومة قيودا على الرسوم التي يمكن للنقابات تحصيلها بغرض الحد من قوتها.

وفي ذلك الوقت، كانت النقابات تواجه صعوبات لمجرد دفع إيجارات مقاراتها.

وقال باشكايا إن الأمر انتهى بحكومة الحزب الديمقراطي في خمسينات القرن العشرين، وبعد قدر كبير من التردد، بالسماح أخيرا بإنشاء اتحادات للنقابات المهنية، ظنا منها أن هذا سيسهل عليها السيطرة على اتحادات عدد أقل بدلا من وجود عدد كبير من النقابات المنفردة.

في عام 1952، تأسس أول اتحاد نقابي في تركيا، وكان اتحاد النقابات المهنية التركية.

وفي عام 1962، حصلت النقابات على حقوق التفاوض الجماعي وتنظيم إضرابات، رغم أن باشكايا يقول إن ذلك الاتحاد لم يحد كثيرا عن خط الحكومة.

ويضيف الكاتب التركي أن الاستثناء الوحيد كان الاتحاد التركية للنقابات المهنية التقدمية، الذي تأسس عام 1967.

وتابع "كان النظام ينظر إلى اتحاد النقابات المهنية التركية باعتباره تهديدا. وحين وصلت فرق من الجيش إلى السلطة إثر انقلاب عام 1980 وأوقفت عمل ذلك الاتحاد، كان وزير العمل في هذا النظام العسكري هو الأمين العام لاتحاد النقابات المهنية التركية. ماذا عساي أن أقول أكثر من هذا؟"

وقال أيضا "في الواقع، كان اتحاد النقابات المهنية التركية يمثل بؤرة الخيانة للطبقة العاملة."

في 12 سبتمبر عام 1980، وقع انقلاب عسكري بعد عشر سنوات من معاركة طاحنة بين القوميين اليمينيين واليساريين المسلحين.

وشنت الزمرة العسكرية حملة قمع كبرى على المجتمع بأسره، فاعتقلت مئات الألوف وبدأت حقبة من التعذيب وأعمال القتل خارج نطاق القانون.

اليساريون على وجه التحديد تعرضوا لأقسى فصول تلك الحملة، إذ استهدفت الحكومة بشكل واضح النقابات المهنية واعتقلت الكثير من أعضائها وعذبتهم بعد وقف حقوق هذه النقابات.

وقال عدنان سردار أوغلو، رئيس نقابة العاملين في الصناعات المعدنية إن الحقبة التي أعقبت الانقلاب كانت بمثابة نقطة البداية للكارثة التي تقف النقابات أمامها اليوم.

وأضاف سردار أوغلو "كانت الحركة النقابية قبل 12 سبتمبر وتلك التي خلفتها مختلفتين بشكل كلي عن بعضهما البعض."

وتابع "قبل الانقلاب، كان الناس يأتون إلى النقابات وهم يعرفون ما يعانونه، وكانت لديهم الوعي بقدر التضحيات المطلوبة. كان ما يحدث في هذه الفترة عبارة عن نضال فئة."

واستطرد "بعد 12 سبتمبر، سار كل شيء في الاتجاه المعاكس.. فلقد سمح (الانقلاب) بصعود حركة نقابية تدين له بالولاء التام."

وقال سردار أوغلو أيضا إن الضغط على النقابات بعد الانقلاب وموجة التضليل والمعلومات الزائفة دفعت كثيرا من العمل للنأي بأنفسهم عن الحركة العمالية فباتوا يفضلون التصرف بشكل منفرد.

وأضاف "ترسخت فلسفة 12 سبتمبر في أذهان الناس. كان أرباب الأعمال يستغلون النقابات لإبقاء العمال تحت السيطرة."

في الوقت نفسه، أصبحت النقابات تضج بالبيروقراطيين الذين لا يخدمون سوى مصالحهم الخاصة، والذين يتعاملون مع من في السلطة من هذا المنطلق.

كل هذا ترك الحركة في حالة يرثى لها، إذ أصبح القسم الأكبر من العمال يفضلون عدم تسجيل أنفسهم كأعضاء فيها، مثلما يقول علي كارابوداك من رابطة التضامن العمالي.

وقال "نريد الوصول إلى العمال الذين عجزت النقابات عن الوصول إليهم. يُقال إن هناك 15 مليون عامل مسجلين في تركيا، لكن لا يوجد سوى مليون منهم فقط مسجلين كأعضاء في نقابات."

لكنه تابع قائلا إن حتى عضوية نقابة لم تكن تعني قدرة العمال على ممارسة حقوقهم.

واستطرد "رغم هذا العدد الكبير من العمال غير المنتمين لنقابات، فإن النقابات لا تظهر تقريبا أي قدرة على ضمان ممارسة هؤلاء لحقوقهم الدستورية.

"تحصّل النقابات في تركيا رسوما كبيرة. ولهذا يبدو أن القائمين على النقابات المهنية لا يكترثون بالعمال غير المتعاقدين، لأنهم لا يسددون أي رسوم."

وقال أيضا "بعض القائمين على النقابات على درجة من الثراء توازي ثراء رجال الصناعة. وبالمقارنة مع الماضي، فإن التضامن الاجتماعي والسياسي داخل الطبقة المتوسطة أصبح أضعف بمراحل."

ولطالما واجه اتحاد النقابات المهنية التركية، وهو أقدم رابطة نقابية على الإطلاق، الكثير من الانتقادات بسبب ارتباطه اللصيق بالحكومة.

وقال مصطفى تركر، العضو السابق في اتحاد النقابات المهنية التركية، والذي استقال ليصبح رئيسا لنقابة مصنعي المنتجات الغذائية "يتصرفون وكأنهم يحاولون حل المشاكل، ثم يتيحون لها موطيء قدم."

النقابات في تركيا في مشاكل وخلافات لا تزال مستمرة منذ فترة طويلة، ليس أقلها ما يعيشه عدد من عمال شركة كارجيل للصناعات الغذائية وهؤلاء في نزاع مع الشركة منذ أكثر من 500 يوم بعد فصلهم من العمل لأنهم حاولوا تشكيل نقابة داخل شركتهم.

ويواصل هؤلاء العمال وعددهم 14 الاعتصام أمام مقر الشركة في إقليم بورصة في غرب تركيا منذ قرار فصلهم إثر انضمامهم إلى نقابة مصنعي المنتجات الغذائية.

وطوّر العمال مطالبهم ليتحول الأمر إلى أحد أسوا النزاعات العمالية في البلاد وهو أمر جلب لهم قدرا كبيرا من الدعم.

وقال فاهري، وهو عضو في نقابة الصلب التركية إن انتزاع العمال لحقوق أفضل لن يتأتى من خلال الارتباط بعلاقات مع الحكومة، بل من خلال نضال تصاعدي.

وقال فاهري "أعتقد أن النقابات لا تدافع عن حقوق العمال. فقادة النقابات أصبحوا في معزل عن العمال. وإلى أن يتسنى لنا طرح ما نريده، وإلى أن يتسنى لنا البناء من الجذور، أعتقد أننا لن نصل إلى عمل نقابي حقيقي."

وتابع "أفضل طريقة لتحقيق هذا هي دفع ما علينا من مستحقات. فالمال مطلوب من أجل الإضرابات."

واستطرد "للقضاء على البيروقراطية، لا يكفي القيام بعمل ما داخل مصنع واحد. فنحن بحاجة لتشكيل جبهة على مستوى البلاد."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/workers-rights/turkeys-ossified-unions-fail-defend-workers-interests
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.