القلق يعم إسطنبول استعداداً لمواجهة كورونا

الهدوء الذي خيم على إسطنبول يثير القلق. عادة ما تكون المدينة الضخمة التي يقطنها ما يربو على 16 مليون نسمة واحدة من أكثر المدن صخباً في العالم، لكن إسطنبول الآن صامتة ومكبوتة لدرجة أنها أصبحت مدينة مختلفة.

في حي غوزتيبه، على الجانب الآسيوي من المدينة، المطاعم ومنافذ الوجبات السريعة والمقاهي التي عادة ما تكون مكتظة بالطلاب من الجامعة القريبة مظلمة وصامتة، أمرت الحكومة بإغلاقها في وقت مبكر من الأسبوع الماضي في إطار إجراءات مواجهة فيروس كورونا المستجد. الجامعات مغلقة، وكذلك المدارس والمساجد والحانات وأماكن الزفاف وقاعات الحفلات الموسيقية وصالات الرياضة ودور السينما ومعظم المحلات التجارية التي لا تبيع المواد الغذائية أو المستلزمات الأساسية.

أما الطرق، التي عادة ما تكون مزدحمة بحركة المرور، شبه خالية. لا تزال الحافلات نصف الفارغة تقدم الخدمات وتزحف سيارات الأجرة يائسة بحثاً عن زبائن. تم إسكات أصوات الضجيج والصخب لأعمال البناء في كل مكان في الحي الذي أعيش فيه. حتى السماء أكثر سكوناً في أعقاب تعليق معظم الرحلات الجوية من وإلى البلاد.

لكن محلات السوبر ماركت ومحلات البقالة هي أكثر الأماكن ازدحاماً في الحي، على الرغم من فرض قيود جديدة على العملاء. الأرفف بشكل عام تحمل مخزونات بشكل جيد. كانت هناك عمليات شراء محمومة قليلة شوهدت في بعض البلدان والوضع هادئ بشكل عام، ويصطف المتسوقون في صمت غير مريح. يرتدي البعض كمامات الوجه ومعظمهم لا يفعلون ذلك.

من غير المعروف عن سكان إسطنبول عادة احترامهم للمساحة الشخصية لكنهم الآن غالباً ما يحافظون على بعدهم عن بعضهم البعض بعدما أصبحت أي جولة إلى أحد المتاجر أو لمس أي سطح ملوث بفيروس كوفيد-19 يمكن أن يغير مسار حياتهم بشكل كبير.

يعبر الناس الشارع لتجنب الآخرين، أو يتجولون ويبعدون وجوههم. تشكلت طوابير انتظار خارج البنوك وتقوم الصيدليات بتجارة سريعة في مطهرات الأيدي وأقنعة الوجه الرقيقة الرخيصة. يلمس الناس أجهزة الصراف الآلي بحذر شديد بالمناديل الورقية أو باستخدام القفازات الطبية. يفتحون الأبواب بأقدامهم. في محل البقالة المحلي، يرش صاحب المتجر أيدي زبائنه بعطر سيء الرائحة، على أمل أن نسبة الكحول العالية فيه ستقضي على أي جراثيم.

ثمة شعور بأنك في حالة شبه مغلقة هنا، ولا نرى حتى الآن الواقع المرير الكامل في بعض البلدان الأخرى. اختارت الحكومة التركية، التي تبدي شعوراً بالهدوء والسيطرة، مزيجاً من الإجراءات القوية واتباع نهج عدم التدخل. وقد فرضت الحجر الصحي على آلاف العائدين من أداء مناسك العمرة في مكة، وأعلنت عن حزمة إنقاذ اقتصادية بقيمة 15 مليار دولار، وخصصت العديد من مرافق الرعاية الصحية الخاصة في إسطنبول كمستشفيات للتعامل مع الوباء.

وتم وضع من تزيد أعمارهم على 65 عاماً، الذين يعانون من حالات صحية مزمنة، تحت حظر صارم، فلا يسمح لهم بمغادرة المنزل ولكن يتم تزويدهم بالطعام والاحتياجات الأخرى من قبل عمال البلدية والشرطة إذا لزم الأمر وهو أمر نظري وإن كان ممارسة لشاهدنا كثيرين من النخبة السياسية الطاعنة في السن في تركيا في منازلهم.

وقال وزير الصحة التركي إنه لا توجد حاجة لحظر تجول عام في الوقت الحالي، لكنه قال إنه ينبغي على الناس أن يعلنوا "وضعهم الشخصي للطوارئ" وأن يبقوا في منازلهم إن أمكن.

ومع ذلك، لا يزال الكثير من الناس يذهبون إلى العمل، لا سيما في المناطق الأكثر فقراً. وقد دعا الأطباء الحكومة إلى تطبيق إجازة مدفوعة الأجر حتى يتمكن العمال من البقاء في منازلهم لمنع تفشي الفيروس.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، كانت الشرطة تطلب من حشود من الأشخاص المتجمعين على شاطئ البحر العودة إلى منازلهم، وبدأت البلدية في إزالة المقاعد لمنع الناس من التجمع. وقد تضاءل عدد الأشخاص في الأماكن العامة ببطء خلال الأسبوع الماضي.

وفي متنزهي المحلي الأسبوع الماضي، كان هناك الكثير من الأشخاص يمارسون التمارين في صالات الألعاب الرياضية وكان العديد من الأطفال في الملاعب حتى بعد أن دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الناس إلى عدم مغادرة منازلهم ما لم يكن ذلك ضرورياً للغاية.

وبحلول هذا الأسبوع، كان هناك عدد قليل من الأشخاص المتناثرين الذين يتجولون في الحديقة، قلقين لتجنب الركض المتقطع في بعض الأحيان. لعبت مجموعة من الشباب كرة القدم في حين كان قطار مرمرة يمر خلفهم خالٍ تقريباً من الركاب. تم رفع الطاولات المزدحمة عادة في الحديقة وتطويقها. بدا الأمر غريباً جداً، تماماً كما كانت الحديقة في أزهار الربيع الأولى، كان كثيرون من الناس يدخلون في نوع من السبات.

قال أردوغان إن تركيا قد تتغلب على الفيروس في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ولكن ثمة شعوراً بين الكثيرين بأن الحكومة كانت بطيئة للغاية في الاستجابة لمواجهة الفيروس، والآن أصبحت البلاد على وشك تفشي المرض بالكامل. تم الإعلان عن أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في تركيا في الحادي عشر من مارس فقط. وبحلول يوم الخميس، ارتفع عدد المصابين في تركيا إلى 3629 حالة وعدد الوفيات إلى 75 حالة. لكن الحكومة اختبرت وجود الفيروس بأعداد منخفضة نسبياً، ولا يثق كثير من الأشخاص في السلطات ويعتقدون أن العدد الحقيقي للمصابين أعلى بكثير.

وقد انعكس بعض تردد السلطات في ولع تركيا المتعصب بكرة القدم. ففي حين تم تعليق كل دوريات كرة القدم الأوروبية الكبرى الأخرى، لعب الدوري التركي الممتاز لكرة القدم لفترة من الوقت أمام مدرجات فارغة، حتى بدأ اللاعبون في التعبير عن مخاوفهم وتم تعليقه في نهاية المطاف الأسبوع الماضي.

وقال المؤرخ الأوروغواياني إدواردو غاليانو "لا يوجد شيء أقل فراغاً من الاستاد الفارغ. لا يوجد شيء أقل صمتاً من مدرجات خالية من الجماهير". وفي شوارع إسطنبول ينطبق منطق مماثل على الساحات والشوارع المهجورة إلى حد كبير، التي عادة ما تكون مكتظة لكنها صامتة صمت غريب.

في المساء يكون الهدوء مطبقاً وشاملاً. بالكاد أرى أو أسمع جيراني. يبدو الأمر كما لو أن الجميع يتعرضون للضغط والاستعداد للعاصفة.

لا يزال آذان الصلاة يكسر الصمت خمس مرات في اليوم والصوت يبدو أعلى بكثير وسط صمت المدينة. وفي الساعة التاسعة مساءً كل يوم تنطلق أصوات إذ يخرج الناس إلى شرفاتهم أو يفتحون نوافذهم للتصفيق وطرق الأواني لإظهار امتنانهم للأطباء والممرضات الذين يعملون في حماس شديد في المستشفيات التي قد يجتاحها قريباً مرضى فيروس كورونا.

ثم تعود المدينة إلى الصمت مرة أخرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-coronavirus/istanbul-eerily-braces-coronavirus