القمع السياسي يدفع الأدباء الأتراك لمزيد من الرقابة الذاتية

عندما نُشرت مجموعة القصص القصيرة (شقة زمرد) للكاتب التركي عبدالله شيفكي في عام 2013، لم يكن المؤلف يتخيل أن الكتاب سيضع اسمه في يوم من الأيام بين أسماء شهيرة من أمثال فلاديمير نابوكوف وسلمان رشدي وويليام بوروز. وبعد مرور ست سنوات، ربما يكون الرجل يتمنى أن لم يحدث هذا.

ففي الشهر الماضي، صارت (شقة زمرد) أحدث عمل ينضم إلى قائمة من الأعمال التي واجه كُتّابها وناشروها تداعيات قانونية في تركيا. لكن هذه المرة هناك اختلاف مهم؛ فقد سُحب الكتاب من السوق، ويواجه شيفكي وناشر الكتاب، علاء الدين توبجو، احتمال صدور حكم بالسجن بحقهما، ليس برغبة السلطات السياسية، وإنما بسبب مطالب الآلاف الذين احتجوا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأبلغ خبراء ومؤلفون وأشخاص على دراية بقطاع النشر موقعَ أحوال تركية بأنهم يخشون من أن يؤدي هذا إلى رقابة متشددة على قطاع النشر في تركيا.

انطلقت شرارة الغضب الأولى بعد أن نشر أحد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صورة من إحدى صفحات قصص شيفكي لنص يتحدث فيه الراوي بضمير المتكلم ويصف فيه كيف أقدم على الاعتداء جنسياً على رضيع.

ويرى الكاتب والناقد باريش أوزكول أن هذا كان نوعاً من أنواع التصوير المبتذل الذي يفتقر إلى الجدارة الأدبية لعمل يتناول الموضوع مثل رواية (لوليتا) لنابوكوف. ويقول أوزكول إن القيمة التي يتناولها الكاتب يجب أن تكون مسألة خاضعة للنقاش الأدبي، لا للمحاكمات الجنائية. أضاف "اليوم، بات من الممكن أن يكون كل شيء في تركيا خاضعاً للتحقيق الجنائي بسهولة. التعبير عن رأي نقدي أو معارض أمر كافٍ لمحاكمة شخص ما. كتابة الروايات ليست مستثناة من هذا."

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى تحول الغضب من شيفكي إلى موجة أوسع نطاقاً تستهدف كتّاباً وُصفت أعمالهم بأنها خادشة للحياء العام وفاحشة، بما في ذلك أعمال كتّاب معروفين من أمثال عائشة كولين والراحلة دويجو أثينا.

وقالت الكاتبة أليف شفق، وهي من الكتاب الذين تلقى أعمالهم رواجاً كبيراً وممن استُهدفت أعمالهم، "في رواياتي أكتب حول موضوعات صعبة، بما في ذلك التحرش الجنسي، والاغتصاب، وسفاح المحارم، لأن هذه مشاكل كبيرة في تركيا ولا يمكن لكتاب الرواية أن يلتزموا الصمت أمام هذه القضايا".

وبعد أن أشار أحد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى فقرة تتناول حالة اعتداء جنسي على طفل في رواية شفق (ذا غيز)، أو (محرم) بالتركية، تلقت الكاتبة آلاف الرسائل المزعجة على مواقع التواصل الاجتماعي في يومين فقط. وذكرت صحيفة الغارديان يوم الجمعة أن أحد ممثلي الادعاء شرع في الاطلاع على الرواية وفحصها.

وتقول إليزابيث نولت، وهي أستاذة في جامعة ووريك وباحثة في شؤون الرقابة على الأعمال الأدبية في تركيا، إن هذه المضايقات النابعة من القاعدة الشعبية، لا من القمة، مختلفة تماماً عن حالات الرقابة السابقة ذات الدوافع السياسية.

وأشارت نولت إلى أن فترات الرقابة الشديدة وقمع حرية التعبير في تاريخ تركيا كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقمع والقيود التي كانت مفروضة على وسائل الإعلام. وأردفت قائلة "من تاريخ صدور قانون الصحافة في عام 1931 إلى فترة الانقلابات العسكرية في أعوام 1960 و1971 و1980، وحتى الآن، تُصاحب التغييرات السياسية بوجه عام رقابةٌ ومحاولات من جانب الدولة لتشكيل ملامح الثقافة والأخلاق والهوية التركية".

وخلال أول عقدين بعد تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، تمكنت دولة الحزب الواحد من الضغط على الكُتّاب بشكل مباشر. وقد كان الكثير من هؤلاء الكتاب أعضاءً في البرلمان، وكان الشكل الأساسي لنشر الأعمال الأدبية في صورة سلاسل تُنشر في الصحف. وبعد انطلاق نظام التعدد الحزبي في عام 1945، صار حظر الكتب والمحاكمات والغرامات والضرائب سمة أساسية للرقابة على الأعمال الأدبية، وفقاً لما ذكرته نولت.

أضافت أنه في الآونة الأخيرة، لجأت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى تطبيق التكتيكات ذاتها على الأدب الذي تستخدمه للسيطرة على وسائل الإعلام، بما في ذلك الغرامات المالية والسجن والتعريف الفضفاض للمخالفات التي تدخل في نطاق جرائم الإرهاب، وحشد القطاع تحت لواء كيانات رسمية موالية للحكومة.

عانت شفق من قمع الدولة في عام 2006، عندما مثُلت أمام المحكمة لتناولها قضية مذبحة الأرمن في روايتها (لقيطة إسطنبول). تمت تبرئة ساحة الكاتبة في نهاية الأمر، وكانت القضية من أبرز قضايا التعبير عن الرأي في ذلك الحين.

الزوار يطالعون الكتب خلال معرض الكتاب الدولي في مدينة أنقرة يوم 23 فبراير 2019
الزوار يطالعون الكتب خلال معرض الكتاب الدولي في مدينة أنقرة يوم 23 فبراير 2019

جرت محاكمة مبكرة مرتبطة بالرقابة عام 1939 بعد حظر السلطات لترجمة نُصحي بيدر لرواية (أفروديتي: الأعراف القديمة) للكاتب بيير لويس، والتي تعود إلى عام 1896. وقد مثُل من قاموا على نشر الترجمة وطباعتها للمحاكمة قبل أن يتم الإفراج عنهم في أعقاب معركة قانونية طويلة حظيت بتغطية كبيرة وأثارت غضب الجماهير.

لكن في ذلك الوقت، قوبلت اتهامات الفحش والإخلال بالآداب العامة التي وجهتها السلطات بمعارضة من قطاعات عريضة من المجتمع التركي.

وقالت نولت إنه "على عكس (شقة زمرد)، حيث هناك ضغط شعبي من جميع الأطياف السياسية لإجراء تحقيق، كان هناك اصطفاف شعبي وراء غالبية المفكرين – بما في ذلك بيامي صفا المحافظ، ونجيب فاضل قيصاكورك – للدفاع عن الجدارة الأدبية لتلك الترجمة، دافعين بأن "أفروديتي: الأعراف القديمة" من روائع الأدب العالمي. من ثم فقد حظيت محاكمة أفروديتي باهتمام كبير من الجماهير لدرجة أن التغطية الإعلامية لها فاقت أخبار اندلاع الحرب العالمية الثانية، وصار الكتاب سريعاً من بين الأكثر مبيعاً،" وفقاً لنولت.

وفي إحدى القضايا الأخرى الشهيرة في عام 1986، حظرت محكمة رواية (مدار الجدي) للكاتب هنري ميلر مدّعية إثارتها للشهوات الجنسية بين الناس. سُمح بنشر الكتاب فيما بعد مع حذف الأجزاء المخالفة للآداب العامة. وفي تحرك عصيان مدني جديد من نوعه، نفّذ الناشرون قرار المحكمة، لكنهم نشروا في نهاية الكتاب أيضاً القرار الذي تضمن الفقرات التي خضعت للرقابة.

إذن، فماذا عن تحول الهجوم على "شقة زمرد" إلى حملة عامة؟

تعتقد شفق أن الغضب نابع من السياق السياسي في تركيا. وقالت إن "حالات العنف ضد المرأة والأطفال تنامت بنسبة ألف و400 في المئة خلال السنوات الأخيرة". وفي ظل تزايد فجاجة حالات التحرش والانتهاكات الجنسية في تركيا، يعتقد الكثيرون أن الحكومة عجزت عن توفير الحماية للأطفال.

في عام 2016، وُجهت لمعلّم يبلغ من العمر 54 عاماً تهمة الاعتداء الجنسي على أطفال في دور ضيافة كانت تديرها منظمتان إسلاميتان بصورة غير قانونية. إحدى هاتين المنظمتين، وهي مؤسسة أنصار، معروفة بعلاقتها الوثيقة بالحكومة التركية. وعلى الرغم من الغضب العام، سُمح لها بالاستمرار في العمل مع وزارة التعليم، بما في ذلك تدريس مادة التربية الدينية في المدارس.

وهذه واحدة من عدة حالات أطلقت حملات انضم لها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بالتحرك في قضايا مرتبطة بالتحرش الجنسي وانتهاك حقوق المرأة والأطفال. وتزامنت موجة الاحتقان ضد كتاب شيفكي الأسبوع الماضي مع تقارير عن أن رضيعاً في شهره الثامن عشر تعرض للاغتصاب والقتل على يد أحد أقاربه في إسطنبول.

بمعنى أخر، فإن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ينصّبون أنفسهم قضاة يحمون الأخلاق في الحالات التي يشعرون فيها بفشل الدولة في تحقيق هذا. وفي بعض الحالات، مثل قضية مقتل الطالبة شولي جيت في أنقرة ومقتل ربيعة ناز فاتان، كان النشاط على وسائل الإعلام الاجتماعي ملجأ أخيراً لجذب الانتباه إلى أوجه الظلم الفادح. لكن حملة الحشد التي تدعو إلى حظر الكتب ومعاقبة المؤلفين قد يُنظر إليها على أنها جانب أكثر قتامة لهذه الظاهرة.

وقال أوزكول "صفحة واحدة، وفقرة واحدة، بل وحتى جملة واحدة، من الممكن أن تثير غضباً وردود أفعال جماعية. نحن في زمن يمكن لتغريدة واحدة فيه أن تكون أكثر تأثيراً من كتاب".

لوحظ هذا النوع من ردود الأفعال الغاضبة في تركيا عام 1993، عندما تسببت حالة من الجدل بشأن أحد الأعمال الأدبية في تداعيات وخيمة. فقد كانت ترجمة الكاتب التركي عزيز نيسين لرواية سلمان رشدي (آيات شيطانية) فضيحة عندما نُشرت في سلسلة في صحيفة آيدنليك عام 1993.

شعر المحافظون المتدينون بقلق بالغ إزاء التقارير التي تحدثت عن وصف رشدي للرسول محمد. وعندما حضر نيسين مهرجاناً ثقافياً نظمه مفكرون وفنانون علويون في سيواس بوسط الأناضول، حاصرت حشود غاضبة بقياد إسلاميين راديكاليين الفندق وأضرموا النار فيه. حُرق 35 شخصاً أحياء، وكان معظمهم من المشاركين في المهرجان، فيما يعرف الآن بمذبحة سيواس.

وربما كان هذا تعبيراً متطرفاً عما يصفه أوزكول بأنه توجه على نطاق واسع في تركيا للنظر إلى الأدب من زاوية أخلاقية متزمتة دون تفريق بين الشخصيات الوهمية والواقع.

وترى نولت أن هذا السلوك زاد حدة بفعل الغضب الشعبي في الآونة الاخيرة على خلفية حالات الاعتداء على أطفال، وتقول إن هذا يؤدي إلى "تحول نحو رقابة من المواطنين في حفظ نظام المحتوى الثقافي".

أضافت "يميز حجم رد فعل الجمهور والتحقيقات التي تمت بأثر رجعي بشأن (شقة زمرد)، والتي ظلت موجودة في السوق على مدى ست سنوات، هذا النوع عن غيره من قضايا الفُحش وخدش الحياء العام ويشكّل سابقة خطيرة".

وبدأ التحول نحو القمع السياسي الصريح للأعمال الأدبية المتخطية للحدود بالفعل عندما وُجّهت اتهامات بخدش الحياء العام ضد ترجمتين، إحداهما لرواية ويليام بوروز (الآلة الناعمة) والأخرى لرواية تشاك بولانيك (سناف)، وفقاً لما ذكرته نولت.

وبدلاً من الاعتماد على آراء الخبراء والقيمة الأدبية لهذين العملين، أجّل القاضي المحاكمة لثلاث سنوات وحذّر الناشرين من أن نشر أي أعمال خادشة للحياء العام في المستقبل سيُضاف إلى الاتهامات، وهو قرار فسره القطاع على أنه يشكل تحولاً في السياسة ومحاولة لتخويف الناشرين.

وتضيف آفاق الحملات العامة ضد الروائيين المزيد من الضغوط على القطاع.

وقالت شفق "ما أخشاه هو أن هذا المناخ المسمّم سيكون سبباً يزيد صعوبة إنتاج المؤلفين والفنانين لأعمال أدبية وفنية. هناك بالفعل رقابة ذاتية على نطاق واسع بين الأدباء بسبب القمع السياسي. من الآن فصاعداً، سيكون لدينا المزيد من ذلك".

أضافت نولت أن الحملة التي طالت حرية التعبير منذ احتجاجات غيزي في عام 2013، وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في عام 2016، كان من شأنها أن جعلت مستوى الرقابة الذاتية ضرورة للمؤلفين والمحررين الأتراك. الواقعة الأخيرة قد تمضي بهذا في اتجاه أكثر تطرفاً."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/publishing/outrage-over-fictional-child-abuse-may-lead-extreme-self-censorship-turkey