القصة وراء توقعات صندوق النقد الدولي بشأن تركيا

عندما نلقي نظرة على تفاصيل الاقتصاد الكلي لتركيا في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2021، نجد أن هناك مساراً مثيراً للاهتمام يسلكه الاقتصاد.

وصل صندوق النقد الدولي إلى توقعاته قبل إقالة ناجي إقبال من منصب محافظ البنك المركزي الشهر الماضي. سيتطلب إقالة إقبال وتعيين إيهاب كافجي أوغلو، وهو تدخل مباشر في السياسة النقدية من قبل الرئيس رجب طيب أردوغان، من صندوق النقد الدولي تحديث توقعاته بسبب الاضطراب الذي أحدثه في الأسواق المالية. ويعد تجدد حالة عدم اليقين المحيطة بالسياسة النقدية، وانخفاض قيمة الليرة، وارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو، هي نتائج مباشرة لما يحدث.

ومع ذلك، فإن توقعات صندوق النقد الدولي التي تغطي الفترة من 2021 إلى 2026 تشير إلى الاتجاه المحتمل للاقتصاد التركي.

بدءًا من النمو الاقتصادي، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتوسع الاقتصاد التركي بنسبة 6 بالمئة هذا العام بسبب عوامل مؤقتة في أعقاب جائحة كورونا لعام 2020. وتشمل هذه عودة الطلب المحلي المتأخر بسبب تخفيف إجراءات حظر التجول بسبب الوباء، والصادرات القوية مع نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي فوق المتوسط ​​لأسباب مماثلة، واستمرار تحفيز العام الماضي الائتماني للطلب المحلي.

ومن الناحية الحسابية وحدها، من الممكن لتركيا أن تسجل نموًا في إجمالي الناتج المحلي يتراوح بين 4 بالمئة و 5 بالمئة. ومع ذلك، إذا لم يتم تحفيز الاقتصاد التركي من خلال التدابير المالية والنقدية، كما حدث في 2019-2020، وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي، فلن يتجاوز النمو السنوي 3.5 بالمئة بين عامي 2022 و 2026.

ونظرًا لأن وضع توقعات طويلة الأجل يزيد من عدم القدرة على التنبؤ، فمن الطبيعي أن يحدد صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو السنوي في مرحلة ما. ومع ذلك، من الأفضل أن يتوقع الصندوق نموًا بنسبة 3.5 بالمئة في إجمالي الناتج المحلي حتى عام 2026 بدلاً من 5 بالمئة المعتادة، وهو معدل النمو المحتمل لتركيا.

ومن الواضح أن صندوق النقد الدولي يعتقد أن نمو تركيا سيظل أقل من الاحتمالات بعد عام 2021. وعلى الرغم من عدم ذكر الأسباب بوضوح، إلا أن تنبؤات صندوق النقد الدولي مبنية على تأخر تركيا في تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي، وأن السياسات الاقتصادية تحددها الرئاسة، متجاهلةً المؤسسات الأخرى، وبالتالي فإن أداء الاقتصاد التركي يتأرجح ويبقى دون الاحتمالات بسبب اتباع سياسة "التجربة والخطأ".

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن صندوق النقد الدولي يرى أن الليرة مستمرة في الانخفاض حتى عام 2026، على الرغم من أن التوقعات جاءت خلال فترة إقبال المستقرة بشكل نسبي.

ومنذ عام 2018، فقدت الليرة أكثر من نصف قيمتها. لذلك، إذا كان الاستقرار الاقتصادي والمالي متوقعًا ، فقد تظل قيمة العملة ثابتة نسبيًا في السنوات التي أعقبت هذا التخفيض الهائل لقيمة العملة. ومع ذلك، فإن متوسط ​​توقعات صندوق النقد الدولي لليرة مقارنة بالدولار لعام 2021 هو 7.58 لكل دولار، وفي عام 2022 يبلغ 7.94 لكل دولار. ويتوقع الصندوق كذلك أن تضعف العملة إلى 9.38 للدولار بحلول عام 2026. ويرجع ذلك إلى أنه من المتوقع أن يظل معدل التضخم في تركيا مرتفعًا وأن عملات الدول النامية ستنخفض حتما خلال فترة يكون فيها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عازمًا على تشديد السياسة النقدية.

وعندما نتحدث عن التضخم، تجدر الإشارة إلى أن توقعات تضخم أسعار المستهلكين لصندوق النقد الدولي لنهاية عام 2021 تبلغ 12.5 بالمئة، وهي أعلى بكثير من تقدير البنك المركزي البالغ 9.4 بالمئة. يحافظ صندوق النقد الدولي على متوسط ​​توقعات التضخم لتركيا عند 11 بالمئة بين عامي 2023 و2026، مما يشير إلى أنه لا يتوقع تحسنًا في جانب السياسة النقدية. وبالنظر إلى توقعه للنمو الاقتصادي الضعيف خلال هذه الفترة، أصبحت نظرة صندوق النقد الدولي للاقتصاد التركي أكثر وضوحًا.

تظهر توقعات الصندوق للادخار والاستثمار كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي أنه يتوقع أن تتجاوز الاستثمارات المدخرات خلال السنوات الخمس المقبلة. هذا يعني أن تركيا ستستمر في تسجيل عجز في الحساب الجاري، وهو أحد المشاكل الهيكلية للاقتصاد. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتقلص عجز الحساب الجاري من نسبة غير مستدامة تبلغ 5.1 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العام الماضي إلى 3.4 بالمئة هذا العام ثم إلى حوالي 2 بالمئة، أو أقل بقليل من هذا المستوى، خلال فترة التوقعات، مما يعني أن حدوث عجز معتدل بشكل نسبي سيصاحب نمو ضعيف للناتج المحلي الإجمالي.

كل هذا يحدث بالطبع نتيجة حقيقة أن تركيا لم تعد مركز جذب للاستثمار الأجنبي ولا يمكنها جذب التمويل الكافي إلى الاقتصاد بسبب سوء الإدارة.

وعلى الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي لمعدلات النمو الاقتصادي المنخفضة والتضخم المرتفع وانخفاض معدلات الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي من المتوقع أن تنخفض إلى 29.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 مقارنة بـ 31.5 بالمئة في عام 2020، يتوقع الصندوق أن تنخفض البطالة إلى 8.4 بالمئة خلال الخمس سنوات القادمة.

لا يبدو أن هذا يتوافق مع ديناميكيات سوق العمل في تركيا. حيث يدل النمو السكاني - أكثر من مليون شخص يدخلون سوق العمل كل عام - وارتفاع معدل البطالة بين الشباب، والذي يسجل تقريباً 30 بالمئة، على أن انخفاض معدلات البطالة عن 10 بالمئة غير مرجح عندما يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.5 بالمئة فقط.

وبالنظر إلى توقعات صندوق النقد الدولي لميزانية تركيا، تظهر الأرقام أن الصندوق لا يتوقع أن تعلن الحكومة عن خطة تقشف كبيرة.

وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، ظلت توقعات الصندوق لنسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل بقليل من 35 بالمئة، في حين من المتوقع أن تنخفض نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 28.6 بالمئة مقارنة بـ 29.3 بالمئة. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يرتفع الاقتراض الحكومي، حيث ينمو صافي رصيد الدين العام إلى 33.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام مقارنة بـ 25.7 بالمئة في عام 2019، ثم يقفز إلى 42 بالمئة بحلول نهاية عام 2026.

هذه الصورة ثلاثية الأبعاد للنمو الاقتصادي المنخفض والتضخم المرتفع والدين العام المتزايد التي رسمها صندوق النقد الدولي يمكن أن تتراجع كذلك بشكل كبير. وذلك لأن سياسات الحكومة وحلفائها القوميين لا يمكن توقعها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في عام 2023. وكخبير اقتصادي، فإن توقع "سيناريو الحالة الأساسية" للاقتصاد التركي خلال فترة الانتخابات هو درب من دروب الخيال.

ومع ذلك، فإن التوقعات الضعيفة للاقتصاد التي وصفها صندوق النقد الدولي تخبرنا أن مسؤولي الصندوق في واشنطن لا يتوقعون أي تحسن ملحوظ في الإدارة الاقتصادية لتركيا.

وكما أكدت باستمرار، فإن استمرار التدهور الكبير في الاقتصاد التركي ونظام العدالة والصحة والتعليم ناتج عن افتقار حزب العدالة والتنمية الحاكم للرؤية بعد 19 عامًا في السلطة. وهو الآن غير قادر على التوصل إلى حلول للمشاكل التي أوجدها في كل المجالات. ومن ثم، ومن أجل تحقيق تحسن كبير في الاقتصاد، لا بد أن يحدث تحول في الحكم في تركيا، وأصبحت التغييرات في نهج الإدارة أمر لا مفر منه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/story-behind-imfs-turkey-forecasts
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.