العقوبات الأميركية تستهدف تركيا وروسيا أيضا

بعد تأجيل اتخاذ إجراء ردا على شراء تركيا لأنظمة صواريخ روسية من طراز إس-400 لمدة سنة ونصف تقريبا، أعلنت إدارة دونالد ترامب يوم الاثنين فرض عقوبات يتطلبها قانون خصوم أعداء أميركا من خلال العقوبات.

وتبقى مجموعة العقوبات التي تستهدف الوكالة التركية المسؤولة عن المشتريات، رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، ورئيسها إسماعيل دمير، وثلاثة مسؤولين كبار آخرين ضيقة لأن تركيا لم تكن الطرف الأساسي المستهدف من قانون كاستا.

جرى تمرير قانون كاستا في 2017 لمواجهة التدخلات الروسية في أوكرانيا وسوريا والانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2016، إلى جانب إجراءات أخرى تستهدف إيران وكوريا الشمالية. ويفرض القانون عقوبات ثانوية مثل تلك المفروضة على رئاسة الصناعات الدفاعية التركية وقيادتها كوسيلة لحرمان روسيا من عائدات قطاع الدفاع بردع شراء صادراتها العسكرية.

قد تكون العقوبات محدودة من منظور اقتصادي وطني، لكن  محلل السياسة الخارجية المستقل، جارود تيلور، قال لموقع أحوال تركية إنه "ليس قطع وكالة الاستحواذ الدفاعية لدولة ما عن صناعة الدفاع الأميركية بالأمر الهين. تتجه استراتيجية التحديث العسكري التركي والصادرات الدفاعية نحو زيادة الاعتماد على الذات، لكنهم لا يزالون يعتمدون على تراخيص التصدير الأميركية في كثير من الحالات".

ليست تركيا محور عقوبات قانون مكافحة خصوم أميركا (قانون كاستا)، ويعاني اقتصادها من ضائقة شديدة بعد سنوات من سوء الإدارة. فقد استنزفت أنقرة مليارات الدولارات من الاحتياطيات الأجنبية في محاولة فاشلة لدعم الليرة المتعثرة. وباستثناء المقايضات قصيرة الأجل مع البنوك التجارية، وبلغ صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي سالب 52 مليار دولار في نهاية أكتوبر.

على الرغم من بعض التحسن في الأسابيع الأخيرة بفضل التغيير الكبير في القيادة الاقتصادية التركية، لا توفر حالة الاقتصاد السيئة للرئيس رجب طيب أردوغان أساسا قويا لمواجهة واشنطن إذا قررت تصعيد العقوبات في المستقبل.

كما وتواجه تركيا عقوبات من الاتحاد الأوروبي بسبب أنشطتها الاستكشافية في المناطق المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط.

تمتع أردوغان بنفوذ غير مسبوق على نظيره الأميركي ترامب، لكن علاقتهما لا يمكن أن توفر لأنقرة إلا درعا مؤقتا ضد العقوبات الأميركية. فلم يكن لدى ترامب في النهاية أي خيار في هذا الشأن.

في الأسبوع الماضي، أقرت الأغلبية في الكونغرس قانون تفويض الدفاع الوطني لسنة 2021 مع بند يفرض عقوبات مكافحة خصوم أميركا في غضون 30 يوما من التشريع. وهدد ترامب باستخدام حق النقض ضد مشروع القانون بشأن مجموعة متنوعة من القضايا. لكن، من المرجح أن يتجاوز الكونغرس مثل هذا الفيتو.

استُبعدت تركيا بالفعل من برنامج الطائرات المقاتلة إف-35 المشترك بقيادة الولايات المتحدة العام الماضي بعد انخراطها مع موسكو في عملية الشراء. وتقول الولايات المتحدة إن الرادار المتقدم في المنظومة الروسية يشكل تهديدا كبيرا لقدرات المقاتلة الشبح وبالتالي للدفاع الجماعي لحلف الناتو. وينص قانون تفويض الدفاع الوطني على أنه لا يمكن رفع عقوبات قانون مكافحة خصوم أميركا إلا إذا تخلصت تركيا من إس-400.

تزعم تركيا أنها اضطرت إلى اللجوء إلى روسيا للحصول على أنظمة دفاع صاروخي لأن الولايات المتحدة رفضت بيعها أنظمة صواريخ باتريوت الأميركية، ولأنها لا تأخذ الاحتياجات الأمنية التركية على محمل الجد. ونشرت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون في حلف شمال الأطلسي بطاريات باتريوت في تركيا سابقا بناء على طلب أنقرة.

كما عرضت الولايات المتحدة بيع صواريخ باتريوت لتركيا عدة مرات، بما في ذلك بعد أن دخلت تركيا في مفاوضات مع موسكو بشأن شراء صواريخ إس-400. لكن واشنطن لم تكن راغبة في تلبية المطالب التركية لنقل تكنولوجيا الصواريخ. ومع ذلك، لم يكن أداء تركيا أفضل عبر الصفقة التي وقعتها مع روسيا، إذ رفضت موسكو طلب أنقرة لنقل التكنولوجيا أيضا.

ووصف أردوغان العقوبات بأنها "غير عادلة" وقال إن واشنطن رفضت مرارا عرض أنقرة تشكيل مجموعة عمل مشتركة لمعالجة المخاوف الأميركية. ومع ذلك، حذر الدبلوماسيون والمشرعون الأميركيون تركيا مرارا وتكرارا من أنها تواجه الطرد من برنامج إف-35 وعقوبات مكافحة الخصوم لشرائها إس-400. وقد يؤدي شجب المعايير المزدوجة الأميركية إلى تعزيز مكانة أردوغان السياسية الداخلية. لكن، من غير المرجح أن يؤثر ذلك على واشنطن.

يتطلب قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات من السلطة التنفيذية تنفيذ ما لا يقل عن خمسة من أصل 12 عقوبة موصوفة في المادة 235 من القانون. واختارت إدارة ترامب الإجراءات الخمسة ذات النطاق المحدود، وتجنبت العقوبات على المؤسسات المالية التركية التي يمكن أن يكون لها تأثير أوسع على الاقتصاد التركي.

وقالت سيبال أوكتاي، وهي أستاذة مساعدة في جامعة إلينوي في سبرينغفيلد، لموقع أحوال تركية: "العقوبات المفروضة على مسؤولي رئاسة الصناعات الدفاعية التركية رمزية وبلا أسنان، فقد يؤدي الحظر المفروض على تراخيص وتصاريح التصدير في الواقع إلى دفع تركيا بعيدا عن المعدات المتوافقة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو على المدى الطويل".

من خلال حظر "منح" تراخيص وتصاريح التصدير الأميركية، حظرت واشنطن المشاريع المستقبلية مع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية أو أي تحديثات للبرامج الحالية، لكن العقوبات لن تؤثر على برامج الإنتاج والتنمية المشتركة الموجودة مسبقا بين الولايات المتحدة وتركيا.

ستؤثر الإجراءات على التطويرات الهيكلية لأسطول تركيا من طائرات إف-16 وبيع تركيا لطائرات هليكوبتر هجومية بقيمة 1.5 مليار دولار إلى باكستان، وكلاهما يعتمد على تراخيص تصدير أميركية لم يتم إصدارها بعد بسبب تعليق الكونغرس لمدة عامين على مبيعات الأسلحة الرئيسية لتركيا.

وقال المحاضر المساعد بقسم العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت، تشاغلار كورتش، لموقع أحوال تركية: "قد يكون هناك بعض التأثير المضاعف اعتمادا على منظور الموردين الأوروبيين لهذا الوضع". فقد تتجنب الشركات الأجنبية الصفقات مع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية من أجل الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

وأكّد صعوبة تحديد حجم الضرر "لأننا لا نملك بيانات عن الاسهامات الأميركية المستقبلية لإنتاج الأسلحة التركية"، وتبقى الآثار المترتبة على العقوبات غير مؤكدة في هذه المرحلة.

ومع ذلك، أشار إلى أن تركيا يمكن أن تخفف من تأثير العقوبات على قطاعها الدفاعي من خلال إعادة إسناد إدارة المشتريات إلى هيئة حكومية مختلفة، مثل وزارة الدفاع. ويذكر أن مؤسسة الصناعات الدفاعية تتبع الرئاسة التركية.

من الواضح أن ثقة أردوغان المفرطة في أن ترامب سيقدم اعفاء عن قانون مكافحة الخصوم ويسهل تصدير طائرات إف-35 على الرغم من شراء تركيا صواريخ إس-400 كانت في غير محلها، ومن غير المرجح أن يترك الرئيس المنتخب جو بايدن تركيا دون عقاب.

ومع ذلك، يجب الّا نحكم على مستقبل العلاقات الثنائية من الآن. واقترحت أوكتاي أن فرض العقوبات الآن يفتح الباب أمام بايدن للعب دور "الشرطي الطيب" بعد 20 يناير. فقد فُرضت هذه العقوبات في ظل الإدارة المنتهية ولايتها. ويمكن لبايدن تأطير الموقف على هذا النحو لخلق فرصة لتغيير سلوك تركيا.

وقال تايلور: "يبدو أن لأنقرة خيار بين تكنولوجيا الناتو العسكرية المتطورة القابلة للتشغيل المتبادل، والمعدات الروسية".

وأضاف: "كلما طال اتخاذ هذا القرار، كلما زادت تكلفة محاولة تحديث الدفاع التركي على كلا الجانبين".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-sanctions/narrow-us-sanctions-turkey-are-primarily-designed-target-russia
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.