الصحافة من أخطر المهن بتركيا في عهد أردوغان

أنقرة – تراجعت الحريّات الصحافية والعامة في تركيا في عهد الرئيس أردوغان إلى مستوى ينذر بالخطر، وأصبحت تركيا تعرف بأنّها أكبر سجن للصحافيين في العالم، وأنّ السلطة فيها تتعامل بأساليب انتقامية عقابية مع مَن يعارضها من الصحافيين والأدباء والفنانين، وتقوم بالزجّ بهم في السجون، ومحاكمتهم بأحكام قاسية، ناهيك عن تهجيرهم ومطاردتهم حتّى في منافيهم.

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشل في منتصف يوليو 2016، تواصل حكومة أردوغان محاصرة الأدباء والصحافيين والتضييق عليهم، وتمّ إلقاء القبض على أكثر من 77000 شخص وطرد 160 ألف شخص من وظائفهم. وتمّ اعتقال أكثر من 120 صحفياً وإغلاق حوالي 180 منفذ إعلامي.

والصحافة التي تعرف بأنّها السلطة الرابعة التي تقوم بدور فعّال في المجتمع، باتت موضع خشية وخوف في تركيا، ومثيرة للقلاقل، وتجلب على العاملين فيها نقمة السلطة الحاكمة، وأصبح كثيرون من المواطنين الأتراك "يعتبرون الصحافة ثالث أخطر مهنة بعد الشرطة والجيش".

في حديثها عن القمع المتنامي في تركيا تقول الروائية التركية أسلي أردوغان، في حوار سابق معها إنه ثمة دخان كثيف يغلف الضمائر والأحداث في تركيا. وتقول: "لا نعرف من سيعتقل، ولماذا. إذ يُخضِع عبث هذا القمع شعبًا، ويغيره في العمق، حيث لم ننزل، بشكل جماعي، إلى حضيض كهذا قط. إنني أستحيي حقًّا مما بتنا فيه."

كما تتحدث أسلي أردوغان عن فقدان البلد وتصف التعبير بأنه هو الكلمة الصائبة، وتقول إنّ تركيا لم تكن جنة ديمقراطية قط. وإنها عاشت في ظل طغمتين عسكريتين. وإن هناك خيبة أمل لدى أولئك الذين لا ينتمون إلى النظام من فكرة مفادها أنهم لم يعودوا قادرين على أن يتظاهروا بتجاهل انفلات البلد من بين أيديهم. إذ يصنع التحول الاجتماعي والإيديولوجيا، وكذا عشوائية القمع، الفارق بين طغمة وسلطة، مثل سلطة أردوغان.

تتحدّث شفق عن مشقة العيش في تركيا للكُتّاب
تتحدّث شفق عن مشقة العيش في تركيا للكُتّاب

وفي سياق الدفاع عن الحريّات العامة والصحافية، ورفض تحويل البلاد إلى محاكم تفتيش تعاقب الأدباء الأحرار، انتقدت الروائية التركية الشهيرة إليف شفق أوضاع الحريات وحقوق الإنسان والظلم الممارس على المرأة في بلادها، مؤكّدة على مشقة العيش في تركيا بالنسبة للأدباء والفنانين الذين لا يذعنون لإملاءات السلطة الحاكمة.

وتحدّثت شفق لصحيفة "التايمز" البريطانية، الأحد الماضي، عن صعوبة الحياة في تركيا لمن يتعامل مع الكلمات، كالصحفيين والأكاديميين والشعراء والروائيين وفناني الكاريكاتير.

بالإضافة إلى أسلي أردوغان وإليف شفق، هناك عدد من الصحافيين والروائيين ممن ألقي القبض عليهم، ومنهم أحمد ألتان الذي اعتقل بعد الانقلاب الفاشل في، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة "محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري لتركيا" واتُهم بأنه يعرف مقدمًا عن الانقلاب الفاشل.

وتمثل محاكمة الصحفي البالغ من العمر 69 عامًا واحدة من أكثر الأمثلة الصارخة على انتهاك حقوق الإنسان وحرية الصحافة في تركيا خلال حملة القمع التي أعقبت الانقلاب. وسبق أن حكم بالسجن المؤبد مع شقيقه محمد والصحافية نازلي إيليجاك بتهمة "محاولة إسقاط النظام الدستوري". ورفض الصحافيون الثلاثة الاتهامات "العبثية" الموجهة إليهم ونفوا أي ضلوع لهم بمحاولة الانقلاب.

وبعد صدور الحكم بحق ألتان، أدان أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل في الأدب التركي لعام 2006، في 11 سبتمبر 2016، اعتقال أحمد ألتان، وقال إن البلاد تتجه إلى "نظام الإرهاب".

وقال الروائي التركي أحمد أوميت قائلاً: "من المؤسف أن صدر حكم بإدانة أحمد ألتان والسجن المؤبد له. هذا أمر مروع.. إنها عقوبة كبيرة جدا.. حقيقة أن يصدر حكم كبير كهذا ضد كاتب هي بالنسبة لي عارٌ وشيء مخز ليس لأحمد ألتان ولكن للمجتمع بأسره. ما زلت قلقا شأني شأن الكثير من الكتاب الآخرين."

صدر حكم بإدانة أحمد ألتان والسجن المؤبد له
صدر حكم بإدانة أحمد ألتان والسجن المؤبد له

ويؤكّد الصحفي التركي البارز جان دوندار، رئيس تحرير صحيفة جمهورييت السابق، اللاجئ المنفي في ألمانيا، بأنّ من يعمل صحفيا في تركيا يجب أن ينتظر السجن، وقد سرد في سيرته القصيرة والمكثفة جانبا من التراجيديا التي تعيشها الصحافة التركية وحرية التعبير والحريات الصحفية في عهد الأردوغانية الجديدة.

وكان أردوغان طالب بتسليم دوندار إلى تركيا ووصفه بأنه "عميل مخابراتي" و"مجرم"، ورفض دوندار الاتهامات، وقال: "إن اتهام المعارضة بالإرهاب طريقة قديمة يتبعها جميع القادة المستبدين، ولو أنه تمكن من إثبات أنني عميل مخابراتي ولست صحفيا فأنا مستعد للتخلي عن وظيفتي".

وبدورها أكّدت الصحفية والمترجمة الألمانية التركية ميشالي تولو التي تمّ احتجازها من قبل السلطات التركية، وألقيت في السجن مع ابنها الذي كان يبلغ عامين لمدة خمسة أشهر، أنّ الأوضاع في تركيا ما تزال مثيرة للقلق. ونشرت تولو كتاباً حول تجربتها المريرة في سجن تركي بعنوان "ابني ظل معي"، مع عنوان فرعي "رهينة سياسية في السجن التركي، ولماذا لم ينته الأمر بعد"، حاولت فيه أن تعطي أملا للناس الذين تعرضوا للاضطهاد في تركيا بسبب جهودهم في سبيل الديمقراطية وحرية الصحافة.

ويقول رسام الكاريكاتير التركي الشهير موسى كارت إنه أمضى في السجن والمحاكم فترة مساوية للفترة التي قضاها في العمل منذ تولي أردوغان الحكم بتركيا. كما يقول إنه يرسم الكاريكاتير منذ أكثر من 40 عاماً، وفعلت ذلك مع زعماء سياسيين آخرين، ولم تُرفع ضده أية قضية في المحاكم. ويضيف: "هامش التسامح أصبح ضيقا جدا اليوم".

ودعت منظمات حقوقية من بينها "مراسلون بلا حدود" تركيا إلى مراجعة قوانينها ضد الإرهاب والتشهير والتي تقول إنه يتم استغلالها لإسكات المعارضين.

تم احتجاز تولو مع طفلها الصغير لدى أنقرة على مدار شهور
تم احتجاز تولو مع طفلها الصغير لدى أنقرة على مدار شهور