جنكيز أكتار
يوليو 27 2019

الشعب التركي بين معارض في الداخل وموالٍ للرئيس في الخارج

كتبتُ مقالاً بنفس العنوان في أوائل شهر يونيو الماضي؛ تحدثتُ خلاله عن ضعف المعارضة السياسية في مواجهة أخطاء السياسة الخارجية التي يرتكبها النظام، وعن المستنقعات التي انزلق إليها. أما اليوم، فدعونا نلقي نظرة على الموقف العام للشعب التركي تجاه هذه الأخطاء.

إن الشعب التركي، مثل كثير من الشعوب الأخرى، يعيش بمعزل عن السياسة الخارجية في مواجهة المشاكل اليومية، والاضطرابات التي تعج بها ساحة السياسة الداخلية، في مجتمع غير مستقر، لم يدرك الحد الأدنى من السلام والطمأنينة، مثل المجتمع التركي، ويكترث لما يحدث في العالم الخارجي... كل هذه الأمور تنحي قضايا السياسة الخارجية جانباً، لدرجة أن هناك الكثيرين الذين يجهلون حتى أسماء البلدان الأخرى.  

وبالنظر إلى الوضع في تركيا، على وجه الخصوص، يمكن القول إنه على الرغم من كل هذه الادعاءات، والضجة المثارة حول الأتراك والشعب التركي، إلا أن معرفتهم بالعالم الخارجي محدودة للغاية؛ فمن بين 82 مليون نسمة، هم عدد سكان تركيا، لا يحمل سوى 11% منهم فقط جوازات سفر. دعك من هذا، بل ووصل الحال بالكثير منهم لدرجة أنهم لا يعرفون حتى المناطق الأخرى من بلدهم، بل إن المثال الأكثر إثارة للقلق من هذا كله هو أن الكثير من أبناء تركيا باتوا يطلقون أحكاماً نمطية بشأن بعض الموضوعات الشائكة مثل موضوع كردستان، بشكل لا ينم إلا عن جهل عميق بهذا الشأن.

والأدهى من ذلك أيضاً أن الأتراك، الذين يعيشون في تركيا، يواجهون مشكلة كبيرة مع اللغات الأجنبية. كيف لا، وهم لا يبدون اهتماماً، أو لنقل لا ينتابهم الفضول لمعرفة اللغات الأخرى التي يتحدث بها المواطنون الأتراك الذين لا تعتبر اللغة التركية لغتهم الأم، على الرغم من وجود الكثير داخل تركيا يتحدثون بلغات أخرى غير التركية مثل العربية والألبانية والبوسنية والأرمنية والجورجية والكردية واليونانية والسريانية؛ فعلى سبيل المثال، يعيش في تركيا ما يقارب 2 مليون مواطن عربي تركي، ليسوا من السوريين، يتحدثون العربية، ويتركز هؤلاء في مناطق أنطاكية وسِعِرت وأورفا، ولا يعلم الكثيرون حتى بوجود هؤلاء.

لا يلقي الأتراك بالاً بتعلم اللغات الأجنبية، التي تعد وسيلة الاتصال بالعالم الخارجي، إلى جانب أنها تساعد الإنسان على استخدام عقله بشكل أكثر فعالية. وفي رأيي، إن مثل هؤلاء، الذين لا يعرفون غير لغتهم الأم، يعيشون عصراً أكثر تأخراً من شعوب المستعمرات القديمة، التي طالما احتقروها؛ فعلى أقل تقدير، فإن هؤلاء يعرفون لغة المستعمر كذلك، إضافة إلى لغتهم. 

ولا شك أن جهل الإنسان باللغات الأخرى يجعله منغلقاً عن العالم، ويجعل معرفته بالآخرين محدودة للغاية، وبالتالي إذا أراد المواطن التركي أن يقرأ خبراً عن الخارج، أو يعرف ماذا يقول العالم عن تركيا، فإنه يلجأ للمصادر التركية فقط. ومن الطبيعي أن يكون هذا المصدر منحازاً وموالياً لوجهة النظر الرسمية في الدولة، أو لنقل إنها تعكس "وجهة نظر الرئيس" بخصوص العالم الخارجي.

ولا يقتصر هذا الجهل الهيكلي الهش بالعالم الخارجي على الشعب التركي فحسب، بل إن هناك زمرة من صانعي السياسة الخارجية في تركيا، الذين يتفاخرون بمقدرتهم على تصفية الدول والملوك، لا تختلف كثيراً عن الشعب العادي في عدم درايتها بالعالم الخارجي. فهناك أردوغان، الذي يدعي أنه يصنع السياسة في جميع أنحاء العالم، لا يتحدث أية لغة أخرى غير التركية.

حقيقةً إن داود أوغلو، الملقب باسم "المعلم"، الذي عاد إلى السياسة مرة أخرى، عودة المهدي المنتظر، يتحدث لغات أخرى غير التركية، ولكن أبعاد الأنا عنده تمنعه ​​من رؤية العالم بوضوح، وبالتالي لم تمنعه ​​معرفته باللغات الأجنبية من أن يصبح المهندس الرئيس للإخفاق التام في السياسة الخارجية.

الخط الأحمر الآخر الذي يقف عائقاً أمام انفتاح الأتراك والساسة، على حدٍ سواء، على العالم هو الخوف الممزوج بجنون العظمة، والعداء الموروث تجاه الدول الأجنبية، منذ فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام الجمهورية؛ لأن أسطورة الجمهورية، التي قامت على تحدي العالم أجمع، لا بد أن تعتمد، بشكل تلقائي، في سياستها الخارجية، على فكرة "القومية". وعندما نضيف إلى هذا الخليط بعضاً من الأفكار مثل "معاداة الإمبريالية"، الذي يناسب بالطبع كل المواقف، يتحول موقفك سريعاً فتكون يمينياً أو يسارياً.  

لم نر أية ردة فعل حقيقية للشعب التركي خلال الأزمتين الأخيرتين، وأقصد هنا أزمتي منطقة إيجة وشرق البحر المتوسط، وأزمة منظومة أس-400 الصاروخية الروسية، وما ترتب عليهما من منع تركيا من شراء مقاتلات مقاتلات إف-35، والمشاركة في تصنيعها. هاتان الأزمتان اللتان أثارتا الدنيا ضجيجاً، كما لم يتطرق الذين يقومون باستطلاع آراء الشعب، بين الحين والآخر، إلى هذا الموضوع كذلك. ومن ناحيتهم، بدا واضحاً أن أصحاب الفكر وقادته قد تكتلوا جميعاً، باستثناء عدد محدود للغاية، خلف الرئيس والنظام.  

يبدو، من الجو العام السائد في تركيا في الوقت الحاضر، أننا نخوض بالفعل نوعاً آخر من حروب الاستقلال "يتعين على الأمة التركية العظيمة القابعة تحت حصار العالم الخارجي في تلك الحرب أن تحمي نفسها، وأن تدافع عن حقوقها، وألا تتردد عن فعل أي شيء، بما في ذلك استخدام القوة، لتحقيق هذا الهدف".  

ومن الواضح أن الشعب يقف إلى جانب النظام والرئيس، الذي بذل جهداً خرافياً لتحويل هذه المشاكل إلى أزمات غير قابلة للحل. إن أردوغان نفسه يدرك هذا جيداً؛ فعندما ينادي أحد بخلاف ذلك، فإنه يسارع بإلصاق إحدى التهم المُعَدَّة مسبقاً مثل "الإرهاب" و "خيانة الوطن" به.

إن الشعب أيضاً يوالي الرئيس في موضوع العقوبات، التي يجري الحديث عنها في الوقت الحالي، نتيجة للأزمتين اللتين ترتبطان ببعضهما البعض. وكان السبب الرئيس ورائهما هو معاداة الغرب. وظهرت صيغ مختلفة من هذا الموقف "الوطني"، سواء بالتحدي، بزعم أن العقوبات لن تنجح، أو الادعاء بأنها ظلم للشعب، أو الزعم بأن خطورتها تنبع من أنها ستؤذي الحس الوطني لدى الشعب.

لكن كان الموقف العام هو معارضة العقوبات دون النظر إلى الأخطاء الواضحة التي ارتكبها النظام. نحن نتفهم اعتراضهم على فرض عقوبات على تركيا، ولكن هل تفوه أحد، في المقابل، بكلمة واحدة، أو حمَّل النظام مسؤولية تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، حتى أخذت شكل الأزمة؟ بالطبع لا.

يقف الشعب، مثله في هذا مثل جبهة المعارضة السياسية تماماً، مسانداً للدولة والنظام في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية، بغض النظر إن كانت على صواب أم لا. ودائمًا ما يكون العالم الخارجي هو الطرف المعتدي الظالم. وعلى الجانب الآخر، تتقمص أنقرة دور الضحية، التي سُلبت حقوقها. والواقع إن فكرة استمرار طرف بعينه على الحق بنسبة 100% طوال الوقت، سواء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، أو بأي موضوع آخر، أمر غير متحقق تماماً على أرض الواقع، كأن نقول إن طرفاً بعينه لا يفعل الصواب بنسبة 100% طوال الوقت. إن الحقائق دائماً رمادية، لكن الكثير من الناس في تركيا لا يدركون هذا الفارق الدقيق.

لم ير الشعب حتى الآن تداعيات ملموسة تنعكس على حافظاتهم لأزمة بحر إيجة / شرق البحر الأبيض المتوسط، وإف-35/إس-400 الراهنة. لكن، في المقابل، لا تخطىء العين أن تركيا صارت طرفاً في الأزمة الجارية على الأراضي السورية. هناك بعدان خطران لهذه الأزمة؛ أحدهما هو دعم أنقرة الواضح للجماعات الجهادية المعارضة للنظام في دمشق، والآخر هو احتلال القوات التركية للمناطق الكردية والعربية في شمال سوريا؛ فتركيا متورطة بالفعل في سوريا، وتقوم بدور بالغ السوء في تغيير نسيج المجتمع هناك. أو بعبارة أخرى، إنها أثبتت بشكل ملموس، لا يقبل الشك، أنها قوة احتلال إمبريالية.

هل رأيتم مثقفين أتراك، اللهم إلا ثلاثة أو خمسة فقط، الذين كانت لديهم الجرأة؛ ليخرجوا ويقولوا "ماذا نفعل هناك؟"  

أين نحن من الشعب الأميركي، الذي نعده من الغرب الاستعماري الكافر، عندما عارض حرب فيتنام، أو الشعب الفرنسي الذي عارض، هو الآخر، حرب الجزائر.  

ولكن يبدو أن الغشاوة قد غطت أعيننا فأصبحنا لا نرى الحقائق.

هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/iceride-muhalif-dis-politikada-reisci-2
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.