الشكوك تحيط بنزاهة انتخابات بطريرك الأرمن بإسطنبول

صوتت الطائفة الأرمنية في إسطنبول لانتخاب بطريركها الجديد يوم الأحد، في أول انتخابات من نوعها خلال 12 عاما منذ إصابة البطريرك السابق مسروب موتافيان بالمرض في العام 2008.

وبعد وفاة موتافيان في الثامن من شهر مارس، أُفسح المجال أمام الأرمن لإجراء انتخابات يرغبونها منذ عقد من الزمن، لكن الانتخابات أثارت جدلا كبيرا بسبب قواعد يرى الكثيرون أنها منعت معظم المرشحين من خوضها بشكل غير عادل.

البطريركية هي أعلى منصب في المجتمع الأرمني، سواء من الناحية الدينية أو الاجتماعية. كما يُعترف بالبطريرك من قِبَل الدولة وعلى الساحة الدولية باعتباره زعيم الأرمن في البلاد، ومن ثم فإن له كلمة مسموعة في جميع الأمور المادية والروحية التي تؤثر على طائفته.

منذ العام 1960، لا توجد آلية لاستخدام حق الاعتراض (فيتو) ضد قرارات البطريرك. وفي الهيكل الأكثر ديمقراطية الذي كان موجودا قبل هذا التاريخ. كان يتعين على البطريرك استشارة مجلس مؤلف من 40 شخصا من الطائفة الأرمنية. ومنذ أن تعززت سلطاته في العام 1960، لم يعد ذلك ضروريا، وأصبح مكتب البطريرك أكثر قوة.

ذلك يزيد من أهمية الانتخابات والمزاعم التي تدور حول إجرائها بشكل غير عادل لدى الأرمن في تركيا، الذين يشكلون اليوم أقلية يقدر عدد أفرادها بما يتراوح بين 60 ألفا و70 ألف شخص. ولقد ثار الجدل حين صاغت وزارة الداخلية التركية قواعد متعلقة بالانتخابات لاختيار بطريرك يحل محل موتافيان. وتنص إحدى هذه القواعد على ضرورة أن يكون المرشحون من داخل البطريركية، وهي قاعدة تستبعد 10 من أصل 13 مرشحا محتملا.

وآثر أحد المرشحين الثلاثة المتبقين مقاطعة الانتخابات بسبب تلك القواعد، التي وصفها بأنها جائرة. أما المرشحان الآخران، وهما البطريرك بالإنابة آرام آتشيان والأسقف ساهاك ماشاليان، فقد عبرا عن أسفهما إزاء المرشحين الآخرين الذين تم استبعادهم لكنهما لم يعترضا رسميا على القواعد الجديدة.

وفي الواقع، رفضت البطريركية أيضا استخدام حقها في الاعتراض على الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهتها الطائفة الأرمنية، مما دفع الكثيرين إلى التساؤل عما الذي أتى بتلك القواعد المثيرة للجدل.

وقال عضو بلجنة المبادرة (اللجنة الانتخابية) الأرمنية، والذي كان مسؤولا عن العملية الانتخابية لكنه استقال من منصبه، متحدثا لموقع "أحوال تركية" وطالبا عدم الكشف عن هويته: "أذلك لأن الدولة التركية تريدها هكذا، أم أن بعض أفراد الطائفة الأرمنية دفعوا الدولة لاتخاذ هذا القرار؟". وأضاف: "لِمَ لم تستخدم البطريركية حقها في الاعتراض على هذا الجور؟ فثمة مشكلة مماثلة قد تم حلها في الانتخابات البطريركية السابقة باستخدام حق الاعتراض".

كان عضو اللجنة السابق يشير إلى الانتخابات التي أجريت في العام 1998، حين طلبت الحكومة التركية من الكنيسة الأرمنية أن تختار بطريركها القادم بدلا من منح الطائفة الأرمنية فرصة التصويت والانتخاب.

استخدمت البطريركية حقها في الاعتراض، وبعد بضعة أشهر وافقت الحكومة على إجراء انتخابات. ويرى الكثيرون أن استخدام هذا الحق من جديد قد يقنع الحكومة بتغيير رأيها والسماح للمرشحين الآخرين بخوض الانتخابات.

ويقول شاهين غيزار، العضو السابق بلجنة الأملاك في البطريركية، إن كلا المرشحين المتبقيين خاضا حملات انتخابية مريرة قلبت بعض أفراد الطائفة الأرمنية على بعضهم البعض.

وأضاف: "سيخوضون الانتخابات بعد أن داسوا على حقوق المرشحين الأحد عشر الآخرين. والآن لا يتبقى سوى مرشحين اثنين، والعملية كانت شنيعة – بما فيها من تبادل للاتهامات والإهانات".

وتابع: "لم يفعل آتشيان شيئا للمجتمع الأرمني في السنوات التي قضاها بطريركا بالإنابة، ولم يخدم سوى مصالحه الشخصية. ولا أرى أن ماشاليان لديه القدرة على العمل كبطريرك".

وذكر غيزار أنه على الرغم من تدني نوعية المرشحين، ظهر الاحتقان الذي اتسمت به العملية الانتخابية على المجتمع الأرمني، لتزيد حدة التوتر والاستقطاب.

فيقول: "نسعى جاهدين لعدم الانحياز إلى أي جانب، غير أن عقلية ‘نحن أو هم‘ قد ترسخت... أشعر بالقلق مما إذا كان الأرمن سيستطيعون العودة ليكونوا مجتمعا واحدا من جديد بعد انتهاء الانتخابات".

وأشار غيزار إلى أن ثمانية من أعضاء لجنة المبادرة في البطريركية استقالوا بسبب مخاوفهم حيال الانتخابات، لكن ذلك لم يغير شيئا.

وقال: "كلا المرشحين يقولان إنهما كان يعرفان أن القواعد ستكون على هذا النحو. فمن ثم، كيف عرفوا ذلك، ولماذا لم يفعلوا شيئا؟ يقولان إن الدولة تريدها بهذه الطريقة، لكنهما يملكان حق الاعتراض – فلماذا لم يستخدماه؟".

وقال عضو لجنة المبادرة الذي استقال بسبب القواعد الانتخابية إن آتشيان لديه تاريخ في العمل ضد إرادة المجتمع الأرمني، بداية من تعيين وزارة الداخلية التركية له حين أصاب المرض البطريرك موتافيان.

وأضاف: "لم يصغ لأي من مطالبنا المتعلقة بالانتخابات حين مرض البطريرك موتافيان (بمرض ألزهايمر في العام 2008). جمعنا ستة آلاف توقيع لذلك، لكنه لم يبد أي اهتمام".

تجددت الضغوط لإجراء انتخابات في العام 2017، حين تم القيام بمحاولة لإجراء تصويت بناء على قاعدة تنص على أن البطريرك الذي يعجز عن أداء مهامه الدينية لمدة سبع سنوات سيتم إعفاؤه من منصبه.

غير أن آتشيان عرقل التصويت مرة أخرى، وهذه المرة من خلال الاستقالة، وفقا لما ذكره عضو لجنة المبادرة السابق.

وحينما أثارت القواعد الانتخابية هذا العام موجة غضب في المجتمع الأرمني، طالب عضو اللجنة وعدد من زملائه باستخدام حق الاعتراض.

وقال: "لكنهم حتى لم يكتبوا واحدا... استقلت لأنه في ظل هذه الظروف، لن تكون الانتخابات عادلة ونزيهة. لا أعتقد أن الدولة اتخذت هذا القرار بتروٍ".

أجريت المرحلة الأولى من الانتخابات يوم الأحد، حين اختار الأرمن مندوبين سيصوتون بدورهم لانتخاب البطريرك في المرحلة الثانية المقررة اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر الجاري.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/armenians/blocked-candidates-overshadow-istanbul-armenian-patriarch-election