إيسار كاراكاش
أغسطس 23 2019

الثبات المثالي في اقتصاد تركيا المتهاوي

تُبيّن أحدث البيانات الاقتصادية الواردة من تركيا علاقة إيجابية وثيقة وواضحة بين سيادة القانون والنمو الاقتصادي.

وهذا يعني ببساطة أن أي بلد تُطبق فيه معايير قانونية مرتفعة، كتوفير قدر أكبر من الحماية لحقوق الملكية على سبيل المثال، تأتيه استثمارات أكبر فتنمو معدلات النمو بطبيعة الحال.

تأتي تركيا في المرتبة 101 من بين 113 بلدا على مؤشر سيادة القانون لعام 2017-2018 الذي يصدره المشروع العالمي للعدالة، وهي طريقة شاملة لحساب معايير تطبيق سيادة القانون.

وبالتالي، فإن تدفق رأس المال المباشر تراجع إلى 12 مليار دولار عام 2018 مقابل 22 مليارا عام 2007.

في الوقت نفسه، فإن معدل النمو الذي بلغ سبعة بالمئة عام 2007 سيسجل على الأرجح رقما بالسالب في 2019.

وسجل الإنتاج الصناعي الموسمي تراجعا بنسبة 3.9 بالمئة في يونيو الماضي مقارنة بمستوياته في الشهر نفسه من العام الماضي، وبنسبة 3.7 بالمئة عن الشهر السابق وذلك وفقا لبيانات أصدرها معهد الإحصاءات التركي.

وشهدت تركيا معدلات تراجع مماثلة في قطاع الزراعة. كما انخفض إنتاج الأجبان من حليب الأبقار بنسبة 13.8 بالمئة في يونيو الماضي ليسجل 51,742 طن على أساس سنوي.

أما إنتاج الأجبان من الماعز والخرفان والجاموس والحليب الممزوجة فتراجع بنسبة 4.1 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2018.

في الوقت نفسه، تراجع إنتاج الزبادي بنسبة 1.6 بالمئة.

من واقع البيانات الواردة في الجدول أدناه، والتي تظهر إحصاءات القوى العاملة الصادرة عن معهد الإحصاءات التركي عن شهر مايو، سنجد معدلات تراجع مماثلة في العمالة بشكل عام وفي العمالة المرتبطة بالزراعة بشكل عام وكذلك بالقطاعات غير المرتبطة بالزراعة.

لقد دخل الاقتصاد التركي حقبة شديدة الاضطراب أحد أسبابها الأساسية تراجع معدلات تدفق رؤوس الأموال، وهو أمر يمكن رده ببساطة إلى تردي أوضاع سيادة القانون.

مؤشرات القوى العاملة الموسمية الأساسية لشهر مايو عام 2019 (المصدر معهد الإحصاءات التركي)
مؤشرات القوى العاملة الموسمية الأساسية لشهر مايو عام 2019 (المصدر معهد الإحصاءات التركي)

ليست مسألة البطالة سوى عرض جانبي للانكماش الاقتصادي، لكنها وصلت إلى مستويات خطيرة حقا بتراجعها إلى 12.8 بالمئة في مايو مقارنة مع 9.7 بالمئة قبل عام.

الأكثر إثارة للقلق هي حقيقة ارتفاع مستوى البطالة في القطاع غير الزراعي إلى 15 بالمئة، مقارنة مع 11.6 بالمئة في مايو عام 2018.

ولا يفوت هنا التنويه إلى أن أرقام العمالة في قطاع الزراعة التركي لا يمكن الاعتماد عليها لأسباب عديدة.

وبالتالي، فإن الأرقام المتعلقة بالعمالة في القطاع غير الزراعي توفر إطلالة أكثر مصداقية على التوجهات السائدة في سوق العمل.

وبينما تأخذ معدلات البطالة في الازدياد، فإن مشاركة القوى العاملة آخذة في التراجع، إذ تحتل تركيا الآن المرتبة قبل الأخيرة ضمن الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتظهر بيانات معهد الإحصاءات التركي أن البطالة في أوساط الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاما قد زادت إلى 23.2 بالمئة في مايو، مقابل 17.8 بالمئة في الشهر نفسه من العام الماضية.

يتضح من الإحصاءات أيضا أن رُبع الشباب التركي تقريبا لا يحصل على تعليم ولا يجد فرصة عمل.

لكن الارتفاع الكبير في نسب البطالة بين الشباب في عام واحد ربما لا يمكن ربطه فقط بالتراجع الاقتصادي.

فالأمر يتصل أيضا بالوضع المأساوي لنظام التعليم التركي.

بكل أسف، فإن نظام التعليم في تركيا غير قادر عن تخريج شباب يملك من المهارات والمواصفات مع يثير شهية أصحاب الأعمال.

والأسبوع الماضي، قال فيلي أجبابا، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الأساسي في البلاد، إن متوسط البطالة في أوساط الشباب في دول الاتحاد الأوروبي تبلغ نحو 15 بالمئة، بينما تأتي تركيا وراء آيسلندا فقط كثاني أعلى دول القارة من حيث نسبة البطالة.

ويشعر أجبابا بقلق بالغ من معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب، لكنه يرى الأمر نتيجة للنمو الاقتصادي المتراجع، ولا علاقة له بانخفاض مستويات جودة التعليم.

وبنهاية عام 2019، ستتراجع واردت تركيا عن المستوى الذي حققته عام 2008 حين بلغت 202 مليار دولار.

وتمثل أرقام الواردات مؤشرات واضحة على النمو، إذ تظهر بوضوح الطلب على الطاقة وغيرها من البضائع.

وسجلت تركيا وفرا في فائض الحسابات الحالي مقداره 151 مليار دولار في مايو الماضي. لكن الأكثر إيلاما هو أن الوزراء الأتراك يعرضون هذا الوفر باعتباره دليلا على النجاح، بينما لا يعدو الأمر في الحقيقة كونه نتيجة مباشرة لتراجع الطلب على البضائع الأجنبية داخل تركيا بسبب الانكماش الاقتصادي.

ومن الممكن الحديث عن المؤشرات الأخرى التي تظهر كيف يتبع الاقتصاد التركي نظريات اقتصادية قديمة عن العلاقة بين سيادة القانون والاقتصاد.

إن مشاكل الاقتصاد التركي تعرض بوضوح الثبات المثالي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/perfect-consistency-turkeys-troubled-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.