التهدئة في شرق المتوسط تتطلب حل القضية القبرصية

أصبح حل مشكلة قبرص المعقدة أكثر بُعدا وتعقيدا بسبب انضمام المزيد من اللاعبين إلى السباق على موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، غير أن إيجاد حل لقضية الجزيرة المقسمة قد يكون ضروريا لاستخراج الاحتياطيات الهائلة من الغاز في المنطقة.

في شهر يوليو من العام 1974، غزت تركيا قبرص في أعقاب انقلاب للقبارصة اليونانيين مدعوم من أثينا. استولت القوات التركية على الثلث الشمالي من الجزيرة، مما أسفر عن وضع ما زال قائما حتى اليوم؛ ألا وهو وجود جمهورية شمال قبرص التركية التي لا يعترف بها سوى أنقرة، وجمهورية قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، ويفصل بينهما الخط الأخضر الذي يخضع لسيطرة الأمم المتحدة ويمر عبر نيقوسيا آخر عاصمة مقسومة في أوروبا.

وقد أثار اكتشاف حقل تمار للغاز قبالة سواحل إسرائيل في العام 2009 سباقا على الغاز في شرق البحر المتوسط. وبعد مرور عامين أعلنت قبرص عن اكتشافها لحقل الغاز أفروديت، وبدأت الآمال تنتعش في أن تؤدي اكتشافات الطاقة الكبيرة حول الجزيرة إلى إعادة توحيدها بدافع رغبة الطرفين في تحويل تلك الموارد إلى سيولة نقدية. ولكن بدلا من ذلك، شعر كل من اليونان والقبارصة اليونانيين من جهة وتركيا والقبارصة الأتراك من جهة أخرى بأن الطرف الآخر لديه استعداد أكبر للتفاوض ولم يقدم أي من الجانبين الكثير من التنازلات.

تقول فيونا مولن، مديرة شركة (سابينتا إيكونوميكس) للخدمات الاستشارية التي تتخذ من قبرص مقرا لها، لموقع (أحوال تركية) في بث صوتي: "كلٌ من الجانبين كان يأمل في أن الطرف الآخر لديه دافع أكبر للتوصل إلى اتفاق، وفي النهاية سارت الأمور في الواقع في الاتجاه المعاكس". وأضافت: "الآن، نشهد كل هذه المشاحنات في شرق البحر المتوسط، والتي ترجع في جزء منها إلى حقيقة عدم حل المشكلة القبرصية حتى الآن".

تطالب كل من قبرص وتركيا بأحقيتها في المياه المحيطة بالجزيرة، وصولا إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة للطرف الآخر. وبدعم من اليونان والاتحاد الأوروبي، أصدرت قبرص تراخيص تنقيب لعدد من كبرى شركات النفط، بينما تبنت أنقرة سياسة خارجية أكثر عدوانية وذات نزعة قومية أكبر في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام 2016.

ومنذ عام مضى، اتفق وزراء الطاقة القبرصي والمصري واليوناني والإسرائيلي والإيطالي والأردني والفلسطيني على إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، وهو منصة مشتركة للإشراف على سوق الغاز الإقليمية الناشئة. واستُبعدت تركيا من الاتفاق، لكن المسؤولين اليونانيين قالوا إن عضوية المنتدى تظل مفتوحة أمام أي بلد يرغب في ذلك.

عقد المنتدى اجتماعا جديدا في شهر يوليو، وانضمت إليه الولايات المتحدة، وتعهدت اليونان وإسرائيل وقبرص الشهر الماضي بإنشاء خط أنابيب تبلغ تكلفته 15 مليار دولار سيربط حقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية بإيطاليا عبر اليونان.

ولكن في شهر نوفمبر الماضي، وقعت تركيا على اتفاقية بشأن الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، تلك الاتفاقية التي تتجاهل إلى حد كبير تأكيد اليونان أحقيتها في المياه المحيطة بجزرها، بما في ذلك رودس وكريت.

وصفت الولايات المتحدة الصفقة بأنها استفزازية، في حين وصفتها قبرص واليونان ومصر وفرنسا بأنها لاغية وباطلة. ولكن الأهم من ذلك هو أن المنطقة التي تزعم تركيا أحقيتها بها في الاتفاق الليبي تعترض طريق خط الأنابيب المقترح لنقل غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا.

تقول مولن: "كان حديث القبارصة اليونانيين يشير إلى أن ذلك سيجعلنا أقوياء حقا ويمنع تركيا من التلاعب بنا، ولكن من الواضح أن الحال لم يكن كذلك... يبدو أن الأمر لم يؤد إلا لاستفزاز تركيا، لا أكثر ولا أقل".

وحول قبرص، قامت تركيا في العامين الأخيرين بمنع سفينة إيطالية من التنقيب، وحثت شركة (إكسون موبيل) على عدم الحفر في منطقة امتيازها، وأرسلت ما لا يقل عن أربع سفن حفر تركية مصحوبة بسفن حربية إلى مناطق تؤكد قبرص أحقيتها فيها.

والآن، توعدت قبرص واليونان بعرقلة أي حل للصراع الليبي لا يشمل إلغاء الاتفاق البحري التركي. وذكرت مولن أن الاتفاق المبرم بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية ترك القبارصة في موقف المتفرج من الخارج - مشيرة إلى غياب القبارصة واليونان عن محادثات السلام الليبية التي أجريت في برلين الشهر الماضي – وربما يواجهون خيانة يونانية.

وأضافت مولن: "الأولوية لدى اليونان تتمثل في إلغاء الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا... إذا وُضعوا أمام خيار إلغاء تلك الصفقة وعدم الاضطرار لخوض حرب من أجل كريت، فأعتقد أنهم سيختارون ذلك، حتى وإن كان هذا يعني أنهم قد يضطرون للتخلي عن القبارصة في وقت حرج".

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي أيضا لديه أولويات أخرى. ففي الشهر الماضي، أرسلت تركيا سفينة الحفر الرابعة لها إلى منطقة الامتياز رقم 8 في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية، والتي دفعت شركتا (إيني) الإيطالية و(توتال) الفرنسية ملايين اليورو إلى نيقوسيا للحصول على حقوق التنقيب فيها. ووصفت مقالة في صحيفة (سايبرس ميل) ذلك بأنه "مهانة أخرى تعرضت لها جمهورية قبرص على يد تركيا".

منذ أسابيع، قال الاتحاد الأوروبي إنه يعتزم فرض عقوبات على تركيا. غير أنه لم يقدم على تلك الخطوة بعد، ربما لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد هدد بترك اللاجئين السوريين البالغ عددهم 3.6 مليون لاجئ يتدفقون على أوروبا.

تقول مولن: "لا بد وأن الحفر في منطقة امتياز تابعة لبلد معترف به دوليا أمر غير مقبول، غير أن الاتحاد الأوروبي ليس مستعدا على ما يبدو لفعل الكثير في هذا الشأن. تنضم إلى الاتحاد الأوروبي وأنت تظن أنه يستطيع حمايتك من تركيا. ثم يتضح أنه لا يقدر على ذلك، أو لا يستطيع حقا حماية طموحاتك المتعلقة بالغاز".

في الشهر الماضي، حال المسؤولون القبارصة دون فرض عقوبات جديدة من الاتحاد الأوروبي على شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، وهو ما اعتبره الكثير من المحللين محاولة لإجبار الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على تركيا. وقالت مولن إن عدم استعداد القبارصة اليونانيين لتقديم تنازلات – إذ يُلقى باللوم على الجانب القبرصي اليوناني على نطاق واسع في فشل الاستفتاء الذي أُجري في العام 2004 ومحادثات إعادة التوحيد التي جرت في 2017 – بالإضافة إلى مطالب فرض عقوبات على تركيا بدأ يعكر صفو العلاقة بين قبرص وحليفها الأساسي الاتحاد الأوروبي.

فتقول مولن: "إنهم يفقدون بعض الثقة... لقد وضعوا أنفسهم في مأزق نوعا ما".

تمتلك تركيا أسطولا بحريا ضخما، في حين أن قبرص لا تملك حتى قاربا للإبحار به ومراقبة ما تقوم به تركيا. ومن المتوقع أن ترسل فرنسا حاملة طائرات إلى شرق البحر المتوسط ​​في الأشهر القليلة المقبلة، في استعراض للقوة والدعم.

ولعل ذلك يساهم في توضيح السبب الذي دفع قبرص إلى البحث عن أصدقاء جدد. وقد أعلنت المملكة العربية السعودية، الخصم الجيوسياسي لتركيا، في الآونة الأخيرة عن دعمها لسيادة قبرص الكاملة، في خطوة قال عنها هنري باركي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي الشهر الماضي إنه "قد يتبين يوما ما أنها كانت إيذانا بتغير مهم في التوازن الاستراتيجي بشرق البحر المتوسط​​".

أما مكاريوس دروسيوتيس، المساعد الخاص السابق للرئيس نيكوس أناستاسيادس ومؤلف العديد من الكتب المتعلقة بقبرص ومن بينها "أزمة قبرص والحرب الباردة"، فقد أنحى باللائمة على نيقوسيا إلى حد كبير في التوترات المتصاعدة اليوم. وقال إن قبرص أخطأت فهم السياسة التركية وفرطت فيما تتمتع به من مزايا وهيأت الظروف المواتية للصراع.

وكتب في صحيفة (سايبرس ميل) يوم الأحد قائلا: "إن الأساس الذي ارتكزت إليه تركيا في ممارساتها الأخيرة بشرق البحر المتوسط ​​يتمثل في موقفها المعلن بأن هناك تحالفا أوسع ضد تركيا يجري تشكيله من أجل تطويق تركيا وفصلها عن مصادر الطاقة في المنطقة". وأضاف: "الناس يوقفونني في الشارع ويسألونني بقلق حقيقي عما إذا كانت الحرب ستندلع".

نادرا ما تبدو الآفاق شديدة القتامة إلى هذا الحد. وعلى الرغم من ذلك، قالت مولن إن هناك استطلاعا للرأي كشف عن وصول نسبة التأييد للحل بين القبارصة اليونانيين إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وأضافت: "أعتقد أنهم باتوا يدركون أن عدم الحل لا يزيدهم إلا خسارة". وتابعت: "لكن مع الأسف، أظن أنهم على الصعيد السياسي يتحاشون المخاطرة فحسب".

هذا هو السبب في أن الانتخابات الرئاسية للقبارصة الأتراك المقرر إجراؤها في السادس والعشرين من شهر أبريل قد تكون بالغة الأهمية. فرئيس القبارصة الأتراك مصطفى أقنجي فقد تأييد أنقرة على ما يبدو، ويمكن للزعيم الجديد أن ينعش المحادثات - أويدفعها إلى أبعد من ذلك.

وقالت مولن: "مشكلة قبرص أصبحت أكثر إيلاما للجميع"، في إشارة إلى معاناة الاتحاد الأوروبي وتركيا وإسرائيل واليونان وجميع القبارصة نتيجة لذلك.

وتابعت: "لقد اعتقد القبارصة اليونانيون أن بإمكانهم أن يكونوا مركز الطاقة الكبير في المنطقة... ذلك ليس مستحيلا، ولكن لا يمكن تحقيقه بدون حل مشكلة قبرص".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-cyprus/calming-eastern-mediterranean-requires-cyprus-solution