إيسار كاراكاش
يوليو 20 2019

التحليل المنطقي لانقلاب 15 يوليو 2016

لا شك أن يوم 15 يوليو 2016، حين وقعت محاولة الانقلاب، كان من أسوأ الأيام التي شهدتها تركيا في تاريخها الحديث. 

أكتب عادة مقالات اقتصادية لموقع "أحوال تركية"، وكنت اعتزمت كتابة مقال في 15 من يوليو الحالي عن خطة التنمية المعلنة مؤخرًا، لكن نظرًا لأن هذا اليوم صادف الذكرى السنوية الثالثة لمحاولة الانقلاب وجب عليّ أن أكتب بضعة أسطر عن هذه المحاولة. 

بادئ ذي بدء، أريد أن أقتبس من التصريحات التي أدلى بها رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري المعارض ونائب الحزب عن مدينة مانيسا السيد أوزجور أوزيل تعليقًا على تلك الليلة المشؤومة: 
"أحداث 15 يوليو 2016 لم تكن مسرحية أبدًا، بل كانت محاولة انقلابية دموية استهدفت النظام والبرلمان والسلطة السياسية الحاكمة والديمقراطية."

 أؤيد ما ورد في تصريحات أوزيل في مجملها، حيث لا يمكن القول بأن ما حدث في تلك الليلة ليس انقلابًا دمويًّا، وذلك باعتبار أنني كنت بين الأشخاص الذين شاهدوا الأحداث بأم أعينهم في إسطنبول، وكيف أمطرت الطائرات المواطنين المجتمعين على جسر البوسفور بوابل من النيران. 

بطبيعة الحال ليست غايتي التذكير مرة أخرى بكل ما حدث في تلك الليلة. 

نعم، إن أوزيل محق فيما يقوله عن محاولة الانقلاب، إلا أن هناك جوانب أخرى للقضية يجب تسليط الأضواء عليها وإيجاد أجوبة مقنعة على الأسئلة الواردة إلى الأذهان. 

لقد كتبت في 27 مايو 2017 مقالا بعنوان "الانقلاب تحت السيطرة والمنطق"، نشره حينها موقع "آرتي جرتشيك" التركي، سأذكر أدناه مقتطفات قصيرة من ذلك المقال: 
"لا يمكنني أن أتخذ موقفًا حاسمًا تجاه مزاعم "الانقلاب المدبر" أو "الانقلاب تحت السيطرة"، لأنني لا أملك معلومات أو وثائق تدعم هذا المدعى. ويجب على أولئك الذين يسوقون هذا الادعاء تقديم الأدلة والوثائق التي تثبته في أسرع وقت ممكن لمنع تفشي الظنون بدلا من الحقائق. كما ذكرت أعلاه، ليس لديّ، كمواطن عادي، معلومات محددة، ولا توجد مستندات، ولا يمكنني حتى إنشاء رأي واضح استنادًا إلى المعلومات المتوفرة لدي. لكن نقص المعلومات والمستندات لا يمنع الأشخاص من إعمال عقولهم عبر القيام بعمليات منطقية معينة. وأنا بدوري إذا قمت بهذه العمليات المنطقية فإنني لا أستطيع الإجابة على بعض الأسئلة بطريقة منطقية، وهذه الأسئلة ليست أسئلة بسيطة من قبيل: مَنْ ومتى وإلى أين وما إلى ذلك."

"فقد احتفظ رئيس المخابرات هاكان فيدان بمنصبه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. أقول تكرارًا ومرارًا، فإذا كان هناك ضعف استخباراتي كبير، مثلما أكد الرئيس أردوغان في تلك الليلة، فإننا لا يمكننا أن نفسِّر بقاء رئيس المخابرات في منصبه بأي حال من الأحوال. وهنا يتدخل المنطق من دون الحاجة إلى أي معلومات ومستندات ويقول بأن رئيس المخابرات إذا ما واصل وظيفته رغم كل ما حدث في ليلة الانقلاب، فإن ذلك يعني أنه لا يوجد أي شيء يمكن انتقاده، ولا يوجد ضعف استخباراتي يقتضي عزله من منصبه. فهذا ما يقوله المنطق. إذن كيف يمكن تجاوز هذا التناقض الصارخ؟ أعتقد أننا سنجد جوابا لهذا السؤال في الأيام القادمة إن مدّ الله في عمرنا".

وكما بينتُ في ذلك المقال فإن الزعم بتدبير انقلاب تحت السيطرة من قبل السلطة السياسية ادعاء خطير للغاية، فلا يمكنني أن أكتب ذلك، ولا أحوز أي معلومات ملموسة يمكنني الاعتماد عليها والتأكد من صحة ذلك أو بطلانه. 

لكن هناك فراغات في هذه المحاولة وجوانب مظلمة يجب تسليط الأضواء عليها. فكل السلطات الرسمية، بما فيها كبار المسؤولين الحكوميين، أكدوا أنهم حصلوا على بلاغ التحرك الانقلابي في الجيش بعد ظهر يوم الانقلاب، بينما اطلع الرئيس أردوغان على خبر الانقلاب في ساعات المساء ذاته عن طريق "صهره" بعدما شاهد الجنود في الشوارع. 

إذا كانت هذه المعلومات الصادرة من السلطات الرسمية صحيحة، فكان يتعين على السلطة السياسية بعد التمكن من إفشال الانقلاب المبادرة في صبيحة الليلة إلى إقالة كل رؤساء الأجهزة الاستخباراتية الثلاثة وقياداتها العليا.. أي رؤساء المخابرات الوطنية والعسكرية والأمنية. هذا هو ما يقوله كل من له عقل سليم ومنطق رصين. غير أن جميع رؤساء هذه الأجهزة الاستخباراتية لا يزالون يواصلون مهامهم في مناصبهم. 

كنت اختتمت المقال الذي كتبته في عام 2017 قائلا: "أعتقد أننا سنجد جوابا لهذا السؤال في الأيام القادمة إن مدّ الله في عمرنا"، إلا أننا لم نحصل على جواب لهذا السؤال على الرغم من مرور أكثر من عامين. 

وبما أن تركيا لم تشهد إطلاق عملية مهمة ضد أجهزة المخابرات بعد محاولة الانقلاب، فإن ذلك يدل بالضرورة على أن الجهاز قام بمهمته كما ينبغي، وزوّد السلطات ذات الصلة، وعلى وجه التحديد، السلطة السياسية بقيادة أردوغان، كل المعلومات المتعلقة بتحرك الانقلابيين.. المعلومات المستندة إلى الوثائق والمستندات وليس القيل والقال. هذا ما يقتضيه المنطق. 

وفي هذا السياق، لا بد أن أؤكّد أن الزعم بأن الوقت لم يكن مواتيًا لإجراء تغيير في أجهزة المخابرات نظرًا لغياب كوادر ذات الأهلية والكفاءة في ذلك الوقت لا يبدو مقنعًا إطلاقا. ذلك لأنه لا يمكن تبرير الإبقاء على كبار المسؤولين المخابراتيين بأي شيء معقول رغم فشلهم في الحصول على خبر انطلاق تحرك عسكري جزئي في حوالي 70 ولاية بنفس التوقيت. 

وكما قلتُ سابقا فإنه من الصعوبة بمكان أن أصف أحداث 15 يوليو 2016 بـ"الانقلاب تحت السيطرة"، ذلك لأن هذا ادعاء خطير، وليس عندي ما يثبت ذلك من أدلة ووثائق، غير أن النتيجة التي توصلت إليها لا يستند أساسها إلى معلومات، وإنما هي نتيجة يجب على كل من يتمتع بذكاء أو منطق متوسط التوصل إليها بكل سهولة. 

بأغلب الاحتمال أن السلطة السياسية تقول لنا من خلال الموقف الذي تتخذه من الجوانب المظلمة للمحاولة الانقلابية: "إن ما وقع في 15 يوليو 2016 حدَثٌ عظيم، ومحاولة انقلابية دموية، وقد قامت الدولة بالواجب الذي يقع عليها في هذا الصدد، ولا تقفوا كثيرًا عند التفاصيل ولا تطرحوا أسئلة كثيرة عنها." 

هذه التصريحات مفهومة إلى حد ما، غير أن للحقيقة جاذبيةً لا يمكن مقاومتها، ولها طبيعة "سيئة" تأبى إلا الظهور والتجلي عاجلا أم آجلا. ويجب على الجميع، وبالتحديد المسؤولين، أن يضعوا تلك الحقيقة نصب أعينهم. 

لكل ما سبق ذكره فإنني لا أستطيع أن أقتنع وأؤمن بأن الدولة قد قامت بواجباتها، وبشكل صحيح، لا أثناء وقوع المحاولة ولا في الأيام التي سبقتها. أما ما حدث بعد تلك المحاولة المشؤومة فلا أريد أن أتكلم فيه، ذلك أن كل الإجراءات والممارسات التي بدأت بعدها تشكِّل فضيحة قانونية حقوقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 

بحسب قناعتي، فإن العامل الأكبر الذي حدد نتائج الانتخابات المحلية، خصوصًا انتخابات إسطنبول المعادة، هو رد فعل الضمير العام المجروح بسبب المعاملات الجائرة التي تعرضت لها شرائح واسعة من المجتمع من دون محاكمة ولا مسائلة بعد محاولة الانقلاب، وذلك إلى جانب العوامل الاقتصادية السيئة. لذا ينبغي على حزب العدالة والتنمية الحاكم والرئيس أردوغان الإدراك بأن إصلاح ضمير المجتمع المجروح ضروري للغاية من أجل السلام ومستقبل بلادنا. 

 
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/15-temmuz/ozgur-ozel-15-temmuz-konusunda-hakli-ama
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.