التجاهل الإعلامي الرسمي لن يمنع أفكار علي باباجان من الإنتشار

التقيتُ يوم الثلاثاء الماضي بثلاثة من أصدقائي لنتاول الغداء معًا. كان الحوار الذي أجراه وزير الاقتصاد التركي الأسبق علي باباجان، الذي يحضّر لإطلاق حزب جديد، مع صحيفة "قرار" اليومية تصدّر المواضيع التي تحدثنا عنها خلال الغداء. ولما توجهنا بعد الغداء إلى أكشاك الجرائد لشراء صحيفة قرار للاطلاع على مضمون الحوار فوجئنا بأن جميع نسخ الصحيفة قد تم بيعها ولم يبقَ لنا شيء.

وقد حطّم الخبر الذي نشرتُه في موقعي الإلكتروني الخاص عن الحوار الصحفي لباباجان رقمًا قياسيًّا ودخل ضمن أكثر الأنباء قراءة. وأنا واثق من أن تصريحات باباجان كانت أكثر الأنباء قراءة في الصحف والمواقع الإلكترونية الأخرى كذلك.

حسنًا، فهل ان برامج النقاش المذاعة على مختلف القنوات التلفزيونية في تلك الليلة أو الصحف الصادرة في صبيحة الحوار أفردت مساحة بالقدر الكافي على شاشاتها أو صفحاتها للآراء التي كشف عنها باباجان والتي كان الرأي العام ينتظرها بفارغ الصبر منذ أشهر.

الأسئلة التي وجّهها لنا أناس لا نعرفهم في المطعم عن مضامين تصريحات باباجان تدل على اهتمام أفراد المجتمع بها. لكن هذا الاهتمام كان غائبًا لدى وسائل الإعلام.

غياب صحافة مستقلة وحرة

هذا الوضع يقودني إلى توجيه سؤال لنفسي وهو: هل تتمتع تركيا بصحافة أو إعلام حر ومستقل؟

لا يمكنني أن ألوم أولئك الذين سيردّون على سؤالي هذا بسؤال آخر مفاده: في أي وقت تمتعت تركيا بصحافة مستقلة وحرة يا ترى؟!

بلادنا عانت دائمًا من "مشكلة صحافة". فقد كان في تركيا فيما مضى أيضًا نوع وصوت واحد من الصحافة، ولم يختلف الأمر في ظلّ حكم أردوغان. الفرق الوحيد بين القديم والحديث يكمن في أيّ نوع واحد من الفكر أو الإيديولوجية تتبناه وتروِّج له وسائلُ الإعلام المكوّنة من الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية.

في القديم كانت تسيطر على وسائل الإعلام وجهات نظر مختلفة، أما اليوم فلا يمكن أن تسمع عن أصوات مختلفة. لذا يجب علينا أن نعتبر فتح صحيفة واحدة صدْرها لآراء باباجان من المعجزات في ظروف تركيا الراهنة.

إذن كيف سيتشارك الأشخاص ذوو الآراء الطموحة وجهات نظرهم مع المجتمع؟ وكيف سينجح أناس لديهم أهداف أكثر طموحًا، مثل علي باباجان وأصدقائه الذين يسعون جاهدين لإطلاق حزب جديد في إيصال أصواتهم للرأي العام؟

لا يخفى على أحد أننا لم نعُدْ مضطرين لمتابعة الصحف والقنوات التلفزيونية بقدر ما كان سابقًا. ذلك بأن الإنترنت تحول اليوم إلى وسيلة لنقل الآراء والأفكار إلى الناس بطريقة أسرع ونطاق أوسع بكثير. وهذا بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. (وكانت صحيفة قرار أفردت عنوانها الرئيسي وصفحة كاملة أخرى لحوارها مع باباجان، مع التذكير للقراء نهاية الحوار بأنهم يمكنهم قراءة النص الكامل للحوار عبر موقعها الإلكتروني.)

على سبيل المثال، لقد أثارت أغنية الراب "لا يمكنني الصمت"، التي أداها عدة فنانين، ضجة كبيرة في تركيا، لتكون أحدث أساليب معارضة السلطة السياسية بقيادة أردوغان.

وتجاوز عدد مشاهدات الأغنية في اليوم الأول في شتى المحافل الموسيقية 10 ملايين. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الناس يصلون إلى ما يريدونه عبر الطرق البديلة، وإن لم تتطرق إليه أي صحيفة أو قناة تلفزيونية.

حسنًا من هو الخاسر في هذا الحال؟

لا شك أن الخاسر هو مهنتنا، أي الصحافة.

الخبر هو العنصر الأساسي للصحافة، وغاية وجود ما نسميه وسائل الإعلام هي إيصال الخبر إلى الجماهير العريضة. ولا ريب أن أي خطوة جديدة أو تطور جديد في موضوعٍ ينتظره الجمهور بفارغ الصبر يحمل أهمية كبيرة من الناحية الخبرية والصحفية.

وإذا كان الأمر كذلك أفلا يكون تغاضي الصحف والقنوات التلفزيونية عن حوار علي باباجان أمرًا مخالفًا لمهنة الصحافة قبل كل شيء؟ بالطبع هو كذلك.

إن لم يطلع الناس فورًا على الآراء التي طرحها باباجان في حواره فإنهم سيتمكنون من الوصول إليها بمرور الوقت بشكل أو بآخر.

كيف سينظر هؤلاء الناس إلى الصحيفة التي يقرؤونها أو القناة التلفزيونية التي يشاهدونها يوميًّا عندما تجنبت تخصيص مساحة لخبر حوار باباجان على صفحاتها يا ترى؟

 ربما سيبادرون إلى إبداء ردود فعلهم بالإقلاع عن متابعة وسائل الإعلام التقليدية.. سيتخلون عن شراء الصحيفة أو مشاهدة القناة التي غضّت طرفها عن الحوار رغم ما يتمتع من أهمية كبيرة بالنسبة للقراء أو المشاهدين.

وهذا هو ما يحدث فعلاً، إذ بدأ الناس يتركون متابعة وقراءة الصحف. فضلاً عن أنه لم يعدْ هناك إلا شرذمة قليلون يتابعون الكُتّاب الذين ينشرون مقالاتهم في تلك الصحف الموالية للسلطة السياسية.

وأريد أن أؤكد أن الذين يظنّون أن حوار باباجان لم ينتشر بين الناس نظرًا لأن وسائل الإعلام لم تقم بمهتها ولم تنشرها مخطئون جدًا. بل ان غياب الاهتمام الصحفي بالحوار أصبح عاملاً مهمًّا في زيادة اهتمام الرأي العام به. وقد ذكرتُ أن عدد قراءة الحوار في موقعي الإلكتروني حقّق رقمًا قياسيًا تاريخيًّا. وسيستمر عدد قراء الحوار في الزيادة، وإن لم تناقشه القنوات التلفزيونية فإن الناس سيناقشونه في محادثاتهم بالمنازل والمقاهي.

وقد أعلن علي باباجان في حواره مع صحيفة قرار عن عزمه الانتهاء من تشكيل الكيان الهيكلي لحزبه المرتقب قبل نهاية العام. وهذا يعني أن أمامنا ثلاثة أشهر مثيرة من ناحية وسائل الإعلام بكل أنواعها، حيث ستخضع لاختبار صعب سيزيح الستار عن مدى استقلالها وحريتها.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/ali-babacan-konustu-medya-sustu-soyledikleri-halka-ulasmadi-sananlar-icin-bu-yazi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.