التكلفة السياسية لـ إس 400 في تركيا أعلى بكثير من 2.5 مليار دولار

أفادت وكالات الأنباء الدولية أن خطط تركيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس 400 قد تأخرت بسبب جائحة كورونا والمشكلات الفنية غير المحددة، نقلاً عن مسؤول تركي كبير. ومن المرجح أن يكون التقرير صحيحًا لأنه لم يكن هناك أي رد رسمي عليه، مما يعني أن الأخبار ربما تم تسريبها حتى يتأقلم الجمهور على التأخر في القضية التي نوقشت على نطاق واسع.

وبالطبع، كان المسؤول الكبير يروي قصة غير حقيقية حول التأخير. حيث بينما يستمر تورط تركيا في الحروب في سوريا وليبيا دون أن يعيقها انتشار وباء كورونا عائق، إذن فكيف يمكن للفيروس منع تنشيط نظام الدفاع الروسي في تركيا؟

تم إحضار بطاريات إس 400 إلى أنقرة في صيف 2019، ووصلت الصواريخ في الخريف، مصحوبة بدعايا كثيرة من وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة. تم تثبيت النظام واكتمال الاختبارات، وأنهى أفراد الجيش التركي المسؤولون عن العملية تدريبهم في روسيا.

ولن يكون من المفاجئ إذا أصدرت روسيا إعلانًا محرجًا يؤكد عدم وجود مشاكل فنية فيما يتعلق بنظام الدفاع إس 400.

وتشير التقارير إلى أن نظام الدفاع الجوي إس 400 تُرك الآن في المخازن ليتعفن، ما يدل على أنه تم إهدار حوالي 2.5 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.

وقال عدد من كبار المسؤولين الحكوميين مرات عديدة أنها صفقة منتهية. وأصروا على أنه لن يكون هناك عودة إلى الوراء بشأنها.

ولكن يبدو أنه سيتعين عليهم الآن ابتلاع كلماتهم. نحن نتجه نحو أسوأ فشل في شراء الأسلحة في تاريخ تركيا. قد يسجل التاريخ صفقة حزب العدالة والتنمية الفاشلة باعتبارها أغلى صفقة مبيعات أسلحة في العالم على الإطلاق.

ونظرًا لأنه لا يمكن دمج نظام إس 400 في أنظمة المراقبة الإلكترونية الموجودة في تركيا، فإن وظيفتها الرئيسية، الدفاع الصاروخي، لن تكون موجودة بشكل كبير. وحتى عملية نقل التكنولوجيا لم تعمل. وعلى الرغم من أن كل هذا كان معروفًا، اتخذت الحكومة قرارًا لأسباب سياسية بحتة للمضي قدمًا في الشراء.

يشير بعض المعلقين إلى أن خطط تفعيل أنظمة الصواريخ إس 400 قد تم تأجيلها بسبب المشاكل الاقتصادية التي تواجهها تركيا، وإمكانية عقد اتفاق مقايضة العملات مع نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمعالجتها، والتقارب مع الولايات المتحدة في سوريا ورغبة في الحفاظ على علاقات جيدة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي دونالد ترامب.

كل هذه العوامل قد تساهم إلى حد ما. ومع ذلك، هناك حقيقة قوية أجبرت على الشعور بالمرارة، وهي ليست بالجديدة. حيث اصطدم حزب العدالة والتنمية أخيرًا بجدار الحقائق الذي كان قائماً منذ توقيع اتفاقية الشراء لأول مرة.

إن فقدان الجيل الخامس من مقاتلات "إف 35" التابعة للناتو يحمل مخاطر أمنية غير مقبولة لتركيا. وبفضل أسطولها من الطائرات النفاثة من الجيل الجديد، يمكن لليونان أن تتفوق في المجال الجوي وتزيد من مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً (19.3 كيلومترًا) وتفرض سيطرتها الكاملة على بحر إيجه. يمكن أيضًا قلب التوازن في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، بما في ذلك قبرص، رأسًا على عقب.

لا يمكن لأي حكومة في أنقرة تحمل مثل هذه المخاطر. وأكاد أجزم أن الخبراء الخبراء العسكريين قدموا عددا كبيرا من الإحاطات الإعلامية لصناع القرار في حزب العدالة والتنمية بشأن سيناريوهات واقعية مختلفة.

تُظهر المغامرة السيئة لنظام الدفاع الجوي إس 400 قدرة الحكومة على حساب الخطوتين الثانية والثالثة في استراتيجيتها لتكون أقل من مثالية. تُظهر الرغبة في امتلاك كل من طائرات إف 35 وإس 400 في نفس الوقت أنهم ليسوا على دراية كاملة بما تعنيه هذه الأنظمة للولايات المتحدة وروسيا.

تم تطوير طائرات إف 35 خصيصًا مع وضع روسيا والصين في الاعتبار. هذه المنصة هي العمود الفقري لاستراتيجية الولايات المتحدة في النزاعات التقليدية المحتملة في العقود القادمة. تقوم الاستراتيجية على كسب التفوق السريع في المجال الجوي الروسي في المرحلة الأولى من الحرب. ومن بين عمليات النشر العسكرية المختلفة، فإن منصات إف 35، المجهزة بأحدث إلكترونيات الطيران، ليست مجرد طائرة قديمة بل ستلعب دورًا مركزيًا في العمليات الأميركية.

ستقوم أنظمة الدفاع إس 400، وقريباً إس 500، بلعب دور رئيسي مماثل في الدفاع الروسي عن مجالها الجوي، بالطبع، إلى جانب المكونات العسكرية الأخرى. 

وكان من الواضح أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع استخدام مثل هذه المنصة العسكرية الحيوية مثل طائرات إف 35 جنبًا إلى جنب مع طائرات إس 400 التي ستنشرها روسيا ضدهم. وحتى الآن، لم تتصور أي دولة عضو في الناتو شيء من هذا القبيل.

ولكن يشير إصرار الحكومة التركية الدؤوب على شراء نظامين غير متوافقين مع بعضهما البعض إلى أنها لا تحتفظ بفهم واقعي لهذه الحقائق.

وعندما لم تستطع الحكومة إيجاد مخرج، حاولت معالجة المشكلة من خلال إنشاء لجنة مشتركة مع المسؤولين الأميركيين، لكن البنتاغون رفض ذلك بشكل قاطع. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 2019، حاولت الحكومة التركية حل المشكلة من خلال ترامب، لكن هذا لم يساعد أيضًا. وفي محاولة أخيرة، اقترحت الحكومة التركية أن يترأس الناتو اللجنة، ولكن هذا لم يكن له أي تأثير أيضًا.

وعلى الرغم من معارضة البنتاغون، يمكن للرئيس الأميركي أن يقرر، على سبيل المثال، سحب القوات من سوريا. يمكنه أيضًا سحب الجنود من العراق. لكن لا يمكن لأي رئيس أن يعرض طائرات إف 35 للخطر، لأنها تعتبر مرتبطة مباشرة بأمن الولايات المتحدة. لم يحاول ترامب حتى هذا الأمر.

وفي غضون ذلك، ظلت الحكومة التركية تقول إنه لا يزال لديها خيارات. وقالت إن تركيا ستبني طائرات مقاتلة من الجيل الخامس. إن إمكانية إنتاج تركيا بمفردها لمقاتلات إف 35 في وقت معقول لا يمكن تخليها. ومن أجل تحقيق ذلك في ظل شجار مع الغرب، أعتقد أنه من غير الممكن تنفيذه على أرض الواقع.

في الواقع، إذا كان حزب العدالة والتنمية يعتقد أنه يمكنه بناء طائرات مقاتلة خاصة به، فمن المحتمل ألا يتراجع عن تفعيل أنظمة الدفاع إس 400.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومة التركية مفاوضات مع روسيا حول الجيل الجديد من مقاتلات إس يو 57. وقد أشادت وسائل الإعلام الموالية للحكومة في تركيا بصفقة نهائية مع روسيا، مدعية أن تركيا ستحصل على طائرتين من طراز إس يو 57 بسعر طائرة إف 35.

لكن طائرات إس يو 57 لم يتم إدراجها بعد في مخزون القوات الجوية الروسية، وتأتي من الناحية التقنية في المرتبة التالية بعد طائرات إف 35. ويتجلى ذلك من خلال انسحاب القوات الجوية الهندية من برنامج إس يو 57 في عام 2018 على أساس أنها لم تستوف معايير الجيل الخامس فيما يتعلق بتقنيات التخفي وإلكترونيات الطيران والرادارات وأجهزة الاستشعار.

بالإضافة إلى ذلك، ستؤدي صفقة إس يو 57 لتركيا إلى إحداث ضرر استراتيجي أكثر من المنفعة. حيث سيتوقف تعاون تركيا مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) عن العمل، ولن تتوافر بسرعة العديد من المعدات الحيوية لمثل طائرات إف 16 وطائرات الهليكوبتر بلاك هوك وشينوك وأنظمة الصواريخ المختلفة للقوات المسلحة التركية.

لذا، فإن خطوة شراء إس يو 57 انهارت أيضًا. عادت الحكومة إلى المربع الأول ووصلت إلى النقطة التي توقعتها قبل عام: وهي أن أنقرة ستتراجع في اللحظة الأخيرة قبل أن تنكسر، بعد فترة طويلة من الخلاف مع الولايات المتحدة التي ترى الإضرار بمصالحها الخاصة.

وهذا ما حدث بالضبط، لكن الأمر لم ينته بعد.

لن يكفي القول ببساطة إن إس 400 لن يتم تنشيطه؛ العودة إلى الظروف الأولية مستحيلة الآن. ولن تقتصر الخسارة على 2.5 مليار دولار دفعتها تركيا للصواريخ. لقد شهد العالم كله، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، أن هناك حكومة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها في أنقرة. وسيكون فقدان الثقة هو الضرر الأكثر تبعية.

سنرى عواقب سلبية على علاقات تركيا مع روسيا في سوريا وأماكن أخرى. وفي حين قد قبول تركيا في برنامج إف 35، فمن المحتمل أن يعني ذلك سنوات من التأخير في التسليم وربما خطة أسعار جديدة ومعدلة. 

ووفقًا للخطط الأولية، ستكون محافظة إسكي شهر في تركيا مركز الصيانة الرئيسي لجميع طائرات إف 35 في أوروبا وتركيا ستحقق فوائد مالية وتكنولوجية كبيرة. وبعد نزاع إس 400، تم نقل مركز الصيانة الجديد إلى هولندا، ولا نعرف ما إذا كان الرجوع عن هذا ممكنًا.

ومن المحتمل أن تسعى واشنطن إلى الحصول على ضمانات بأن تركيا في المستقبل لن تقوم بتفعيل طائرات إس 400، قبل أن توافق على تسليم طائرات إف 35 على الإطلاق.

كيف ستتأكد الولايات المتحدة من ذلك؟ هل سترسل المفتشين دوريا أو تطلب من أنقرة التوقيع على اتفاق مكتوب بشروط، لضمان عدم تفعيل أنظمة الدفاع الروسية؟ وماذا ستقول روسيا عن هذا؟.

قد ينتهي مسار حزب العدالة والتنمية، الذي بدأ مرارًا وتكرارًا بالاعتراف بأن تركيا دولة ذات سيادة، بتسليم أنقرة جميع مقاليد السيطرة على مستودع صواريخ إس 400 إلى الولايات المتحدة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-s-400/political-price-turkeys-s-400-purchase-far-higher-25-billion
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.