التقرير الأوروبي حول تركيا: غياب كامل لدولة القانون

لم تعد التقارير، التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي بشأن تركيا، خلال السنوات الماضية، تثير الكثير من الانتباه كما كان يحدث في الماضي، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب أهمها أن المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول انضمام الأولى للاتحاد قد تم تعليقها بالفعل، وأنه بات من الصعوبة بمكان، وفق هذه التقارير، استئنافها مرة أخرى.

وعلى الرغم من حدة التقرير، الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي هذا العام، إلا أن عدداً قليلاً من الصحف هي التي أفردت مساحة في صفحاتها للحديث عن هذا التقرير. يؤكد التقرير حدوث تراجع حاد في شتى أنواع المجالات في تركيا، وعلى رأسها المجال الاقتصادي، ويلقي باللوم - في عدد من المواضع - على النظام الرئاسي، الذي بدأ تطبيقه مؤخراً في تركيا، وهذا يعني أن أردوغان، بوصفه رئيس الدولة، وأول من وضع دعائم النظام الرئاسي، كان موضع الحديث في عدد من النقاط التي وردت في ثنايا هذا التقرير. 

استخدم التقرير لغة دبلوماسيةً في الحديث عن هيمنة رئيس الجمهورية على القضاء في تركيا، واهتزاز الثقة بالنظام الانتخابي بأكمله، بعد إلغاء الانتخابات المحلية في إسطنبول، فضلاً عن تزايد الفساد وفرض قيود أكثر صرامة عما كانت عليه العام الماضي على الحريات، لا سيما حرية الصحافة، وحرية الرأي، والحق في التجمع والتظاهر. وفي المقابل من ذلك، ذكر التقرير أن التقدم الوحيد الذي يُحسب لتركيا كان بخصوص الاتفاقات الخاصة باللاجئين. 

يشير التقرير إلى أن هناك عشرات الآلاف من المواطنين ما زالوا في السجون التركية، ويؤكد - في أكثر من موضع - أن اللجنة التي شُكِّلت عقب إعلان حالة الطوارئ لم تُنصف الذين أُبعدوا عن وظائفهم، وهذا يبرر لجوء عشرات الآلاف منهم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. 

وعلى الرغم من رفع حالة الطوارئ إلا أن القوانين التي صدرت حديثاً أعطت الحق في تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أعوام أخرى، وتطبيق كافة الممارسات التعسفية المصاحبة لإعلان حالة الطوارئ.  

وكانت المعاناة التي تعيشها الصحافة التركية في الوقت الراهن من أكثر الموضوعات التي تعرَّض لها التقرير في مواضع شتى؛ حيث وصل عدد الصحفيين داخل السجون في تركيا- وفق التقرير- إلى 160 صحفياً؛ منهم أحمد ألتان ومحمد ألتان ونازلي إليجاك الذين حُكِمَ عليهم بالسجن مدى الحياة، بزعم علاقتهم بجماعة فتح الله غولن، وهو أمر يبعث على قلق عميق. يرصد التقرير كذلك تراجع حرية الصحافة بشكل أكثر سوءً مما كانت عليه في التقرير السابق، مؤكداً عدم التزام تركيا بأي من توصيات الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار. ولم يكن لهذا معنى آخر سوى أن الصحافة التركية لا تزال تتعرض ﻟ "ضغوط شديدة" من جانب الحكومة التركية.

أفرد التقرير مساحة كذلك للحديث عن الأشخاص الذين اختفوا قسرياً، مؤكداً أن هؤلاء الأشخاص لم يخضعوا للتحقيقات، ولم تُتح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم. ويعبر- في الإطار نفسه- عن بالغ القلق إزاء واقعة القبض على ستة من المواطنين الأتراك في كوسوفا في شهر مارس عام 2018 الماضي، وترحيلهم بعد مطالبات عديدة من جانب الحكومة التركية.  

يلفت التقرير الانتباه إلى كم الضغوط والممارسات التعسفية والاعتقالات التي تعرضت لها جماعة فتح الله غولن في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، ويؤكد أن ما لا يقل عن 100 ألف مواطن خضعوا للتحقيقات، وزُج بهم في السجون، بذريعة الانضمام إلى جماعة فتح الله غولن. 

أفرد التقرير مساحة كذلك للحديث عن الأوضاع المزرية داخل السجون التركية، التي يشغلها أعداد كبيرة لا تقل عن 250 ألف شخص؛ منهم 57 ألف معتقل، بالإضافة إلى 743 طفلاً يقبعون في السجون مع أمهاتهم.

السجون التركية تغص بمعتقلي الرأي.

يؤكد التقرير أن 20% من الموجودين في السجون يواجهون تهماً لها علاقة بالإرهاب، وأن السلطات داخل السجون مستمرة- منذ فترة طويلة- في معاملتهم بشكل سيء للغاية، وتمنعهم من إجراء الفحوصات الطبية والالتقاء بذويهم، كما لا يُسمح لمنظمات حقوق الإنسان بدخول السجون للوقوف على الظروف اللا إنسانية التي يعيشها المساجين.  

وبخصوص الوضع الاقتصادي، يؤكد التقرير أن الدولة قامت بمصادرة 1008 شركة تقدر قيمتها ڊ 8.8 مليار يورو، وأسندت مسؤولية إدارتها فيما بعد إلى صندوق تأمين ودائع الادخار، وهو الأمر الذي أثار مخاوف المستثمرين بشدة.

وفي إشارة إلى بيع مجموعة "دوغان ميديا غروب" الإعلامية، ذكر التقرير - في معرض الحديث عن العوامل الاقتصادية المؤثرة على الصحافة - ما يلي:
"إن غياب الشفافية عند تملُّك وسائل الإعلام يثير الشكوك حول مدى استقلالية هذه الوسائل الإعلامية، ومدى مصداقية سياستها التحريرية. وقد ظهر هذا الأمر بشكل أكبر مع بيع شركة دوغان القابضة إلى رجل الأعمال دميرورون".

يذكر التقرير أن المديرية العامة للصحافة والإعلام أصبحت مرتبطة الآن بشكل مباشر بالرئاسة، وأن سلطة إصدار بطاقة الصحافة الصفراء قد تم نقلها إلى الرئاسة كذلك، ويشير إلى الصعوبات التي يواجهها الصحفيون عند استخراج كارت الصحافة الأصفر أو تجديده. ويشير التقرير كذلك إلى أن أكثر من 3000 صحفي وموظف في قطاع الإعلام فقدوا وظائفهم منذ عام 2016؛ حيث فقد في عام 2016 وحده 2708 صحفي عمله، في حين فقد 166 عملهم في 2017 و 175 في عام 2018.

أفرد التقرير مساحة خاصة للحديث عن مواقع الانترنت في تركيا، وذكر أن الحكومة التركية قامت بحظر 244 ألف موقع على الإنترنت؛ منها 2% فقط تم حجبها بموجب أمر قضائي. ونحن نعرف أن السلطات التركية تقوم بحجب موقع ويكيبيديا الشهير منذ إبريل 2017 إلى الآن. ومن ناحية أخرى، لم تتوقف الحكومة عن ممارسة ضغوطها على وسائل الإعلام الكردية كذلك.

من ناحية أخرى، أعربت البرلمانية الهولندية ومُقررة تركيا في الاتحاد الأوروبي عن قلقها البالغ إزاء استمرار عمليات التعذيب داخل السجون التركية، داعيةً المفوضية الأوروبية إلى عدم الاكتفاء بتدوين ملحوظات عما يحدث في السجون التركية، وأن تسارع بوضع استراتيجية لمعالجة هذا الوضع المأسوي.
وطالبت كاتي بيري البرلمان الأوروبي كذلك بمتابعة سير الانتخابات التي ستجرى يوم 23 يونيو المقبل.

وذكر التقرير أنه في حين كان يتعين على الحكومة تعويض جميع الأشخاص، الذين طُردوا من وظائفهم بشكل تعسفي، بسبب ما وقع عليهم من ضرر جراء ذلك، وجدنا أن أداء لجنة حالة الطوارئ ونزاهتها واستقلالها في تناول ملفات هؤلاء الموظفين كان مسار تساؤل.

ومن ناحية أخرى، تعرضت استقلالية القضاء لانتكاسة خطيرة عندما أجبر 30% من القضاة والمدعين العامين على ترك وظائفهم بعد يوليو 2016، كما أن الدولة لم تراع الموضوعية والجدارة في اختيار القضاة والمدعين العامين، الذين تم تعيينهم في أماكن أقرانهم، وهو ما جعل القضاء يعيش أزمة لا تزال مستمرة إلى الآن.
يمكنكم الاستماع إلى تعليق الخبير في شؤون الاتحاد الأوربي والكاتب في موقع "أحوال تركية" جنكيز أكتار على التقرير بالضغط على زر تشغيل أدناه:

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاَ:

https://ahvalnews.com/tr/ab-turkiye/ab-turkiye-raporu-uyelik-rafa-kalkti-hukuk-devleti-fiilen-felc-halinde