التوترات الاقتصادية مستمرة حتى لو استقرت الليرة التركية

استقرت الليرة التركية بعد أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة القياسي إلى 17 في المئة، لكن التوترات في الاقتصاد تبقى مستمرة بسبب الاختلالات المتأصلة التي لا يمكن علاجها بتشديد السياسة النقدية فقط.

واستهلت تركيا الأسبوع بإصدار بيانات جديدة مهمة، من أهمها بيانات ميزان المدفوعات لشهر نوفمبر. وقال البنك المركزي إن الحساب الجاري سجل عجزا قدره 4.1 مليار دولار، مما رفع العجز المستمر لمدة 12 شهرا إلى 38 مليار دولار.

وقد سجل الحساب الجاري فائضا قدره 10 مليارات دولار العام الماضي. ولكن التحول كان سلبيا رغم جهود الحكومة لتحفيز الاقتصاد أثناء تفشي فيروس كورونا المستجد. وتحتاج تركيا إلى رأس المال الأجنبي لتمويل النقص الذي يعادل 5 في المئة من الناتج الاقتصادي.

ويعاني الحساب الجاري من العجز بعد أن تضررت عائدات السياحة في البلاد بسبب الوباء وتحولت الحكومة إلى الاستهلاك المحلي لتحقيق النمو الاقتصادي. وقد أشاد وزير الخزانة والمالية السابق، بيرات البيرق، وهو صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، بفائض الحساب الجاري لسنة 2019 باعتباره قصة نجاح للاقتصاد التركي. وفي نفس الوقت، أصر على أن النمو الاقتصادي آخذ في التعافي، وأن تركيا تسير على الطريق الصحيح لحل مشكلة عجز الحساب الجاري التاريخية. ولكن، عندما أدى التحفيز الحكومي إلى زيادة الاستهلاك المحلي خلال سنة 2020 والطلب على الواردات، ثبت خطأ افتراض قدرة تركيا على إبقاء ميزان مدفوعات إيجابيا.

يمكن اعتبار العجز الأكبر في الميزانية والدين العام المرتفع الوضع الطبيعي الجديد للاقتصادات المتقدمة والنامية بسبب الانكماشات الاقتصادية الناجمة عن  الأزمة الصحية العالمية. وقررت العديد من الحكومات تعزيز دعم الدولة لاقتصاداتها لضمان عدم استمرار الخسائر المالية الناجمة عن الأزمة ولحماية الوظائف.

في بيئة السيولة العالمية الوفيرة، يمكن تأجيل حل الاختلالات في العديد من الاقتصادات حول العالم على الرغم من الارتفاع الهائل في مستويات الدين العام لأن التضخم بقي شبه منعدم في الوقت الحالي.

لكن، أدت أخطاء السياسة الاقتصادية التركية، التي تضمنت إغراق الاقتصاد بقروض رخيصة والضغط على البنك المركزي لإبقاء أسعار الفائدة عند أقل من معدل التضخم، إلى ارتفاع الأسعار في تركيا إلى حوالي 20 في المئة. كما أدى قرار تحفيز النمو بالقروض منخفضة التكلفة إلى زيادة مديونية المواطنين الأتراك.

لقد كانت تركيا من بين البلدان القليلة التي سجلت نموا اقتصاديا في 2020، حيث نما الاقتصاد بنسبة 4.5 في المئة سنويا في الربع الأول، وانكمش بنسبة 9.9 في المئة في الأشهر الثلاثة حتى يونيو، ثم نما مرة أخرى بمعدل 6.7 في المئة في الربع الثالث. ومن المحتمل أن النمو قد وصل حوالي 5 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة المنقضية.

لكن الآثار الجانبية السلبية لهذا النمو برزت في ارتفاع معدلات التضخم، والعجز الكبير في الحساب الجاري، وتراجع قيمة الليرة التركية، إلى جانب عجز كبير في الميزانية.

في 2021، من المقرر أن تنمو اقتصادات العديد من الأسواق المتقدمة والصاعدة، لكن الاختلالات الاقتصادية الكلية التي نشأت خلال سنة 2020 في تركيا ستبقي مسار نموها دون المعايير التي كانت متوقعة. ومع عجز في الحساب الجاري بنسبة 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمال، وضعف القدرات التمويلية، والنقص المقدّر بنحو 50 مليار دولار في صافي احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، يختلف الوضع الاقتصادي في تركيا اختلافا صارخا عن نظرائها. فقد سجلت البلدان النامية فوائض في الحساب الجاري في 2020. وبلغ متوسط ​​التضخم حوالي 4 في المئة، ولم تتعرض عملاتها لأي ضغوط كبيرة عموما.

ونجحت هذه الاقتصادات في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، ويرجع ذلك جزئيا إلى ضعف الدولار، خاصة خلال الربع الأخير من سنة 2020. وقد أدى ذلك بالطبع إلى زيادات كبيرة في احتياطياتها من النقد الأجنبي.

أدت أخطاء السياسة الاقتصادية الجسيمة التي ارتكبتها الحكومة إلى استقالة البيرق وإقالة محافظ البنك المركزي في أوائل نوفمبر. ثم شرع البنك في رفع أسعار الفائدة. ومنذ ذلك الحين، لم نسمع أردوغان يقول إن أسعار الفائدة المرتفعة هي التي تسبب التضخم. ونظرا إلى الزيادة في أسعار الفائدة بنحو ألف نقطة أساس، أو 10 نقاط مئوية منذ الصيف، يمكن أن نستنتج أن الرئيس قد تخلى عن نظريته المثيرة للجدل.

ولا تكذب أرقام ميزان المدفوعات في تركيا.

تخدم عمليات رفع الأسعار غرضها أخيرا. إذ انعكست خسائر الليرة التركية، ومن المحتمل أن يكون عجز الحساب الجاري قد بلغ ذروته خلال شهري نوفمبر وديسمبر، وربما انحسر الانهيار في احتياطيات تركيا من العملات الأجنبية.

وتظهر أرقام ميزان المدفوعات لشهر نوفمبر أن أسعار الفائدة المرتفعة اجتذبت رأس المال الأجنبي إلى البلاد. ومع ذلك، ليست هذه التدفقات علاجا لكل الاختلالات. وتُستثمر هذه الأموال، التي دخلت أسواق الأسهم والسندات، في أصول يمكن صرفها بسهولة. وجاءت بعد أن ضعف الدولار على الصعيد الدولي وتعززت الليرة. وبطبيعة الحال، يمكن أن تصبح تدفقات إلى الخارج بسرعة.

لا يعتبر توجه الأجانب للربح قصير المدى في تركيا ممنوعا ولا خبيثا، بل هو واقع في الأسواق العالمية. إذ تقدّم الزيادات الإلزامية في أسعار الفائدة الحقيقية في البلدان التي تسوء حالة الاقتصاد فيها أرباحا سهلة للمستثمرين. ويتجلى هذا في تركيا الآن حيث أصبحت قيمة الليرة مقياسا للأطراف الخارجية.

كما ساعدت تعهدات الرئيس بالإصلاحات الاقتصادية والقضائية، التي رافقت رفع أسعار الفائدة، الليرة. ومع ذلك، يبدو الآن أن هذه الإصلاحات ستقتصر على اللوائح لتشجيع رأس المال الأجنبي الذي يدخل تركيا وحمايته.

وليست الحكومة قادرة على إجراء إصلاحات حقيقية وتنعكس هذه المشكلة في تضاؤل ​​شعبيتها. إذ تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع قوّة حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه اليميني المتطرف، حزب الحركة القومية، أمام منافسيهما السياسيين.

ويكمن الحل الذي قد يساعد حزب العدالة والتنمية على الحفاظ على الأغلبية في البرلمان والدعم العام لأردوغان في الحفاظ على شراكته مع حزب الحركة القومية.

وتبقى الوسيلة الوحيدة للحفاظ على استمرار هذه الشراكة في تصعيد التوترات السياسية في البلاد وتغذية الانقسامات.

ومع الديناميكيات السياسية الفريدة في تركيا، من المرجح أن تؤمن الزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة حوالي 1-1.5 مليار دولار شهريا في التدفقات الأجنبية، مما يعكس الاستثمارات التي شوهدت في بيانات ميزان المدفوعات في نوفمبر. ويعني هذا أنه خلال الأشهر الأولى من سنة 2021، من المرجح أن تحافظ الليرة على استقرارها وربما ترتفع قيمتها قليلا.

ومع ذلك، لا تزال التوترات السياسية في البلاد شديدة. إذ أعلن زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي أنه سيرفع دعوى قضائية لإغلاق الحزب السياسي الرئيسي الموالي للأكراد في تركيا. كما أشار إلى أنه قد يرفع قضية مماثلة ضد تحالف الأمة المعارض وحزب المعارضة الرئيسي (حزب الشعب الجمهوري).

وأبدى أردوغان فكرة أن أي شخص في تركيا قد يفكر بشكل مختلف أو يعارض ائتلافه الحاكم يمكن اعتباره إرهابيا. وضاعفت هذه التصريحات التوترات السياسية الشديدة في البلاد.

يبدو أن ائتلاف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية سيستغل استقطاب الناخبين كأداة سياسية رئيسية حتى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في 2023. وستؤدي مثل هذه الاستراتيجية المدمجة مع  غياب إصلاح اقتصادي حقيقي، إلى سحق إيجابيات معدل الفائدة الجديد في تركيا والقدرة على الحفاظ على استقرار الاقتصاد التركي.

وتنعكس واحدة من أوضح المؤشرات على هذا الفشل الوشيك أن المستثمرين المحليين عزفوا عن تكديس الليرة كنظرائهم الأجانب.

وسجّلت تركيا شراءهم لملياري دولار أخرى من العملات الأجنبية في الأسبوع الأخير من سنة 2020، مما زاد ودائعهم بالعملات الأجنبية إلى مستوى قياسي جديد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkish-lira-stabilises-rate-hikes-tensions-economy-persist
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.