التوترات مع تركيا تعزز التقارب المصري الفرنسي

باريس -  تظهر مصر وفرنسا تقاربا كبيرا بشأن قضايا الأمن الإقليمي مثل الخلافات مع تركيا في شرق البحر المتوسط أو الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بينما تسعى باريس من جهتها لتعزيز تعاونها مع دول تعد من خصوم أنقرة على غرار القاهرة واثينا، حيث دفعت بثقلها في الأشهر الأخيرة لتشكيل جبهة متينة تضم دول شرق المتوسط والتي تلتقي في خلافات مع الجانب التركي.

وعلى الرغم من بوادر تبديها أنقرة للتقارب مع القاهرة تؤجل العديد من النقاط الخلافية مثل ملف الاخوان، إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين، فيما يبدو التقارب المصري الفرنسي حالة وازنة في خضم تعديل تركيا بوصلتها تجاه مصر القوة الإقليمية التي يعتبر دورها مؤثرا في عدة ملفات إقليمية ودولية على غرار ملف النزاع في شرق المتوسط.

وفي أحدث نجاح فرنسي يطبع خطوات ثابتة نحو تعزيز التحالف مع مصر، ستطلب القاهرة 30 مقاتلة إضافية من طراز رافال من فرنسا، كما قال الاثنين مصدر مطّلع على الملف مؤكدا جزئيا معلومات كشفتها موقع "ديسكلوز" الاستقصائي.

وتأتي صفقة التسلح المصرية بعد أشهر قليلة من صفقة أبرمتها اليونان مع فرنسا لتعزيز قدراتها الدفاعية بمقاتلات  رافال وأخرى من طراز ميراج في خضم توترات لم تهدأ بين أنقرة وأثينا في شرق المتوسط وفي بحر ايجه.

والعلاقات بين تركيا فرنسا تشهد منذ العام الماضي توترا على خلفية موقف باريس من التدخلات التركية الخارجية ومن الانتهاكات في شرق المتوسط وقد القت بثقلها في دعم أثينا في خلافاتها مع أنقرة.

وكانت القاهرة وهي زبون مهم بالنسبة إلى قطاع صناعة الأسلحة الفرنسي، أول بلد أجنبي يشتري مقاتلات رافال (24) في العام 2015.

ولم ترغب شركة داسو في التعليق على هذه المعلومات التي من شأنها أن تمثل نجاحا تجاريا كبيرا جديدا لهذه المقاتلة الفرنسية.

وقال مصدر في الحكومة الفرنسية إن "مناقشات متقدمة جدا تجري مع مصر ويمكن إعلانها قريبا جدا".

ووفقا لموقع 'ديسكلوز'، وقعت فرنسا ومصر في 26 أبريل عقدا بقيمة إجمالية تبلغ 3.95 مليار يورو يشمل بيع 30 مقاتلة رافال بالإضافة إلى عقدين آخرين لصالح مجموعة "إم بي دي إيه" لصناعة الصواريخ و"سافران إلكترونيكس أند ديفانس".

وكان من المقرر أن يوقع وفد مصري بالأحرف الأولى على الاتفاق الاثنين في باريس، فيما أكد مصدر مطلع على الملف طلبية مقاتلات رافال الثلاثين، بدون تحديد الترتيبات المالية.

اليونان استعجلت صفقة تسلح ضخمة من فرنسا في غمرة توترات مع تركيا في شرق المتوسط وبحر ايجه
اليونان استعجلت صفقة تسلح ضخمة من فرنسا في غمرة توترات مع تركيا في شرق المتوسط وبحر ايجه

ومن شأن عملية البيع هذه، تأكيد النجاح الكبير للمقاتلة الفرنسية ولو جاء متأخرا. وبعد مصر، طلبت كل من قطر والهند 36 منها واشترت اليونان في يناير الماضي 18 مقاتلة رافال منها 12 مستعملة.

وقد تشهد الأشهر القليلة المقبلة ازدهارا، كما تأمل شركة داسو، فمقاتلة رافال تخوض منافسة في سويسرا وفنلندا وكرواتيا.

وقال نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ سيدريك بيران الاثنين "الأمر متروك للزبون للإعلان عن طلبات مماثلة، لكن إذا تم تأكيد هذا الإعلان، فسيكون نجاحا كبيرا للصناعة الفرنسية وللتوظيف في فرنسا".

وبحسب الموقع الذي استشهد بوثائق حكومية مصرية تفصّل شروط العقد، حصلت مصر على قرض بضمان فرنسا يصل إلى 85 بالمئة لتمويل هذه المشتريات.

ورغم رغبة باريس المعلنة في إعادة تركيز صادراتها من الأسلحة إلى أوروبا، تعد مصر إحدى الأسواق الرئيسية للمعدات العسكرية الفرنسية. وإذا كانت قيمة مشترياتها عشرات ملايين اليورو فقط في بداية العام 2010، فقد تعززت بشكل كبير مع وصول عبدالفتاح السيسي إلى السلطة في 2014، خصوصا بين عامي 2014 و2016 بعد شراء القاهرة مقاتلات رافال وفرقاطة وأربعة طرادات وحاملتي مروحيات من طراز ميسترال.

وبلغ مجموع الواردات المصرية من الأسلحة الفرنسية 7.7 مليارات يورو بين عامي 2010 و2019، ما جعل القاهرة رابع دولة من حيث شراء الأسلحة من فرنسا، وفقا للتقرير السنوي للبرلمان.

وكان القلق الذي أعرب عنه إيمانويل ماكرون بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المصري في يناير 2019 أنهى التقارب بين باريس والقاهرة اللتين لم تبرما أي عقود جديدة منذ ذلك الحين، وفق ما كتب النائب جاك مير في نوفمبر في تقرير عن إدارة صادرات الأسلحة.

وفي أحدث إشارة إلى التقارب بين البلدين، استقبل ماكرون في ديسمبر من العام الماضي السيسي ومنحه وسام جوقة الشرف. وأثار ذلك ردود فعل غاضبة على الشبكات الاجتماعية إذ تتهم منظمات غير حكومية السلطات المصرية بانتهاك حقوق الإنسان.

وخلال ذلك الاجتماع، امتنع ماكرون عن ممارسة ضغط كبير على مصر. وقال "لن اجعل هذه الخلافات شرطا لتعاوننا في المجال الدفاعي، كما في المجال الاقتصادي".

تقارب مع اليونان

وفي خضم التوتر القائم بين تركيا واليونان، دخلت فرنسا على خط الأزمة وهي التي شهدت علاقاتها مع أنقرة فتورا اقترب من أزمة دبلوماسية.

ودعمت باريس بقوة أثينا التي ابدت بدورها رغبة كبيرة في تعزيز قدراتها التسليحية من الصناعات الفرنسية.

وفي يناير الماضي وقع البلدان صفقة ضخمة لبيع 18 طائرة مقاتلة من طراز رافال لليونان التي تواجه توتّرا متزايدا مع تركيا المجاورة. وتمّ شراء ست طائرات رافال جديدة من الشركة المصنّعة "داسو للطيران" يفترض أن يبدأ تسليمها اعتبارا من 2022.

وكان رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس قد اتخذ قرار في سبتمبر 2020 بالتفاوض مع فرنسا لاقتناء مقاتلات رافال في ذروة المواجهة مع تركيا حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز في مياه متنازع عليها في شرق المتوسط. كما أعلنت الحكومة اليونانية رغبة صريحة في تعزيز قدراتها العسكرية في العام الحالي رغم ما تواجهه من صعوبات اقتصادية فاقمتها جائحة كورونا.

ودعمت فرنسا اليونان وشاركت خلال الصيف الماضي في مناورات عسكرية مشتركة في البحر المتوسط، في استعراض للقوة في رسالة موجهة لتركيا ووسط مخاوف من عسكرة شرق المتوسط.