ألواح كالفراشات: رحلة راكب أمواج من ماردين إلى كيب تاون

في رواية "الفوضى" التي كتبها جيمس جليك، نجد شرحا لنظرية الفوضى باستخدام ما يعرف بتأثير الفراشة، فتقول الرواية "إذا بدأت فراشة في رفرفة جناحيها في بكين، فإن الريح التي تخلفها يمكن أن تتسبب في عاصفة في نيويورك بعدها بشهر كامل."

إن بوسع جناحي فراشة تغيير العالم، والشعوب كذلك.

ولقد تغيرت حياة عبد الرحيم كوركماز، الذي يلقب باسم أبو، بعد أن وقعت عيناه على فراشة في التلفزيون في ماردين، المدينة الواقعة في جنوب غرب تركيا حيث كانت نشأته.

ورغم اعتراضات أسرته، استمر شغف كوركماز بركوب الأمواج وبالبحر ونقله إلى محافظة إزمير في غرب تركيا وإلى جنوب أفريقيا وجعل منه أكثر راكبي الأمواج ومدربيها شعبية وشهرة.

ولد كوركماز في الأول من مايو عام 1984، حيث كان الابن الأصغر من بين سبعة أطفال. وككثيرين في المنطقة، لم تكن حياة أسرته سهلة.

كانت الأسرة تتكسب من الزراعة وتربية الماشية، ولم تعرف قريتهم الطرق ولا الكهرباء ولا مياه الشرب النظيفة إلا متأخرا. في هذه البيئة القاسية نشأ الابن الأصغر للعائلة ولم تكن أحلامه سوى المشقة والمستحيل. كانت أقصى أمانيه أن يطير.

كانت طفولته شاقة بالفعل حتى أنه حين أنهى دراسته الإعدادية، لم يكن قد تعلم القراءة والكتابة باللغة التركية.

وبينما كان أصدقاؤه يلتهمون دروسهم التهاما، كان كوركماز يقفز على صهوة حصانه المفضل ليتسابق مع أطفال آخرين من قرى مجاورة.

وحين أدرك كم تأخر وراء زملائه في التحصيل الدراسي، لجأ إلى شقيقه الأكبر طلبا للمساعدة لكي يعلمه القراءة والكتابة.

وبفضل شقيقه هذا، نمت لدى كوركماز هواية القراءة وأصبحت عادة يومية. ومن خلال الكتب، تفتحت عيناه على عالم جديد. عالم لم تكن لأحلامه فيه حدود.

عند هذه المرحلة، شاهد كوركماز فراشة بألوان قوس قزح تحلق فوق الماء. كان هذا في جهاز التلفزيون بمنزل جاره، وحينها أدرك كم يعيش بعيدا عن الماء.

وبالنسبة لطفل تعلم السباحة في برك مياه تشكلها مياه الأمطار، لم يكن لديه أي تفسير لشعوره هذا.

وقال كوركماز "في الصيف، يسقي الناس حيواناتهم من تلك البرك التي يستخدمون ماءها أيضا في منازلهم. كنت شغوفا للغاية لدرجة أني إن غبت عن المنزل في أي وقت، فإنك لن تجد صعوبة في العثور علي. فقط ابحث عني عند الماء."

حين بلغ كوركماز الحادية عشرة، وفي خضم اشتباكات عنيفة في جنوب شرق البلاد، انتقلت شقيقته الكبرى مع زوجها إلى غرب تركيا حيث بدآ حياة جديدة.

وحين زارهما في أيفاليك، بدأت مرحلة أخرى من حياته.

قال كوركماز "ظهر شاب أميركي في منزل متنقل. أخرج هذا الشاب لوح تزلج وأرفق به مجموعة من الكماليات وقصد الماء، ثم انطلق".

وأضاف "عرفت حينها هذا الشيء الذي يسمى ركوب الأمواج، وعرفت أنه أمر يمكنني ممارسته في بلدنا، وأن هذه رياضة بوسعي تعلمها. وعند هذه اللحظة، تكونت بداخلي رغبة لا تقاوم."

رياضة ركوب الأمواج.

في طريقه إلى ماردين، قرأ كوركماز في مجلة أن مدينة ألاجاتي في إزمير هي المكان المثالي لركوب الأمواج.

وضع كوركماز نصب عينيه الذهاب إلى ألاجاتي وتعلم هذه الرياضة. لم يطل الفتى البقاء في ماردين ومن ثم رحل حيث أبلغ أبويه أنه يفتقد شقيقته وإنه سيذهب لزيارتها مرة أخرى.

ومن منزل شقيقته، انطلق كوركماز قاصدا ألاجاتي. ويتذكر كوركماز كيف جلس على تل يطل على منطقة يمارسون فيها ركوب الأمواج.

وقال "منذ اللحظة التي وصلت فيها، نظرت إلى البحر ورايت مئات الفراشات، إن جاز القول. كانت ألواح ركوب الأمواج في البحر تبدو كالفراشات، وترقص كالفراشات. شعرت بانجذاب شديد لدرجة أني لم أقدر على إبعاد عيني عنها طيلة ساعة كاملة. لم أر في حياتي شيئا بهذا الجمال."

لم يكن كوركماز يملك سوى القليل من المال الذي منحته إياه أمه، وكان عليه الاقتصاد. قرر أن ينام الليل على شاطئ البحر.

وخلال النهار، كان يذهب إلى مدرسة تعلم ركوب الأمواج بحثا عن أي عمل قد يكلفونه به، لكنه لم يوفق في مسعاه.

سعى حينها للبحث في المطاعم والمقاهي. وبلا جدوى أيضا.

وأخيرا، وقعت عيناه على موقع بناء غير بعيد عن مدارس ركوب الأمواج. سألوه إن كان بوسعه تكسير الحجارة، وشعر بالسعادة حين أجيب طلبه.

لكن ما كان يكسبه من مال لن يكن يكفي نفقات دروس تعلم ركوب الأمواج، ولم يكن أحد ليعيره معدات التزلج تلك ليعلم بها نفسه. وبعد محاولات عديدة، حصل كوركماز أخيرا على مبتغاه.

وعلى ظهر أول لوح تزلج وشراع يمتلكها، تمكن من النزول للماء ومشاهدة ما يفعله راكبو الأمواج الأخرون.

وقال كوركماز "شاهدت كيف يمارسونها، كيف يحركون الشراع وبدأت شيئا فشيئا أدرك كيف أعلم نفسي. كنت أبقى في الماء طيلة اليوم! لم أكن أفكر في أي شيء خلاف ذلك. وبعدها، كنت على يقين بأن هذا هو ما أريد القيام به."

استمر الفتى في العمل في كسر الحجارة بموقع البناء على مدى ثمانية أشهر. كان ينام على الشاطيء ويدخر ماله بالكامل لاستئجار معدات ركوب الأمواج.

بدأ المحيطون به يستشعرون الشغف والحماس في قلب الصبي القادم من ماردين.

وفي يوم من الأيام، اتصل به صاحب مدرسة لتعليم ركوب الأمواج ليسأله من يكون وما الذي يحاول القيام به.

قص عليه كوركماز قصته فسأله صاحب المدرسة إن كان يرغب في الحصول على عمل. بعد هذه النقطة بدأت الأمور تسير بشكل أسهل.

انضم كوركماز إلى دورة تدريبية ينظمها اتحاد الرياضات الشراعية بغرض الحصول على رخصة تدريبية، وبدأ في تحقيق ربح.

اشترى كوركماز منزلا متنقلا خاصا به وامتلك كلبا ونعجة. لكنه رغم كل شيء كان يشعر بأن شيئا ما ينقصه.

وقال "كانوا ينظمون بطولات عالمية للرياضات الشراعية هناك بمشاركة عدد من أفضل لاعبي ركوب الأمواج في العالم، لكن لم يكن بوسعي التواصل مع أحد منهم؛ لم يكن بمقدوري التعلم منهم لأني لم أكن أعرف لغات أجنبية."

وأضاف "بدأت في البحث عن أفضل مكان لتعلم اللغات، وأخذني البحث إلى كيب تاون."

يقول كوركماز إن أصدقاءه ظنوه مخبولا، لكنه سافر لمسافة 12 ألف كيلومتر حاملا معدات ركوب الأمواج وعنوانا قيل به إن به مدرسة لتعلم اللغات.

وفي غضون أشهر قليلة، أصبح الفتى قادرا على التواصل باللغة الإنجليزية. كان يستيقظ كل يوم في الخامسة صباحا ليذهب إلى المدرسة في وسط المدينة لأنه بالطبع كان يقيم بالقرب من مكان يمكنه فيه ركوب الأمواج.

بدأ في البحث عن وظيفة كمعلم، وحصل عليها بالفعل في مدرسة لركوب الأمواج. 

وفي عام 2012، نال كوركماز رخصته التدريبية من جنوب أفريقيا، وأصبح في هذه الفترة يقضي ستة أشهر في كيب تاون ومثلها في ألاجاتي.

غير أن الفتى لم ينس جذوره بعد أن لاحظ في كيب تاون الفرق الكبير بين الغنى والفقر.

وقال كوركماز "بدأت في الذهاب إلى مناطق فقيرة من المدينة لأرى كيف يعيشون. حينها التحق بإحدى المؤسسات وكنت أذهب كل خميس إلى أكثر المناطق فقرا. كان مكانا أشبه بمخيم للاجئين."
وأضاف "كنا نعلم الأطفال ونرسم صورا ونمارس ألعابا. كنا نزرع الطماطم ونطلي الأكواخ. كان هذا اليوم المميز بالنسبة لي."

رياضة ركوب الأمواج.

أصبح كوركماز معلما نابها في مجال ركوب الأمواج لدرجة أن أطفالا تتلمذوا على يديه نجحوا في الفوز ببطولات في تركيا.

أما الخطوة التالية في مسيرته، فإن كوركماز يأمل في المشاركة في بطولة العالم للرياضات الشراعية.

لكن وبعد كل هذه السنوات، فإن عائلته لم تفهم قط ما يقوم به أو سر رحيله. وقبل فترة، عاد إلى مسقط رأسه في زيارة طويلة بعد غياب أحد عشر عاما.

وقال كوركماز "ما أن ترحل عن القرية، فإنك تدرك كم قليل ما يعرفونه عن العالم. وكأنهم سعداء بألا يعرفون".

وأضاف "لكني أيضا أنظر كيف ساعدت حياتي هنا في تجهيزي لكل هذا. حين كنت في السادسة من العمر، كنت معتادا على الصعود الأغنام إلى الجبل لترعى. أوكلت إليّ مسؤولية، وهذا ما جعلني مستعدا لخوض غمار حياتي."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاَ:

https://ahvalnews.com/surfing/butterfly-effect-journey-surfer-mardin-cape-town