العودة حلم يراود النازحين من الهجوم التركي في شمال العراق

أربيل – تسببت الحملة العسكرية الأخيرة التي تشنها تركيا شمال العراق في نزوح المئات من السكان المدنيين وتهجير قرى بأكملها، بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

هذه الحديقة تذكرنا بالماضي عندما كان لدينا بساتين.. بهذه الكلمات التي تقطر مرارة يبتدئ بطرس شابو حديثه عن التحول في حياته بعد الهجوم التركي ضد عناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

يقول المزارع الكردي الذي يبلغ من العمر 56 عاما، وهو يتأمل حديقة صغيرة شرع في زراعتها بعد فراره من قريته شرانش بحثا عن ملاذ آمن في بلدة دركار، "الزراعة كما لو كنت تربي طفلا.. نحن نسلي أنفسنا به.. للأسف، نزحنا. وزرعت هذه (الحديقة) لمجرد تسلية أنفسنا بها وتذكيرنا بالماضي".

وفي 15 يونيو، شنت تركيا حملة عسكرية تستهدف عناصر حزب العمال الكردستاني المتمركزين في إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق.

وتشن تركيا الهجمات على نحو منتظم على مقاتلي حزب العمال الكردستاني، سواء في جنوبها الشرقي ذي الأغلبية الكردية أو في شمال العراق، مقر الجماعة.

لكن العمليات الجوية والبرية مختلفة هذه المرة، حسبما تقول كاترين بولوس زوجة شابو، التي توضح أن تركيا لم تكن في السابق تقصف المنازل في قريتهم، لكنها كانت تقصف الجبال المجاورة.

وكانت بولوس في المنزل مع ابنتها عندما أٌصيب منزل جارهم في ضربة جوية تركية في يونيو. في تلك اللحظة قرر شابو وأسرته مغادرة القرية والبساتين التي ظلت مصدر رزقهم على مدى عقود.

وتقول "عندما كانت الطائرات التركية تقصف، كان قصفهم بعيدا عن منازلنا. كانوا يقصفون في الجبال. الآن بدأوا بقصف منازلنا. تضررت عدة منازل هناك".

وبعد وصولهم إلى دركار القريبة، استأجروا منزلا وأصبحوا يعيشون الآن على المال الذي يقرضه لهم الأقارب أو أصحاب المتاجر الذين يقبلون الانتظار حتى تقف عائلة شابو على أقدامها من جديد.

لكن لا قدرة لشابو وعائلته، على حد قوله، على كسب قوتهم وسد رمقهم بدون أرض للزراعة.

ويقول شابو "أبلغ من العمر 60 عاما تقريبا. هل من المعقول إنهاء بقية عمري في الاقتراض من هذا أو ذاك؟ من الصعب القيام بذلك. لو كنت في قريتي، لكان بإمكاني كسب رزقي من زراعة الفاكهة وأشياء أخرى".

وقالت بولوس إنهم كانوا يصنعون حتى الخبز بأنفسهم، مضيفة أنه إذا لم تجد الحكومة حلا يسمح للقرويين بالعودة، فسوف يجدون أنفسهم مضطرين لمغادرة البلاد بالكامل.

وقال شابو "الحكومة إما أن تعيدنا إلى قريتنا أو تعمل على إيجاد حل أو تخبرنا بأننا غير قادرين على حمايتكم حتى نتمكن من البحث عن طريقة مناسبة للهجرة إلى الخارج".

وقال زرافان إسماعيل رئيس مقاطعة دركار إن من غير الممكن تقدير الأضرار على الأرض حتى الآن، نظرا لأن العملية العسكرية مستمرة ولأن المنطقة غير آمنة.

وأضاف "هذه العمليات العسكرية هي الأكثر عنفا كما قلنا. لقد أدى هذا الهجوم التركي إلى نزوح بعض القرى. قبل هذا الهجوم العسكري، نزحت قريتان هنا. وبعد هذه العملية، نزحت قريتان أخريان أيضا في منطقة باتوفا هنا".

ولا تزال 15 قرية بعيدة المنال حتى الآن نظرا لوقوعها خلف نقاط المراقبة العسكرية التي أقامها الأتراك على الجانب العراقي من الحدود.

وأضاف إسماعيل أنه في ظل القصف "والعمليات العسكرية المستمرة بين الطرفين (القوات التركية وحزب العمال الكردستاني)، لا يمكن لمواطني بعض القرى العودة حتى الآن، خاصة في منطقتنا (دكار)، هناك أكثر من 15 قرية السكان غير قادرين على العودة لأن هذه القرى أصبحت خلف نقاط التفتيش التركية التي أقيمت في منطقتنا".

وقال مسؤول تركي لرويترز طالبا عدم نشر اسمه إن القوات التركية توغلت لمسافة تصل إلى 40 كيلومترا داخل العراق وأقامت أكثر من 30 "قاعدة مؤقتة".

ومن الصعب التحقق من المزاعم التركية المتكررة حول تحقيق مكاسب عسكرية في صراع يدور بعيدا عن الأضواء، لكن محللين ومسؤولا كرديا عراقيا يقولون إن الهجمات الجوية والبرية تتجاوز في مداها العمليات المعتادة التي تقوم بها أنقرة.

واستدعت بغداد السفير التركي الشهر الماضي لتقديم شكوى رسمية لكن سلطة الحكومة المركزية محدودة في المنطقة شبه المستقلة، فيما تلزم حكومة إقليم كردستان بشمال العراق الحذر خشية استعداء تركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي.