أحوال تركية
يونيو 10 2019

إلى أين تمضي تركيا في تصعيدها ضد القبارصة بالمتوسط؟

أنقرة – لماذ تواظب تركيا على التسبب بدفع الأجواء في منطقة بحر إيجة وشرق المتوسط إلى التوتر؟ لماذا تهدد القبارصة اليونانيين وتقوم بالتصعيد ضدهم بذرائع مختلفة؟ إلى أي حد تمضي حكومة أردوغان في تصعيدها في المتوسط وإيجة؟ هل أنقرة قادرة، ومستعدّة لتخوض حرباً في المتوسط أم أنّها تحاول تحسين شروطها التفاوضية؟ هل تكمل قيامها بأعمال الحفر والتنقيب قبال السواحل القبرصية، وتستمر بمحاولاتها لاستفزاز قبرص واليونان أم أنّ الضغوط الأوروبية والأميركية قد تردعها؟

إلى أية درجة يمكن لتركيا أن تواجه الحكومة القبرصية المعترف بها دوليا وتنازعها على الحقوق الخاصة بالتنقيب البحري عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط؟ هل يكون ملف التنقيب عن الغاز النفط في المتوسط وإيجة منفصلاً عن الملفات الشائكة العالقة بين تركيا من جهة، وقبرص ومن خلفها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جهة ثانية؟

أسئلة كثيرة يثيرها المراقبون للشؤون التركية فيما يخص الملف القبرصي، ذلك أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كثيراً ما أطلق ويطلق تصريحات تهديد ووعيد ضد القبارصة اليونانيين، وذلك بذريعة الدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك في الموارد الطبيعية والباطنية في المتوسط، وكان هدّد في العام الماضي بالتدخل العسكري ضد اليونان وقبرص في بحر إيجة والبحر المتوسط ما لم تتوقف الأولى عن انتهاك المياه الإقليمية التركية، والثانية عن أنشطة البحث والتنقيب عن النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط.

وقال في الأسبوع الماضي: "إن أبناء جلدتنا في شمال قبرص التركية لهم حقوق في شرق البحر المتوسط ولا يمكننا السماح لأحد بسلبها." وأكد أن بلاده تواصل أعمال التنقيب شرقي المتوسط، مشددا على أنهم لن يسمحوا لأحد بسلب حقوق جمهورية شمال قبرص التركية.

وقبل أيام قليلة أعرب وزير الدفاع اليوناني، إيفانجيلوس أبوستولاكيس عن قلقه إزاء الدور المزعزع للاستقرار الذي تضطلع به تركيا، وأوضح أن اليونان طلبت من تركيا احترام حقوق السيادة على جمهورية قبرص، والامتناع عن المزيد من الإجراءات أحادية الجانب التي تنتهك القانون الدولي وتقوض الاستقرار في المنطقة، مشيرا إلى زخم مقلق بدأ يتطور حول إعلانات أنقرة بشأن عمليات التنقيب غير الشرعية في المنطقة.

وتؤكد اليونان أن تصرفات تركيا في المنطقة، بما في ذلك المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، قد تؤدي إلى وقوع حالات طوارئ في المنطقة. وأرسلت تركيا يوم 4 مايو الماضي، سفينة الحفر والتنقيب فاتح، لتنفيذ أعمال التنقيب في المنطقة الاقتصادية المذكورة، ناهيك عن انتهاك الطائرات الحربية التركية، باستمرار للمجال الجوي لليونان.

وشكل إعلان جورج لاكوتريبس وزير الطاقة القبرصي أن قبرص ستحصل على 9,3 مليار دولار على مدى 18 عاماً بفضل استغلال حقل أفروديت للغاز، بموجب عقد أعيد التفاوض بشأنه مع شركات شل الهولندية البريطانية ونوبل الأميركية ودليك الإسرائيلية، ضربة لتركيا التي تعارض مثل هذه الخطوة.

غاز قبرص

وكانت قبرص مضت قدما في استكشاف موارد الطاقة البحرية على الرغم من انهيار المحادثات في عام 2017 مع الجانب القبرصي التركي لإنهاء الانقسام المستمر منذ عقود في الجزيرة التي تحتل تركيا قسمها الشمالي. وأثار الأمر غضب تركيا التي تنشر قوات فيها منذ عام 1974 عندما غزت واحتلت الثلث الشمالي رداً على انقلاب برعاية المجلس العسكري الحاكم حينها في اليونان.

ومطلع مايو الماضي، قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة القبرصية برودروموس برودرومو، إنّ جميع المتورطين في انتهاك المنطقة الاقتصادية الخاصة لقبرص "قد يحاكمون بالتأكيد من قبل العدالة الدولية"، حيث أصدرت قبرص بالفعل مذكرات اعتقال دولية بحق طاقم سفينة التنقيب التركية عن الغاز الطبيعي في "المنطقة الاقتصادية الخاصة" بنيقوسيا. وأعرب رئيس قبرص نيكوس أناستياسياديس عن رضاه حول استمرار تضامن أوروبا مع بلاده، مشيرًا إلى أنه يأمل في أن تمتنع تركيا عن أي استفزازات أخرى في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص لتجنب التدابير المتخذة ضدها.

وكانت تركيا قد أصدرت إشعاراً بحرياً، أعلنت فيه عن عزمها بدء التنقيب قبالة سواحل قبرص حتى الثالث من  سبتمبر. وتمركزت سفينة الحفر التركية فاتح على بعد 40 ميلاً بحرياً تقريباً إلى الغرب من شبه جزيرة أكاماس و 83 ميلاً بحرياً من السواحل التركية، وتقع المنطقة داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لجمهورية قبرص، بحسب وكالة الأنباء القبرصية.

وكان  الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ حيال إعلان تركيا نيتها القيام بأنشطة تنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقبرص، مؤكدا أنه سيرد بشكل ملائم على أي عمل غير قانوني لأنقرة. وذكرت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في تصريحات صحافية سابقة، أن المجلس الأوروبي ندد بشدة، بمواصلة تركيا أنشطتها غير القانونية في شرق البحر المتوسط. ودعت موغيريني أنقرة بإلحاح إلى ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والامتناع عن أي عمل غير قانوني. وشددت على أن "الاتحاد الأوروبي سيرد على أي عمل غير قانوني بشكل ملائم"، مؤكدة تضامن الكتلة الأوروبية الكامل مع قبرص.

وانضمت الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي في التعبيرعن القلق العميق بشأن خطط تركيا القيام بأعمال تنقيب بحرية في منطقة تطالب بها قبرص باعتبارها منطقتها الاقتصادية الخالصة، مما يزيد التوتر بين أنقرة وحلفائها الغربيين. وقالت مورغان أورتاغوس المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية "الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء نوايا تركيا المعلنة لبدء عمليات الحفر البحرية في منطقة تطالب بها جمهورية قبرص باعتبارها منطقتها الاقتصادية الخالصة".

ووجّه الاتحاد الأوروبي تحذيراً شديداً إلى تركيا وطالبها بعدم التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، وذلك في الوقت الذي طالبت بعض دول الاتحاد بفرض عقوبات على الشركات التركية. تزامن ذلك مع احتجاج اليونان لدى الأمم المتحدة من الممارسات التركية الاستفزازية في المتوسط، وتأكيدها أن المزاعم التركية في المتوسط، لا أساس لها من الصحة من الناحية القانونية وغير صحيحة واعتباطية. وقال دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي للصحفيين في سيبيو برومانيا، على هامش قمة أوروبية غير رسمية: "إن الاتحاد الأوروبي يقف متحدًا خلف قبرص، ويتوقع من تركيا احترام الحقوق السيادية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي".

والجزيرة التي تشهد منذ 1974، انقساما بين شطرين، تركي في الشمال، ويوناني في الجنوب، باتت تحظى بأهمية أكبر لتركيا بعد اكتشاف حقو الغاز والنفط قبالة سواحلها. وفي 2004، رفض القبارصة الروم خطة قدمتها الأمم المتحدة لتوحيد الشطرين، ثم استأنف الطرفان مفاوضاتهما في 2015، برعاية أمميةغير أن المفاوضات لم تثمر عن حل في نهاية مؤتمر قبرص، الذي استضافته سويسرا في يوليو الماضي. وتتركز المفاوضات حول 6 بنود أساسية هي: الاقتصاد، والاتحاد الأوروبي، والملكية، وتقاسم الإدارة، والأرض، والأمن والضمانات.