إلى أين يمضي النقاش حول الجناح السياسي لمنظمة غولن

مما لا شك فيه أن القضية الرئيسية التي تتصدر الرأي العام التركي في الأسابيع الأخيرة هي السياسة الخارجية التركية العالقة في إدلب. 

ولكن في خضم النقاشات المتعلقة بإدلب عاد إلى الساحة السياسية الداخلية نقاش قديم مرة أخرى. وذلك هو الاتهام المتبادل بين السلطة الحاكمة وبين المعارضة في محاولة اتهام كل منهما الطرف الآخر بكونه "الذراع السياسي لجماعة فتح الله غولن التي تتهمها الحكومة وتسميها "منظمة فتح الله الإرهابية".

وبما أن هذه الجماعة كانت تتمتع بانتشار واسع في المجتمع التركي بمؤسساتها التعليمية والإعلامية والمالية والمجتمعية فقد كان من الطبيعي أن توجد هناك علاقة بين أي مواطن عادي وبين إحدى هذه المؤسسات من دون أن يعني ذلك علاقة عضوية بمستوى الانتماء إلى الجماعة.

ولكن حكومة أردوغان، عندما شنّ الحرب على هذه الجماعة، لم تفرق بين مستوى العلاقة مع الجماعة وتعاملت مع كل من كانت له علاقة مَّا معها، على أنه متعاون مع الجماعة وأنه إرهابي أو داعم للإرهاب.

ولكن الغريب في الأمر هو أنه على الرغم من تضرر معظم الفئات الأخرى من اتهام العلاقة بالجماعة لم تمس الحكومةُ السياسيين من حزبها بسوء، في حين أن هؤلاء كانوا من أقرب الناس إلى هذه الجماعة وكانوا يشاركون في أنشطتها وفعالياتها المتعددة على مرأى ومسمع من الناس، مما يعني بالنسبة للمعارضة أن ذلك كيل بمكيالين.

وكانت هذه القضية قد أثيرت من قبل المعارضة لإحراج الحكومة بحجة أنها هي التي فتحت الأبواب أمام المنتمين إلى الجماعة لينخرطوا في جميع مؤسسات الدولة الهامة، وبالتالي فإنها تُشارك الجماعة التي تتهمها بالإرهاب وارتكاب فعاليات غير قانونية.

ولكن أصبحت هذه القضية طي النسيان إلى أن صرح رئيس الأركان العامة السابق إيلكر باشبوغ مساء يوم 29 يناير في لقاء تلفزيوني بأنه من غير الممكن العثور على الذراع السياسي للجماعة من دون تعاون الأطراف المختلفة، وأنهم كجنرالات الجيش قاموا في السابق بمبادرة للقضاء على الجماعة ولكن السياسيين حينذاك أنقذوها من أيديهم بالقيام بتشريعات برلمانية حالت دون ذلك.

 ولكن هذه التصريحات أثارت حفيظة أردوغان مما أدى به إلى أن ينتقد هذه التصريحات بنبرة شديدة اللهجة، في خطابه الأسبوعي أمام كتلة حزبه بصفته رئيس حزب العدالة والتنمية، وطلب من النواب فتح دعاوى قضائية ضد رئيس الأركان السابق بتهمة إساءته إلى البرلمان.

وبدوره دخل زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليجدار أوغلو على الخط وقال في خطابه أمام كتلته البرلمانية الذي يحتوي على "20 سؤالًا  و20 جوابا": إن المسؤولية السياسية هي على عاتق رجب طيب أردوغان بسبب أنه هو الذي لم يفعل ما يجب القيام به في الوقت المناسب.

وقد رد أردوغان على تصريحات كليجدار أوغلو بأن المسؤول السياسي عن هذا الكيان هو رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو منذ المؤامرة التي أدت إلى استقالة الرئيس السابق دنيز بايكال وتولي كليجدار أوغلو منصب رئاسة الحزب.. بالطبع، لم يهمل أن يقول: "وفريقه" ليضيف بعضَ النواب والمستشارين إلى قائمة المتَّهَمِين.

وكانت المرجعية التي استند إليها كليجدار أوغلو عندما حمَّل المسؤولية على عاتق أردوغان هي القرارات المتخَذة وغير المنفذة في اجتماع مجلس الأمن القومي في 25 أغسطس 2004؛ حيث تبنى المجلس الذي كان يضم جنرالات من الجيش قراراتٍ توصي باتخاذ التدابير اللازمة من أجل القضاء على نشاطات جماعة فتح الله غولن، ولكن الحكومة لم تضعها حيز التنفيذ. وقد سرد كليجدار أوغلو عدداً من الأمثلة التي توضح كيف كانت الجماعة وحزب العدالة والتنمية يعملان معا في تلك الحقبة.

ولا ينكر أحد من الأطراف أن الجماعة كانت تعمل تحت مرأى ومسمع من الدولة، ولكن الخلاف في المرحلة التي اعتُبرت الجماعة في عِداد المحظورين. ويسمُّون هذه البداية: "الميلاد".

فبينما اعتَبر كليجدار أوغلو الميلاد هو قرار مجلس الأمن في 2004، نلاحظ في جانب الحكومة من يضعون تواريخ مختلفة لهذه البداية؛ فمنهم من يرى البداية في تاريخ 7 فبراير 2012، حيث أعدت النيابة مذكرة بحق رئيس المخابرات بسبب مباحثاته الخفية مع أعضاء حزب العمال الكردستاني ويُعرف في الرأي العام التركي بـ"أزمة المخابرات". بينما هناك من يعتبر عام 2013 هي البداية؛ حيث بدأت أحداث "منتزه غيزي"، ومبادرة الحكومة بإغلاق المعاهد التعليمية التابعة للجماعة، وبدأت عمليات 17/25 ديسمبر التي تم فيها توجيه تهم إلى أعضاء بارزين من الحكومة بخصوص ملفات الفساد والرشوة.

ولكن المعروف في الأعراف القانونية العالمية أنه ليس هناك فصل بالتواريخ في الأمور الجنائية، فما يعتبره القانون جريمة فهو جريمة بغض النظر عن تاريخ ارتكابها، ولا يمكن للسياسيين على وجه الخصوص تغيير هذا الاسم وفقًا للظروف السياسية. ولن يجوز للسياسيين أن يسمحوا بتشكيل هيكل إداري مواز للدولة داخل هيكل الدولة. وللدولة الحق في محاربة مثل هذه الكيانات في إطار قانوني وحقوقي، فور عثورها عليها.

والسؤال الحاسم في هذا السياق هو: متى تم التنبه لمثل هذا الكيان وتجريمه؟

وبناء على هذا السؤال يمكن القول بأن البداية الواضحة هي 25 أغسطس 2004. وبالتالي فإن أي إهمال بعد هذا التاريخ يضع القائمين على إدارة البلاد تحت طائلة المسؤولية.

وبناء على ذلك فإن إلقاء اللائمة على رئيس المعارضة كمال كليجدار أوغلو بدلا من السلطة الحاكمة دعوى لا يستند إلى دليل.

والخلاصة هي أن غاية ما فعله حزب الشعب الجمهوري المعارضُ هو أنه بصفته حزبا معارضا قد انتقد الحكومة في إهمال أمرٍ كان يجب عليه القيام به.

وأما انتقاده للحكومة في القضايا التي تنتقدها الجماعة أيضا فلا يعني أنها تتعاون مع الجماعة سياسيا أيضا.

غاية ما في الأمر أن القضية لا تتجاوز أن تكون أمرا مرحليا، وأن طبيعة المرحلة هي التي جمعت أصوات المعارضة في صف واحد بما فيها الجماعة.

جدير بالذكر أن حزب العدالة والتنمية، وخاصة بعد عمليات 17/25 ديسمبر 2013، كان يتعرض لانتقادات لاذعة من قِبل الأحزاب الأخرى بمن فيهم حزب الحركة القومية التي دخلت معها في ائتلاف غير رسمي في هذه الأيام. 

وسواء سمينا هذا الكيان "جماعة" أو "حركة الخدمة" أو "منظمة إرهابية" فإن أسلوب السلطة السياسية وطُرقها في النضال معه كانت دائماً خاطئة، سواء قلنا إن بداية "الميلاد" لتجريم هذا الكيان كانت بتاريخ في 7 فبراير 2012، أو 17/25 ديسمبر 2013، أو محاولة الانقلاب الدموية في 15 يوليو 2016. حيث اتخذت السلطة السياسية، وخاصة بعد عمليات 17/25 ديسمبر 2013، خطواتٍ ضيَّقت بها مجالَ العمل السياسي، ورَبطت القضاءَ بالسلطة التنفيذية، وراعت في التوظيف الحزبيةَ بدلا من المهنية والجدارة. وبدلاً من الاستعانة بالمعارضة السياسية في الصراع مع هذا الكيان، نظرت إلى كل المعارضين على أنهم معادون لها لا منافسون.

واستمرت نفس الأخطاء بعد محاولة الانقلاب الدموية في 15 يوليو 2016 أيضًا.

والحال أن الهدف من الانقلابات لا ينحصر بالقضاء على السلطة السياسية فحسب، بل يشمل جميع القوى السياسية بشتى أصنافهم واتجاهاتهم.. وبدلاً من كفاح الحزب الحاكم الانقلابيين لوحده كان عليه أن يستعين بجميع القوى السياسية، بغض النظر عن المنافسة السياسية والمصالح الحزبية.

 ويجب أن لا ننسى أنه لا يمكن لأيِّ اتهام يتوخى مصلحة سياسية لجهة معينة أن يكشف الحقيقة التي "نسعى" إلى الكشف عنها. 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/feto/isbirligi-olmadan-siyasi-ayak-bulunmaz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.