أغسطس 09 2019

الى أين يسير التحالف بين الولايات المتحدة وتركيا؟

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نهاية الأسبوع الماضي مرة أخرى عن نيته الاستيلاء على شمال شرق سوريا قائلا: "دخلنا كلاًّ من عفرين وجرابلس والباب، والآن سندخل شرق الفرات. ولقد زودنا كلاًّ من الولايات المتحدة وروسيا بالمعلومات في هذا الصدد."

جاء تهديد أردوغان في أعقاب الزيارة التي أجراها كل من المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري والوفد العسكري الأميركي إلى تركيا لإجراء مباحثاب حول شمال شرق سوريا. تلك المفاوضات الأميركية العقيمة من الممكن أن تشجع تركيا على تنفيذ عملية صغيرة ومحدودة على طول الحدود السورية-التركية.

في الواقع أن مثل هذه العملية قد تكون ذات مغزى استراتيجي لأنقرة للسيطرة على كل من بلدة تل أبيض وكوباني الحدودية، والتي قاومت حصار داعش في عام 2015، ومهدت الطريق أمام التحالف بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية. وبعد الاستيلاء على هاتين المدينتين، قد تعود أنقرة إلى الولايات المتحدة لتطالبها بمزيدٍ من التنازلات، وتبعثَ رسائل مفادها أنها في حال رفض مطالبها قد تتوجه للاستيلاء على أراضٍ ومناطق أخرى في سوريا.

هذه العملية مع أنها لن تكون موسعة بقدر ما تهدِّد السلطات التركية، لكنها ستخلق ضغطًا على ‏واشنطن، ولو وضع ذلك تركيا في مواجهة خطر الهجمات المضادة التي ستشنّها قوات سوريا الديمقراطية على طول الحدود المشتركة. ومن المحتمل أنّ تصاعد التوتر بين بين الطرفين بهذا الشكل سيتسبب في تكثيف القوات التركية هجماتها المضادة، التي ستؤدي بدورها إلى دورة توتر عالية وزيادة الوجود العسكري التركي في المنطقة على نحو قد يهدد حتى القوات الأميركية.

بالرغم من أن أنقرة تلعب على هذا الخلل، غير أنه من غير الواضح ما إذا كانت تركيا قد وضعت خطة جادة قادرة على إدارة المنطقة التي تستضيف سكانًا تعتبرهم أعداء. ومع ذلك، إذا رأت أنقرة أن خياراتها قد انتهت حقا، واتخذت قرارًا استراتيجيًا بخفض علاقاتها مع واشنطن، فإنه من المنطقي أن تتحرك وفق ‏النية التي أعلنتها منذ زمن. وفي حالة إقدام أنقرة على ‏تنفيذ تهديداتها، فإن المصالح ‏الأميركية ستتعرض للضرر بأغلب الاحتمال، وأن إمكانيات واشنطن لمنع مثل هذه العملية محدودة للغاية.

ومع أن أنقرة تعطي الأولوية لعلاقاتها مع أميركا، إلا أن شكل العلاقة السائد بين الزعيمين التركي والأميركي لا يمنعها (أنقرة) من استخدام تهديد التدخل العسكري بغية الحصول على تنازلات أميركية، كما حدث قبل وضعها اللمسات الأخيرة على خارطة الطريق في منبج.

لذلك، إذا اختارت أنقرة التدخل العسكري في سوريا، فإن الجيش الأميركي لن يكون في وضع يسمح له بالحيلولة دونه، وسيكرر فقط السياسة الأميركية الخارجية التقليدية: سوف يدافع الجيش الأميركي عن نفسه فقط! وبطبيعة الحال فإنه بالتزامن مع توسع الوجود التركي في سوريا، ستزداد المخاطر التي يجب على أردوغان أن يضعها في حسبانه، بما في ذلك خطر قتل الأميركيين عن طريق الخطأ.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن دينامياتها مختلفة. فبالإضافة إلى المخاطر المنخفضة التي قد يتعرض لها أفراد الجيش الأميركي في ظل التدخل التركي، فإن الصعوبة الأكبر بالنسبة لها ستنتج حتمًا عن الهجمات الانتقامية التي قد تقدم عليها قوات سوريا الديمقراطية.

لم تعترف أنقرة أبدًا بأن احتضانها للمعارضة السورية، وفي الوقت ذاته سياستها المتمثلة في فتح الحدود على مصراعيها، قد ساهما في تطرّف المعارضة المناهضة لنظام الأسد، وتفاقم مشاكلها مع العناصر غير الكردية. والحقيقة الجلية بعد مضيّ سنين هي أنه على الرغم من الجهود المبذولة على مدار سنوات، ومليارات الدولارات من المساعدات، والإمدادات غير المحدودة تقريبا من الأسلحة الصغيرة، إلا أن المعارضة السورية المدعومة من قبل تركيا تعرضت للتفكّك، وظهر أنها غير كفؤ عسكريًّا، بالإضافة إلى قابليتها للاختراق بعمق من قبل الجماعات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة.

كان افتقار المعارضة السورية الشديد إلى الكفاءة العسكرية وتطرّفها، إلى جانب عوامل أخرى، يعني أن الجيش الأميركي لن يعمل أبدًا مع المجموعات التي تفضّلها أنقرة. تكشف هذه الديناميات للمعارضة السورية الفروق في تصورات التهديدات التي توجّه وتحدّد سياسة كل بلد وموقفه تجاه الحرب الأهلية في سوريا. حيث لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بهزيمة الجماعات الجهادية السنية العابرة للحدون عن طريق استخدام القوة العسكرية، بينما تبنّت أنقرة السياسة نفسها، لكن تجاه المجموعات التي تعتبرها حلفاء وامتدادات حزب العمال الكردستاني "الإرهابي" في نظرها.

ومع مرور الوقت بدأت هاتان لمجموعتان المتمردتان على النظام - القوميون الأكراد والجهاديون– تتصارعان في سوريا. ولكن ينبغي أن نؤكد حقيقة أن قوات سوريا الديمقراطية كانت الخيار الوحيد للقوات الأميركية من أجل وضع خطة حرب متماسكة، والعمل على مكافحة عناصر داعش المزوّدين بأسلحة عسكرية خفيفة، من دون دعم مباشر من نظام الأسد والدول المؤيدة له.

الدعم الروسي لبشار الأسد في غرب سوريا يضمن له الحفاظ على سيادته إزاء التدخل الأجنبي، في حين أن إيران تتمكن من النفوذ في عمق البلاد. لقد استطاعت طهران إحراز موقع قوي لها على الأراضي السورية في المستقبل المنظور بفضل دعمها لنظام الأسد في كفاحه ضد المعارضة. وهذه الحقيقة لن تتغير مهما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على السلطات الإيرانية. من أهمّ الأمور التي أظهرتها الحرب الأهلية السورية هو أن طهران عازمة على العمل لكي يخرج النظام السوري بأقل الخسائر من التدخل الأجنبي على أراضيه. لأن القيادة الإيرانية قررت أن بقاء الأسد على رأس النظام في سوريا مصلحة أمنية وطنية أساسية لها.

يجب على الولايات المتحدة التواصل مع كل من تركيا باعتبارها دولة حدودية مع سوريا ومنتشرة قواتها على أراضيها، وقوات سوريا الديمقراطية التي ضحّت بجيل من رجالها ونساءها لمحاربة الدولة الإسلامية، من أجل التوصل إلى صيغة توافقية في هذا الصدد. ولا بدّ أن يقوم هذا الجهد الأميركي على حقيقة أن النظام السوري سيبقى ليمكن إطلاق حوار فعال بين الأطراف المتصارعة، وضرورة مواجهة الأسد عواقب قتله الجماعي الشامل لشعبه.

في غياب حل وسط أوسع بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن شكل الدولة السورية في المستقبل، فإن المحادثات مع تركيا والأكراد ستتحول إلى أزمة جديدة في سوريا وستتواصل حلقة العلاقات الأميركية-التركية المفرغة المتمحورة حول "هل ستدخل أنقرة سوريا هذا الأسبوع أم لا؟".   

من أجل وضع حدٍّ لهذه الحلقة المفرغة يتعين على واشنطن أن تحدِّد الأمور التي هي مستعدة لمواجهتها في سوريا، وتدرك أن المفاوضات مع موسكو أمر لا مفر منه للتوصل إلى اتفاق أوسع، وتتخذ هذه الموازنة أساسًا لتنفيذ سياسةٍ تعمل على تقليل احتمالات الصدام التركي-الكردي من جانبٍ، وتسمح للقوات الأميركية بالخروج من المنطقة من جانب آخر.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye-abd/kriz-geliyor-suriye-ve-abd-turkiye-ittifakinin-sonu