إلى أيّ حدّ يصدّق الأتراك وعود أردوغان

غازي عنتاب - أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جملة من الوعود التي حاول، كعادته، من خلالها تهدئة مخاوف الأتراك المتفاقمة جرّاء الانهيار الاقتصادي المتسارع الذي يجتاح الاقتصاد التركي، والذي فقدت على إثره الليرة أكثر من 23 بالمئة من قيمتها هذا العام فقط.

ويستقبل الأتراك وعود أردوغان بشيء من اللامبالاة وعدم الاكتراث، وبمزيج من السخرية المشوبة بالحذر، ولاسيّما أنّه يقوم بالتنكيل بمعارضيه، ويلفّق لهم الاتّهامات بشتّى السبل، كما يقومون بالتشكيك بتعهّداته التي لا يستطيع الإيفاء بها، والتي يصفونها بأنّها تجارة إعلامية ودعاية سياسيّة لا غير، بحسب معارضين أتراك.

وفي سياق محاولات التغطية على الكارثة الاقتصادية التي تئنّ تحت وطأتها تركيا، والتعمية على وصول العملة التركية إلى قاع قياسيّ منخفض أمام الدولار، قال أردوغان إنّ اقتصاد بلاده سيواصل تحطيم الأرقام القياسية الجديدة كلما فقد وباء فيروس كورونا تأثيره وعادت الأمور إلى طبيعتها.

وأكمل أردوغان سيل الوعود التي ما عادت تقنع الشارع التركي الذي أصبح على دراية بالألاعيب السياسيّة والإعلامية والدعائية التي يمارسها أردوغان وحزبه الحاكم، ولم تقنعه إشارة أردوغان إلى أن اسم تركيا أصبح يتردد أكثر بين الشركات الدولة التي تبحث عن بديل لقواعد إنتاجها عقب الوباء.

وقال محللون إنّ أردوغان يواصل أسلوب التعمية والهروب إلى الأمام، بعيداً عن مواجهة الواقع، حيث يصرّ على الإنكار وادّعاء القوّة، وذلك تعليقاً على تأكيد أردوغان أنّ نجم تركيا يسطع بفضل إمكاناتها الصناعية وقدراتها الإنتاجية وقوتها العاملة المؤهلة وموقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية في الصحة والنقل، وتشديده على أنّ بلاده ستتجاوز مرحلة الوباء وهي تزداد قوة في كثير من المجالات وليس فقط السياحة العلاجية.

وبدا حديث أردوغان موجّهاً للداخل التركي المحبط جرّاء سياساته العدوانية في المنطقة والتي باتت تجرّ البلاد إلى أزمات متتالية وتورّطها في نزاعات طويلة الأمد، وفي حروب تستنزف الاقتصاد الذي يعاني أساساً من الخلل والتعثّر، ولم يجد كلامه عن أن الشركات التركية تحظى باحترام متزايد نظرًا لموثوقيتها ومنتجاتها ذات الجودة العالية وأسعارها التنافسية ومزاياها الجغرافية، أي صدى حقيقي لدى المستثمرين وفي الأسواق.

وبأسلوب استعراضيّ معهود لديه، كشف أردوغان أن قيمة المصانع التي تم افتتاحها هي 15 مليار ليرة تركية (الدولار=7.66 ليرة)، وستوفر فرص عمل مباشرة لنحو 45 ألف مواطن، ولأكثر من 100 ألف مواطن بطريقة غير مباشرة. وأردف مكملاً سيل الوعود الرنانة بالقول: "من المنتظر أن تساهم هذه المصانع في صادرات غازي عنتاب بأكثر من مليار دولار عندما تنتقل إلى الإنتاج بطاقة كاملة".

وحرص أردوغان على أن يبيّن أن مثل هذه المشاريع تظهر في نفس الوقت مدى ثقة المستثمرين بأنفسهم وأنهم ينظرون إلى المستقبل بأمل وحماس كبيرين، وذلك بالموازاة مع ادّعائه أن ما "تحتاجه البلاد في هذه الفترة الحرجة، هو هذا الحماس والديناميكية والمعنويات العالية"، وذلك في الوقت الذي تتّهمه المعارضة بالتسبّب بجرّ تركيا إلى الأزمات في الداخل والخارج.

ويحرص أردوغان كذلك على تصعيد سياسة التأميل، وبيع الأوهام للناخبين الذين يشكّكون بوعوده، عبر إعادته التأكيد على أنّ تركيا ستحقق النجاح في مجال السيارات والسيارات الطائرة على غرار نجاحاتها في صناعة الطائرات المسيرة، وذلك في كلمة له في كلمة له بمهرجان تكنوفيست 2020 لتكنولوجيا الطيران والفضاء، بولاية غازي عنتاب جنوبي تركيا.

ومع المبالغة في تعظيم أي إنجاز وإضافته إلى سلسلة إنجازاته، يلعب أردوغان على وتر العاطفة القومية للشباب الأتراك، ويقوم بشحذها وتأجيجها عبر التشديد على أن "أعظم رأس مال للتكنولوجيا هو العقول المنتجة"، وأنّ "تركيا تبوأت مكانة بين الدول القليلة في العالم على صعيد الطائرات المسيرة، ونؤمن بأننا سنحقق النجاح ذاته في مجال السيارات والسيارات الطائرة".

ولم يكتفِ أردوغان بإطلاق وعود بتحقيق إنجازات ومشاريع عملاقة في الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية والتي ستصادف سنة 2023، بل بالغ في الإيهام حيث بدأ الحديث عن رؤية طريق ازدهار البلاد وتحقيق رؤيتي 2053 و2071، وكأن ما وعد به قد تمّ تحقيقه، ولم يبقَ عليه إلّا الانتقال للمرحلة التالية المتمثلة بالبدء في تحقيق رؤية رؤيتي 2053 و2071.

وفي هذا السياق أكد أردوغان، بحسب الأناضول، أن حكومته تعمل بكامل طاقتها من أجل الارتقاء بتركيا إلى أهدافها لعام 2023، معربا عن ثقته بأن شباب المستقبل سيواصلون السير في طريق ازدهار البلاد وتحقيق رؤيتي 2053 و2071. وتسعى تركيا إلى تحقيق سلسلة من الأهداف بحلول عام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية الأولى لإعلان الجمهورية، ومن أبرزها الدخول في مصاف أكبر 10 قوى اقتصادية على مستوى العالم.

وبحسب مراقبين، فإنّ الرئيس التركي لا يوفّر أيّة فرصة لتضخيم إنجازاته وإظهار نفسه منقذ تركيا الحديث ومؤسسها المعاصر، في محاولة تبدو عبثية منه للحلول محلّ مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وتوجيه مسار تركيا إلى دروب عدوانية من شأنها التسبّب بشروخ على مختلف الأصعدة، من جهة بين أطياف المجتمع التركي الذي يعاني من الانقسامات والاستقطابات، ومن جهة ثانية بين تركيا ومحيطها الإقليمي الذي توتّر فيه الأجواء وتقلّل من شأن جيرانها وتعتدي على حدودهم وتتدخّل في شؤونهم بطريقة عدوانية.

ويعمل أردوغان على بلورة هوية تركية جديدة، تستقي ملامحها من الأوهام الإمبراطورية العثمانية، ومن قيم الجمهورية الحديثة التي رفعت لواء العلمانية للتقرب من الغرب، مع إضافة لمساته الشخصيّة وبصمته الخاصة التي تشوّه صورة تركيا ومكانتها في المنطقة والعالم، وتظهرها كدولة مارقة لا تحترم حدودها ولا تكترث بالأمن الإقليمي ولا بالسلم العالمي، ولا تلتزم بوعودها والتزاماتها الدولية والحقوقية، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.