إلى متى تمضي تركيا في سدّ الفراغ الإقليمي

ما مدى استعداد الولايات المتحدة للانفصال عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

اتخذت استراتيجية فك الارتباط التدريجي لواشنطن من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شكلاً جديدا مع استمرار ورود أنباء من فيينا بشأن استئناف المحادثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني.

وبدأت قوات الناتو أيضا انسحابا تدريجيا من أفغانستان بدءًا من الأول من مايو. ومن المتوقع أن يكتمل الانسحاب بحلول منتصف سبتمبر.

من ناحية أخرى ، تواصل واشنطن الضغط على الرياض لإنهاء الحرب الدموية في اليمن. بينما أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن بلاده ستحل المشاكل مع إيران دبلوماسياً. تم اتخاذ بعض الخطوات المحدودة في اتجاه مفاوضات دبلوماسية بين طهران والرياض.

وفي الوقت ذاته فإن واشنطن تحتفظ بموقف ثابت من الصراع في سوريا. لا تزال ملتزمة بوحدات حماية الشعب الكردي، وتستمر في استخدام شمال سوريا كمنطلق للضغط على إيران وروسيا وتركيا.

جميع الخطوات تبدو من وجهة نظر الكاتب طلحة كوش في ديلي صباح مترابطة بطريقة ما، وتعتمد إلى حد ما على العديد من العوامل الخارجية. لا نعرف بالضبط كيف سترد إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إذا قرر منافسوها أو أعداؤها أو نظرائها تصعيد التوترات مع واشنطن.

المناخ الحالي في المنطقة مختلف تماما عما كان عليه في عهد رئاسة دونالد ترامب. نجحت الجهود الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الحد من التوترات، خاصة مع طهران، ومع ذلك لم يتم التوصل إلى اختراق ملموس في أي ملف مهم.

اميركا

الإنسحاب الأميركي وعدم التورط في عدد من الساحات دفع أنقرة لإستغلال الفرصة وملء الفراغ

في ذات الوقت، تواصل واشنطن سياسة الضغط الدبلوماسي على أنقرة. وأثارت تصريحات بايدن، بما في ذلك قرار الإعتراف بإبادة الأرمن ، غضب أنقرة، لكن أردوغان التزم مجبراً بعدم تصعيد التوتر في واشنطن أكثر لأن ليس لديه أوراق يمكن أن يستخدمها ضد واشنطن وبسبب الوضع الاقتصادي الهش الذي لا يتحمّل أية هزة كبيرة.

قلة قليلة في أنقرة تتوقع انفراجة دبلوماسية مع واشنطن بين أردوغان وبايدن.

قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار المأزق الحالي مع بعض التحسينات التجميلية.

لا تزال واشنطن ملتزمة بتعقب سياسات انقرة الخاطئة، في حين أن أنقرة غاضبة من استمرار دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردي التي تراها واشنطق حلقة مهمة في توازن القوى في سوريا. لا يمكن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق وسياسة التجنب والتأجيل بين أنقرة وواشنطن إلا لفترة قصيرة.

واقعيّا ومن وجهة النطر الأميركية، أن تركيا ظلت حت الآن تتّبع سياسة ملء الفراغ مستغلة انكماش الولايات المتحدة وعدم وجود حضور فاعل لها في المحيط الاقليمي لتركيا مما جعلها تتمدد في البحر المتوسط وسوريا وليبيا وصولا الى العراق.

على مدى العقد الماضي، كانت العلاقات بين أنقرة وحلفائها الغربيين التقليديين متوترة للغاية لدرجة أن الطلاق من المنظومة الغربية لم يكن قط خيارا غير واقعي بل انه واقعي تماما وهو نتيجة حتمية لسوء سلوك تركيا وحكومتها وكذلك كانت هنالك اخطاء من جانب الغرب، تلك هي وجهة نظر انتوني كوليسون التي نشرها في موقع ايمينترا.

تركيا هي دولة من دول مجموعة العشرين. لديها ثاني أكبر جيش في الناتو. صناعتها الدفاعية سريعة النمو تتخطى الحدود الوطنية. تقع شبكتها الواسعة من البعثات الدبلوماسية بعد ألمانيا مباشرة وهي سادس أكبر شبكة في العالم، مع برامج مهمة في البلدان المحتاجة مثل أفغانستان والصومال، تلك هي الصورة التي تتفاخر بها تركيا امام العالم مع انه تراكم عمل وكفاح الشعب التركي منذ قيام الجمهورية.

بايدن

سياسة بايدن تجاه تركيا استوجبت الخطوة الأولى بالإعتراف بإبادة الأرمن وقد تليها خطوات وعقوبات أشد

الحاصل أن اردوغان وحكومته كانت تراهن على المصالح الأميركية في العلاقات مع تركيا، ولا سيما العلاقات العسكرية والأمنية، كان لهذه التحذيرات التركية وزنها. إلى جانب ذلك، حافظت الولايات المتحدة لعقود على تحالفها الوثيق مع تركيا على الرغم من النزعة الاستبدادية للبلاد، بما في ذلك نمط الحكم العسكري. لم تكن الولايات المتحدة تحب ذلك كثيرا ولكنها تعلمت التعايش معها.

يتساءل المرء كيف يمكن للولايات المتحدة أن "توضح" لتركيا أنها في وضع يمكنها من جعل هذا الاندماج ممكناً؟ هذا ما قصده بايدن: لن يسمح الأتراك بحدوث هذا الاندماج ويجب أن نجعل الأتراك يفهمون بوضوح أن لدينا طريقة لتحقيق ذلك.

كيف سيفعل بايدن ذلك؟ هناك بعض الأدلة حول هذا الموضوع في جلسة الأسئلة والأجوبة الخاصة به في نيويورك تايمز: أنه يتعين على الرئيس رجب طيب أردوغان أن يدفع الثمن. وهو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستمر في بيع أسلحة معينة لتركيا أم لا.

لكن بايدن كان لديه خطة أفضل:

"نحن ... نشارك بشكل أكثر مباشرة ... وندعم تلك العناصر من القيادة التركية ... ونشجعهم على أن يكونوا قادرين على مواجهة أردوغان وهزيمته."

لماذا يرغب بايدن في "هزيمة" أردوغان؟

سياسات اردوغان في ملء الفراغ بطريقة انتهازية هي واحدة من اسباب الغضب الأميركي ولهذا لابد من ملاحقة اردوغان بالضغوطات الدبلوماسية والعقوبات الرادعة وهو الأداة الوحيدة التي تصفعه.