اليأس يحاصر المواطن التركي في ظلّ حكم العدالة والتنمية

إن الإحساس باليأس والعجز هما أسوأ شيء يمكن أن يشعر به الإنسان في هذه الدنيا... لأنه يشعر حينها بأن يديه مغلولتان، لا يقدر على شيء في أي من أموره، كما أن عجز الإنسان عن إدراك ما يجب عليه فعله أو القيام به إزاء موضوع بعينه يُفقده هويته، ويقذف به في دوامة نفسية من التخبط.

إن السجين، على سبيل المثال، لا يحتمل أن تُنزع منه حريته، وأن يُلقى به خلف القضبان. لا أحد يطيق أن يُحرم من الأرض واللون الأخضر والأزرق. لا أحد يطيق أن يُحرم من الربيع والحرية. لا يمكن لأحد أن يتحمل، أينما كان، فراق أحبائه وعائلته وأصدقائه... كما تعلمون، هناك أبعاد أخرى للحياة، حتى لو كنت ممن أُلقي بهم خلف القضبان.

تعلمون أن الناس يعيشون جميعاً تحت قبة سماء واحدة، وأن كل يوم يولد، هو يوم جديد يُضاف إلى أيام دوامة الزمان الأسير، حتى وإن بدت لنا الأيام بأنها تموت أو تكرر نفسها، ولا تأتي بجديد، ولكن كما قال الشاعر التركي ناظم حكمت "يكفي أننا لا نزال نحتفظ بتلك الجوهرة النابضة في الجهة اليسرى من صدورنا". 

لا يمكن لأحد أن يتحمل الحياة داخل السجن، ولكن هناك من الرجال من يتحملونها مع قسوتها، ولكن الشيء الصعب حقاً هو الشعور باليأس والعجز إزاء مواقف من قبيل أن ترى عائلتك عاجزة عن توفير قوت يومها في الخارج، وأنت مكبل الأيدي بالداخل، لا تقدر على فعل شيء لأجلهم، أو أن تمرض زوجتك أو صديقك أو طفلك، وليس لهم أحد يهتم بأمرهم غيرك. من الصعب كذلك أن ترى أحدهم يهذي باسم طفله، أو ينادي عليه دون وعي منه قائلاً "أين أنت؟".

من الصعب على الإنسان أن يهجر أحباءه الذين رافقهم طيلة حياته، وأن يمحوهم من قلبه.. لا يقل لي أحد إنه أمر طارئ وسيمرّ، هو بالطبع سيمرّ، ولكن بعد أن يدمّرك، ويحوّلك إلى حطام.

قد يتحمّل الإنسان أن يصبح عاطلاً عن العمل. قد يتحمل كذلك البقاء جائعًا في العراء؛ لأنه قد يتدبر أمره في النهاية، ويجد المال اللازم لشراء الخبز بأية وسيلة كانت. أقصد أنك ستجد أمامك احتمالات تختار من بينها في موقف كهذا. سيجد كل واحد منا ما سيدفعه للعمل و"الكفاح". وقد يبقيك أملك في بلوغ النجاح، والبدء من جديد، على قيد الحياة. قد تجد من يمدّ لك يد العون، سواء أكانت زوجتك أو صديقك أو عائلتك، خلال هذه الفترة الصعبة من حياتك، وبالتالي يمكنك حينها أن تتحمل، وأن تتخطى هذه الأزمة.  

إذن فالإنسان قد يتحمل القعود عن العمل، وما يترتب عليه من فقر وبؤس... ولكني  أعاود القول إن اليأس والإحساس بالعجز هما أسوأ شيء يصعب على الإنسان تحمله؛ لأن الإنسان إن لم توجد أمامه خيارات يختار من بينها، فإنه، لامحالة، سيفقد الأمل، وسيشعر بالعجز وعدم القدرة على مواصلة حياته، أو حتى البدء من الجديد. وهو أمر صعب كذلك على الأشخاص الذين يعتمدون على وجودك بشكل أساسي في حياتهم. وأقصد بهذا أسرتك وأطفالك الذين ظلوا يضعونك نصب أعينهم في صورة "البطل" حتى ذلك اليوم... اللعنة، إنه أمر صعب حقًا... لا يقل لي أحد هذه المرة أيضاً إنه أمر طارئ وسيمرّ؛ لأنني سأعيد عليه قولي كذلك، إنه بالطبع سيمر، ولكن بعد أن يدمّرك، ويحوّلك إلى حطام. 

اليأس والعجز هما أسوأ حالة قد يعيشها الإنسان.. لأن يديه تصبحان مغلولتين عن فعل أي شيء، كما أن عجز الإنسان عن إدراك ما يجب عليه فعله أو القيام به إزاء موضوع بعينه يُفقده هويته، ويقذف به في دوامة نفسية من التخبط.

يشغلني التفكير منذ أيام في الأخبار التي تواردت حول حالات الانتحار الجماعي التي وقعت الأسبوع الماضي في كل من إسطنبول وأنطاليا؛ إذ فقد أربعة أخوة، في منتصف العمر، يعيشون في حي "فاتح" بإسطنبول، حياتهم عقب تناولهم مادة "السيانيد" الكيمياوية السامة. ولم يكد يمر سوى أسبوع واحد على هذه الحادثة، حتى هز تركيا مرة أخرى خبر مماثل عن انتحار عائلة مكونة من أربعة أفراد في أنطاليا، بينهم طفلان... في أنطاليا... كانوا فقراء، غارقين في الديون. كانوا عاطلين عن العمل. كان بينهم طفلان. 

لم تفلح تلك الأحداث، التي ينبغي أن تدفع الجميع، بدافع الإحساس بالمسؤولية، إلى التفكير  العميق، في إيقاظ ضمير البعض الآخر. 

يبدو أننا فقدنا القدرة على تقدير الأمور أو الشعور بالحيرة إزاء مثل هذه الأحداث. وجدتُ، كسائر أصحاب الضمائر اليقظة، أننا فقدنا بالفعل الإحساس بهول مثل هذه الأحداث، أو حتى وضعها في نصابها الصحيح. 

لقد نظر البعض إلى هذا الحادث باعتباره "حادث غريب" عن المجتمع التركي، وكأننا كنا نعيش حياة سعيدة هانئة تحت حكم العدالة والتنمية، ثم صادفتنا هذه الأخبار، أو كأن حالات الانتحار هذه لعبة جديدة لأولئك الذين أرادوا وضع حكومتنا، التي تدير البلاد بشكل يحسدنا عليه الآخرون، في موقف صعب.

أعتقد أنه لا مجال "لتجميل" حوادث الموت باختلاف أسبابه، سواء أكان عن طريق الانتحار أم بغير ذلك. عار علينا أن نقول ذلك..  سنظل نحمل مذلة النطق بهذه الكلمات وعاره. 

ماذا عسانا أن نفعل أمام طيش أصحاب السلطة ولامبالاتهم إزاء حالات الوفيات تلك، في الوقت الذي كان يتعين عليهم إمعان التفكير في دوافعها؟ ماذا سنقول لبعض أفراد المجتمع الواعي الذي نحن جزء منه؟

يقول أهل الأناضول في مثل هذه الأحوال "رب لا تذر أياً من أعدائي". أنا هنا لأُذَكِّر فقط كل مَن على ضمائرهم غشاوة بأنّ اليأس والشعور بالعجز هما أسوأ حال قد يعيشه الإنسان. 

ما وددتُ قوله إنه يتعين علينا مواجهة هذا اليأس القاتل من خلال التمسك بإنسانيتنا؛ لأن الأمل، على الرغم من كل شيء، سيظل، على حد قول الشاعر ناظم حكمت، الشيء الذي ربما لم نعشه بعد في خضم الحياة التي نعيشها، وسنظل نطمح إليه.

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahval.me/tr/guncel/en-kotusu-caresizliktir-insan-hallerinin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.