اليمين المُتطرف يقترب من رئاسة فرنسا أكثر من أيّ وقت مضى

باريس – قالت صحيفة "ليبراسيون" إنّ الرادع الأخلاقي، الذي حال حتى الآن دون وصول اليمين المتطرف إلى الاليزيه، لم يعد ناجعا" متسائلة عن "سبل منع تحقيق هذا السيناريو الكارثي".
واعتبرت الصحيفة الفرنسية في عددها الصادر اليوم أنّ " مارين لوبان باتت قاب قوسين وأدنى من قصر الاليزيه"، وذلك استنادا إلى مذكرة أصدرتها "مؤسسة جان جوريس" اليسارية، اعتبرت فيها أنّ "خطر فوز زعيمة اليمين المتطرف برئاسة فرنسا لم يعد مستبعدا، قبل عام من موعد الانتخابات الرئاسية"، المتوقع أن يتواجه خلالها الرئيس ماكرون مع مارين لوبن في الدورة الثانية تماما كما جرى عام 2017 لكن مع فارق بسيط وهو أن 89% ممن انتخبوا مرشحة اليمين المتطرف في الدورة الأولى مستعدون لإعادة انتخابها، مقابل %71 من ناخبي ايمانويل ماكرون.
كانت زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا قدّمت في مارس رؤية حزبها "الجبهة الوطنية" لمحاربة الإسلام السياسي، في الوقت الذي تستهل فيه حملتها لانتخابات الرئاسة، مؤكدة أن هذا المشروع سيكون مضادا لقانون حماية مبادئ الجمهورية الفرنسية الذي بدأ البرلمان مناقشته بطلب من ماكرون، والذي ترى أنّه غير كافٍ.
وكان ماكرون حذّر في ذات الوقت من "محاولات تدخل" من جانب تركيا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة التي ستجرى في 2022. وقال في إطار فيلم وثائقي بثته قناة التلفزيون الفرنسية "فرانس 5" خلال برنامج "سي-دان لير" حول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "بالتأكيد. ستكون هناك محاولات للتدخل في الانتخابات المقبلة. هذا مكتوب والتهديدات ليست مبطنة".
وفي إشارة إلى الجدل الحاد حول مسألة الدين الذي أثير بعد خطابه الخريف الماضي عن "الانفصالية الإسلامية"، انتقد الرئيس الفرنسي ما اعتبره "سياسة أكاذيب تتبعها الدولة التركية وتنقلها وسائل الإعلام التي تسيطر عليها"، وكذلك "من قبل بعض القنوات الكبرى التي تسيطر عليها قطر".
ويرى مراقبون، أنّ أردوغان، وانعكاساً لسياساته الدينية والقومية التحريضية التي دأب على اتباعها لأغراض سياسية وانتخابية بحتة، لم يُساهم في تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا في الاتحاد الأوروبي وحسب، بل وساهم في تعزيز حظوظ اليمين المتطرف في الوصول للحكم في عدد من الدول، وبشكل خاص في فرنسا.
وفي حين يقول أردوغان "إنّ الوقت قد حان لقول كفى للإسلاموفوبيا"، فقد أدّت استفزازاته للغرب نحو نتيجة معاكسة، تلك الاستفزازات التي بلغت ذروتها بتحويل متحف آيا صوفيا (الكنيسة السابقة) في إسطنبول إلى مسجد يوليو الماضي، بينما العاصمة الاقتصادية للبلاد ليست بحاجة لمزيد من الرموز الدينية بقدر ما هي تترقب أداءً اقتصادياً متطوراً، وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى الرأي العام في فرنسا.
كما وحاول الرئيس التركي العام الماضي استثمار أزمة الرسوم الكاريكاتورية في فرنسا لصالحه، وذلك في إطار عشقه للزعامة الإسلامية وسعياً في ذات الوقت لحرف الأنظار عن المقاطعة الاقتصادية العربية لبلاده، وتحويلها لمقاطعة إسلامية لفرنسا.
وفشل حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، والذي يقوده أردوغان، على مدى الأعوام الأخيرة بشكل خاص، في جعل تركياً أنموذجاً للبلد الإسلامي الديموقراطي الذي يحظى بتقدير وإعجاب المُجتمع الدولي، بل على العكس شهدت البلاد انتهاكات في مجال الحريات وحقوق الإنسان واعتقالات لرموز المجتمع المدني لا مثيل لها، وتدخلت أنقرة عسكرياً في عدد كبير من الدول على نحوٍ غير مسبوق منذ انهيار الدولة العثمانية، مُرتكبة في تلك الدول بشكل مباشر وعبر فصائل مسلحة إرهابية تابعة لها، كل ما يرقى لتصنيفه احتلالاً بكل معنى الكلمة، وذلك فضلاً عن تحريض الجاليات المسلمة في عدد من دول الاتحاد الأوروبي بشكل خاص، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، على رفض الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، والاتجاه نحو الانفصال التام عن البلد الذي منحهم جنسيته وحقوقهم التي لم يحصلوا على مثلها في بلدانهم الأصلية.
وقد شكّلت كل هذه السياسات العدوانية الداخلية والخارجية ذريعة لليمين المتطرف في أوروبا لأن يُخاطبوا شعوبهم بالقول "انظروا، هذا هو الإسلام"، وهذا ما لوحظ بشكل خاص في فرنسا، إذ بات حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، مُنافساً حقيقياً للمرّة الأولى في انتخابات الرئاسة الفرنسية العام القادم 2022.
ولئن كان مُفاجئاً في العام 2017 وصول لوبان للمرحلة الثانية من الانتخابات بفارق بسيط خلف الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، وهو ما حفّز الغالبية العظمى من الفرنسيين للتصويت بكثافة لماكرون ضدّ زعيمة اليمين الفرنسي في الدورة الثانية ليتسع الفارق بشدّة، لا يبدو أنّ هذا السيناريو سوف يتكرر بحرفيته في الانتخابات القادمة، إذ ترى بعض الصحف الفرنسية أنّ لوبان باتت مرشحة فعلية للرئاسة ودخول الاليزيه، وأنّ المنافسة بدأت لكن عن بعد.