عام مروّع لتركيا.. أزمة عميقة وفُرص ضائعة

مرّ عام 2019 سريعاً، تاركاً وراءه ضباباً كثيفاً لتركيا ومواطنيها، الذين يعانون من الأزمات. وسيظل التاريخ يذكر ذلك العام المنصرم، وكيف كان مليئاً بالأزمات الكبيرة الممنهجة، وانهيار مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وانهيار منظومة العدالة، واضطهاد المعارضين على نطاق واسع، وحملة لا هوادة فيها على الحركة السياسية الكردية، وعسكرة السياسة الخارجية للبلاد.

سيذكر التاريخ أيضاً أن ذلك العام كان عام تفويت كتلة المعارضة الرئيسة الفرصةَ الذهبية لنسف الأرضية التي يقف عليها تحالف الرئيس رجب طيّب أردوغان الإسلامي القومي، وبناء جبهة ديمقراطية جديدة.

وفي الوقت الذي تعاني فيه الأسر من الأزمة الاقتصادية في أنحاء البلاد، ارتفعت معدلات البطالة، بينما تباطأ النمو – وبالنسبة لمن يعارضون بشدة الطريقة التي يدير بها أردوغان تركيا، فقد كانت في النصف الأول من عام 2019 بارقة أمل يتزايد يوماً بعد يوم. كانت الانتخابات المحلية، التي أُجريت في 31 مارس، هي الاختبار الحقيقي؛ فأحزاب المعارضة، التي جرت العادة على أن تكون منقسمة، اتّحدت كما لم تتحد من قبل، وزاد الأمل عندما طلب حزب الشعوب الديمقراطي – الموالي للأكراد – من مؤيديه التصويت بشكل تكتيكي ودعم تكتل المعارضة. وقد نجح ذلك التكتيك، وأُجبر أردوغان على تجرع مرارة الهزيمة، حيث فقد السيطرة على ست مدن كبرى.

فاقم الخسارة نزيفُ التأييد من داخل حزب أردوغان؛ فقد صارت حالة السخط على القصر الرئاسي على الملأ، عندما انشق وزيرا أردوغان السابقان علي باباجان وأحمد داوود أوغلو عن الحزب الحاكم ليؤسس كل منهما حزبه.

لكن النصر الذي حققه تكتل المعارضة، والذي توّجَه فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول، ما لبث أن بدأ يتبدد. وتبيّن مدى عدم رغبة أحزاب المعارضة الرئيسة في تركيا في التواصل مع حزب الشعوب الديمقراطي ونكرانها لجميل الحزب الذي دعمها في الانتخابات.

وأطلق أردوغان، ذاك السياسي العنيد، حملةً واسعةً على رؤساء البلديات والمستشارين الأكراد المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي. وقد نجح في مساعي إحداث انقسام في صفوف معارضيه؛ فلا حزب المعارضة الرئيس – حزب الشعب الجمهوري – ولا الحزب الصالح القومي المُعارض، كانا راغبين في الذود عن حزب الشعوب الديمقراطي، واكتفى كلاهما بالوقوف في مقاعد المتفرجين دون أي إيجابية، بينما كان أردوغان وجهازه الأمني يحاولان كسر الحركة السياسية الكردية.

وبعد أن دق إسفيناً بين كتلة المعارضة والأكراد، مضى أردوغان أكثر في مقامرته السياسية. فمع تلاشي منافسيه، بدأ الرئيس غزواً عسكرياً في شمالي سوريا، ووقف يشاهد جبهة المعارضة وهي تدعمه في ذلك الغزو.

قد لا يكون التهديد الذي كانت تشكله المعارضة تم القضاء عليه تماماً، لكنه – على الأقل – قد تأجل إلى أجل غير مسمى.

هيمنت توجهات أردوغان الخطيرة في السياسة الخارجية على النصف الثاني من عام 2019، واكتست تلك التوجهات أكثر فأكثر بالمتطامع والعسكرة. وبدأت تركيا سلسلة من التحركات في شرقي المتوسط وليبيا، مستغلة الضعف والفراغ المتزايد نتيجة لحالة الفوضى على الساحة الدولية، فانطلقت تستعرض عضلاتها في ظل وضع يراه أردوغان فرصة عظيمة لكي تستعيد تركيا "التي في مخيّلته" مكانتها الحقيقية في العالم.

وتنطلق تركيا في 2020 في طريق أكثر وعورة وخطورة؛ فالسياسات الداخلية صارت أحادية، والأزمة الاقتصادية تتفاقم، والفساد ينتشر، الموارد الطبيعية تُنهَب، والمغالاة في القومية تتزايد، ومؤسسات الدولة أُضعفت.

لقد صارت تركيا دولةً مارقة، يقودها رئيس غريب الأطوار، وباتت الأزمة التركية تُنذر بمزيد من التعقيدات في ظل عدم وضوح الرؤية في الأفق أمام المواطنين العاديين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey/turkeys-annus-horribilis-deepening-crisis-lost-opportunities
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.