أمن أردوغان القومي: عثمانية جديدة وإبادة عرقية

يكاد لا يتوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استخدام مصطلح "الأمن القومي" لبلاده وحمايته، خلال معظم تصريحاته وخطاباته ومقابلاته مع مختلف وسائل الإعلام، في محاولة منه لتبرير تواجد قواته في الخارج والتي تحتل فعلياً أجزاء من سوريا والعراق وليبيا وقبرص وحتى تلك التي تتواجد في قطر والصومال وغيرها من دول الشرق الأوسط.

و"الأمن القومي"، مفهوم يطبّق عادة من قبل الحكومة والبرلمان لحماية الدولة ومؤسساتها بطرقٍ سياسية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية وغيرها من الوسائل المتوفّرة لديها، ويُستخدم غالباً كغطاء لمكافحة الفساد والإرهاب ولحفظ أمن الحدود. لكن ما يعبّر عنه الرئيس التركي في كلّ حين مختلف وبعيد عن المعنى الحقيقي للأمن القومي ومجهولٌ إلى الآن بالنسبة لكثيرين.

في البداية، تحوّلت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت منتصف مارس 2011 في سوريا، الجارة الجنوبية لتركيا إلى حربٍ أهلية طاحنة وعلى إثرها وقعت مساحاتٍ جغرافية شاسعة على الحدود السورية ـ التركية تحت سيطرة تنظيماتٍ إرهابية كالقاعدة و"داعش" وأخواتهما. وكان هذا الأمر قد تكرر سابقاً في العراق عندما وقعت مساحاتٍ جغرافية كبيرة تحت سيطرة مقاتلين متشددين وكانوا يتواجدون أيضاً على الحدود العراقية ـ التركية، ورغم ذلك، لم يتحرّك الجيش التركي طيلة تلك السنوات التي كان يسيطر فيها عناصر القاعدة و"داعش" على مدنٍ وبلداتٍ سورية وأخرى عراقية تقع على الحدود مع بلاده. حتى أن أنقرة كانت آخر دولةٍ تنضم للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم "داعش" وخاضت حرباً واحدة ضده في مدينة جرابلس السورية منتصف العام 2016 وكذلك في مدينة الباب القريبة منها، لكن وسائل إعلامها لم تنشر صوراً وفيديوهات لجهاديين وقعوا في الأسر كما فعلت "قوات سوريا الديمقراطية" وكذلك قوات البيشمّركة، الشريكين المحليين للتحالف الدولي في سوريا وإقليم كُردستان العراق.

إن عدم وجود أي أدلة ملمّوسة لدى أنقرة تؤكد فيها محاربتها للمتشددين يضعها في موضع شكّ حول نيتها الفعلية في محاربة الإرهاب، خاصة وأن تقارير إعلامية عديدة كشفت قبل سنوات تقديمها دعماً عسكرياً ولوجستياً للجهاديين في سوريا. وعلى خلفية ذلك اعتقلت عشرات الصحافيين في جريدة "جمهورييت" وهو أمر أرغم رئيس تحريرها السابق جان دوندار إلى الفرار من البلاد بعد ملاحقته قضائياً ومحاولة اغتياله.

كذلك نشرت "قوات سوريا الديمقراطية" صوراً لجوازات سفر المقاتلين الأجانب في صفوف "داعش" والذين وقعوا في الأسر لديها. وكانت لا تخلو معظم صفحات تلك الجوازات من أختامٍ تركية تؤكد دخول أصحابها إلى سوريا من معابرِ تركيا تحت أعين استخبارات الأخيرة. وهذا ما يؤكد أن الجهاديون المتطرّفون المنتمين إلى القاعدة و"داعش" لا يشكلون خطراً على تركيا و"أمنها القومي" الّذي يتخوّف عليه أردوغان، فقد كانوا كلهم على الحدود مع تركيا لسنوات وتعاونوا معها وكان بعضهم يختبئ في مدنٍ سورية تخضع لسيطرة أنقرة كما هي الحال لدى أبو بكر البغدادي زعيم "داعش" الذي قُتل نهاية العام الماضي، على بعدِ مئات الأمتار من حرس الحدود التركي.

لذلك ما يقصده أردوغان بـ "الأمن القومي" يترجم فعلياً على أرض الواقع بإبادة الأكراد وأقلياتٍ أخرى في سوريا والعراق، وقد استخدمت أنقرة منذ احتلالها لمدينة عفرين الكردية السورية أوائل العام 2018، جهاديين من القاعدة و"داعش" قاتلوا كتفاً إلى كتف مع الجيش التركي وارتكبوا الفظائع بحق السكان الأصليين في هذه المدينة وأريافها ومارسوا فيها التطهير العرقي. وتكرر هذا الأمر في اكتوبر 2019 مع احتلال الجيش التركي لمدينتي تل أبيض ورأس العين الواقعتين شمال شرق سوريا. وقد أعدم المؤيدين له من المتطرّفين السوريين، عشرات المدنيين من سكان المنطقة وتمّت تصفيتهم ميدانياً رمياً بالرصاص كما حصل مع السياسية الكردية هفرين خلف، وبعدها صوّروا الحادثة بأنفسهم ونشروا الفيديو لاحقاً على مواقع التواصل الاجتماعي للتفاخر بجريمتهم.

والغريب في مصطلح "الأمن القومي" الّذي يذكّرنا به أردوغان باستمرار هو أن السكان الأصليين في شمال سوريا لم يطلقوا رصاصة واحدة باتجاه تركيا، وكذلك لم تفعل "قوات سوريا الديمقراطية" التي تطالب بالحوار والتفاوض مع كل أطراف النزاع في بلادها بما في ذلك أنقرة. ومع ذلك احتل الجيش التركي هذه المناطق السورية وطرد منها سكانها الأصليين واستهدف بالدرجة الأولى الأكراد ومن ثم الأقليات المسيحية كالسريان والأرمن. ومن ثم أخيراً، المكون العربي تحت ذريعة "التجسس" لصالح "قوات سوريا الديمقراطية".

وبحسب مسؤول "أرمن الشتات"، فقد هُجر من شرق سوريا نحو 3 آلاف عائلة أرمنية من بيوتهم في اكتوبر العام الماضي، مع إطلاق أنقرة لعملية عسكرية ضد المقاتلين الأكراد وحلفائهم المحليين تحت اسم "نبع السلام". ومُنِعوا هؤلاء لاحقاً من العودة إلى ديارهم.

كما تواصل أنقرة، التغيير الديمغرافي في تلك المناطق وصولاً إلى عفرين وإدلب شمال غرب سوريا، مع فرض سياسة "التتريك" من خلال افتتاح المدارس والجامعات التركية والمستشفيات وفروع البنوك وتداول الليرة التركية داخل الأراضي السورية، بالإضافة إلى تشكيل أحزابٍ وجماعات مسلّحة تؤيد أردوغان وتقاتل لأجله في ليبيا وأذربيجان أخيراً.

وبالتوازي مع الاحتلال التركي لهذه المناطق، تكرر أنقرة الخطة ذاتها في العراق، حيث أدت العمليات المتواصلة للجيش التركي داخل العراق وكُردستانها إلى تهجير السكان من مئات القرى والبلدات الواقعة على الحدود مع تركيا ومعظمهم من الأكراد والسريان. وهو مخطط يحظى بتأييد جماعاتٍ عراقية من التركمان تُشبه "الائتلاف السوري" المعارض الذي وافق على كل المشاريع التركية في سوريا.

وإلى جانب العراق وسوريا، تمكن الجيش التركي من الدخول إلى الأراضي الليبية مطلع العام الحالي، نتيجة تواطؤ المليشيات التي تقودها حكومة فايز السرّاج مع أردوغان الذي سعى جاهداً وبكل امكانياته السياسية والعسكرية المتاحة لفرض تلك الحكومة كسلطة شرعية في ليبيا على غرار ما جرى في شمال قبرص قبل عقود. ويسعى أردوغان من خلال هذا التواجد إلى استفزاز دول الجوار الليبي خاصة مصر التي هُزم فيها حلفاؤه من "الإخوان المسلمين"، ناهيك عن الحصول على مصادر جديدة للنفط والغاز، في حين يتحدّث لأنصاره ومعارضيه عن "الأمن القومي" ووجود "ملايين الأتراك الليبيين"!

ولا يختلف الأمر في الصومال عن سوريا والعراق وليبيا، حيث توجد أكبر قاعدة تركية في عاصمتها مقديشو وتدرّب فيها أنقرة قوات عسكرية محلية وتخطط للتنقيب هناك عن النفط والغاز، وهو أمر أشار إليه أردوغان شخصياً. وترى وزارة خارجيته أن العلاقات بين البلدين تعود إلى حقبة "الدولة العثمانية"، وهو ما يوضح وجود نيّة مبيتة لدى الرئيس التركي لاستعادتها اليوم.

أما قطر، فقد تحوّلت عملياً لإمارة تركيّة، وتهدف أنقرة من خلال قواعدها العسكرية في الدوحة إلى استخدامها لتحقيق أهدافٍ سياسية وعسكرية أبرزها استفزازٍ دولٍ أخرى تقع على الحدود مع قطر مثلما تفعل في ليبيا لاستفزاز مصر. وتروّج وسائل إعلامها لروابطٍ "تاريخية" مع الدوحة تعود للحقبة "العثمانية" البائدة على غرار ما تقوله أنقرة عن علاقتها مع مقديشو.

وأدى الوجود التركي في هذه الدول إلى سلب ونهب ثرواتها واستخدامها في مشاريعٍ تصبّ كلها لصالح عودة "العثمانية" التي يطمح إليها أردوغان، وقد قال قبل فترةٍ وجيزة إن "مصطفى كمال أتاتورك (مؤسس تركيا الحالية) كان يقول إن مدينة إدلب السورية هي تركيّة". وسبق هذا التصريح إعلانه عن وجود ملايين الأتراك في ليبيا، كتبريرٍ لتدخله في الأزمة المستمرة هناك.

ووفقاً لما ذكر سابقاً، حين يقول أردوغان إنه يسعى لحماية أمن بلاده القومي، فهذا يعني عملياً رغبته في عودة ما يشبه الدولة "العثمانية" ويظهر ذلك بوضوح من خلال الحروب المتنقلة التي يدعمها ويخطط لها للسيطرة على مناطقٍ إضافية، وإبادة شعوبها كما حصل سابقاً. وهذا بعيد جداً عن مبدأ محاربة الإرهاب أو حماية أمنه القومي.