أحوال تركية
سبتمبر 13 2019

عامٌ على اتفاق سوتشي: ما الذي خسرته تركيا؟

احوال (خاص) - في سبتمبر 2018، أبرمت تركيا وروسيا اتفاق سوتشي؛ بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في إدلب، والذي سحبت بموجبه المعارضة، أسلحتها الثقيلة من المنطقة التي شملها الاتفاق في 10 أكتوبر 2018.

منذ ذلك التاريخ وبعد مرور عام وقعت متغيرات عدة، كانت اغلبها ليست في صالح انقرة بل بدت محاصرة سياسيا وعسكريا وفي وضع بائس وهي تشاهد اهدافها وخططها تتساقط الواحدة بعد الاخرى ولا تمتلك ازاء ذلك سوى الضجيج الاعلامي.

ابان توقيع المعاهدة اعطى وزير الخارجية الروسي لافروف تطمينات للجانب التركي على اساس أن وجود الجيش التركي في ذلك الجزء من سورية، هو امر منسق مع الحكومة السورية، التي رحبت من جانبها بمذكرة سوتشي بضغط روسي بالطبع.

هذه الاجواء الايجابية دفعت الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى الغرق في التفاؤل على اساس الضمانات الروسية وبأن بقاء قواته مضمون وبقاء حلفاءه من الجماعات المسلحة وبما فيها المحسوبة على تنظيم القاعدة الارهابي مضمون ايضا وهي حسابات ثبت انها كانت خاطئة كليا اذ كان الحليف الروسي يمضي في كل يوم باتجاه الاهداف التي تخدمه وتخدم النظام السوري بالدرجة الاولى.

وفي ظل ذلك توالت الخروقات لاتفاق سوتشي حتى اطارت صواب امقرة من كثرتها وتأثيرها المباشر على التواجد التركي على الارض.
قصف النظام السوري للمنطقة لم يتوقف وأجبر عشرات الالوف على التحرك والنزوح باتجاه الحدود التركية.
الجانب الروسي وفي اطار تبريره لما يجري كان يردد إن هناك توترات بمنطقة شرق الفرات، حتى وإن قلت المعارك هناك، مشيرًا إلى هشاشة الوضع شمال غربي سوريا.
وان العمل جار مع كل من إيران وتركيا من أجل تطوير صيغة لمواجهة الإرهاب دون إلحاق ضرر بالسكان المدنيين.

بل ان وزير الخارجية الروسي لافروف انعش تمنيات لدى الجانب التركي قائلا " ان الإتفاق الروسي التركي حول إدلب، المنصوص عليه في مذكرة التفاهم، التي تم التوقيع عليها في سوتشي، تنص على إنشاء منطقة خفض تصعيد في هذا الجزء من سوريا، وعلى محيط مراكز المراقبة
التركية.

في ديسمبر 2018 اي بعيد ثلاثة اشهر على اتفاق سوتشي، عبر الجانب التركي سياسيا واعلاميا عن سخطه مما يجري على الارض في ادلب.

اذ قالت وسائل الاعلام التركية ان قوات النظام السوري والميليشيات الإرهابية التابعة لإيران، تواصل استهداف منطقة إدلب لخفض التصعيد، شمالي سوريا، منتهكة اتفاق سوتشي لوقف إطلاق النار.
وأفادت وكالة الأناضول، أن "النظام يستهدف بالقصف المدفعي الأحياء السكنية وخطوط الجبهة التي سحبت منها المعارضة أسلحتها الثقيلة وفقا للاتفاق".

السفير الأمريكي الخاص بسورية جيمس جيفري كان قد داعب الخيال التركي عندما صرح قائلا: "لن نسمح للروس بدخول إدلب".
السفير الأمريكي الخاص بسورية جيمس جيفري كان قد داعب الخيال التركي عندما صرح قائلا: "لن نسمح للروس بدخول إدلب".

في المقابل شهدت الساحة وفي اعقاب اتفاق سوتشي عودة واشنطن للعب دور نشط على الساحة السورية، ورغبتها في منع موسكو من الامساك بجميع خيوط الأزمة السورية، من خلال الدخول على خط إدلب، مما دفع الأخيرة لتصعيد لهجتها ضد واشنطن، فيما بدا أنها تشن حملة منظمة على المستويين العسكري والدبلوماسي، تهدف إلى مواجهة التحركات الأميركية في منطقة شرق الفرات، ردا على التدخل الأمريكي في إدلب.

اللافت أيضاً تجاهل موسكو التام لتصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، حول التوجه إلى إنهاء مساري آستانا وسوتشي، إذا فشلت جهود تشكيل اللجنة الدستورية. وكان جيفري قد أشار إلى أن واشنطن قد تستخدم آليات جربتها في العراق، في إشارة إلى احتمال فرض مناطق حظر جوي في الشمال.

التجاهل الروسي للتلويح الأميركي، بموازاة تصعيد لهجة الاتهامات، هدفه مواجهة لجوء محتمل لواشنطن إلى مجلس الأمن.

ويسعى الروس من خلال أستانا وسوتشي إلى فرض واقع جديد على الأرض، عسكريا عن طريق استنفار جميع القوى والإمكانات، وحشد جميع الحلفاء والشركاء، واستثمار ذلك بأقصى الحدود. وسياسيا من خلال تحويل مسار الحل السياسي في سورية من جنيف لأستانا، بهدف الحيلولة دون أن يكون للأمريكان الكلمة الفصل في المسألة السورية.

يرفض الروس الضغوط الأمريكية المستمرة، من أجل إخراج الإيرانيين من سورية، وجر نظام الأسد للعملية السياسية تحت مظلة الأمم المتحدة في جنيف.

وزير الدفاع الروسي قال إن موسكو تدرس اتخاذ التدابير اللازمة لزيادة القدرات القتالية للقوات المسلحة الروسية، بالتزامن مع خطة الولايات المتحدة الأمريكية، الانسحاب من معاهدة التخلص من الصواريخ النووية متوسطة المدى. وهذا تصعيد آخر سوف يكون له انعكاساته المباشرة على الوضع في سورية.

الواقع على الارض يثبت دعما غير محدود من جانب الحليف الروسي الى النظام السوري مما اسقط الاهداف التركية تباعا وجعل اتفاق سوتشي مفرغا من محتواه
الواقع على الارض يثبت دعما غير محدود من جانب الحليف الروسي الى النظام السوري مما اسقط الاهداف التركية تباعا وجعل اتفاق سوتشي مفرغا من محتواه

الحاصل ان واشنطن عادت الى الساحة السورية بقوة، من خلال زيادة كمية وكفاءة قواتها في المرابطة في المنطقة، سواء في البحر المتوسط أو الخليج العربي، هذا من الناحية العسكرية. وسياسيا بتعيين السفير جيمس جيفري، السياسي المخضرم الخبير بمنطقة الشرق الأوسط، كمبعوث خاص بالقضية السورية.

الأمريكان الذين أعطوا الروس الضوء الأخضر من أجل فرض المصالحات، والمضي قدما في الحسم العسكري في دمشق والغوطة وحمص ودرعا، انتظروا تعاوناً أكثر من طرف الروس بخصوص إخراج الايرانيين من سورية. لكن الروس فضلوا دعم حلفائهم الايرانيين عوضاً عن الاستجابة لطلب الأمريكان.

تتفق أنقرة مع واشنطن على أن عنوان الحل السياسي النهائي في سورية هو مسار جنيف وتحت مظلة الأمم المتحدة، وتتطابق رؤى البلدين في أن الحسم العسكري في سورية مرفوض تماما، وأن اقتحام إدلب من خلال عملية عسكرية شاملة، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، من أجل القضاء على المعارضة الوطنية السورية غير مقبول، ولن يمنح السوريين إلا مزيدا من العنف والدمار وعدم الاستقرار.

في المقابل تتفق أنقرة مع موسكو على أن دعم واشنطن اللامحدود للجماعات الكردية المسلحة في شرق وشمال سورية، سوف يؤدي إلى إنشاء كيان جديد يهدد أمن سورية ووحدتها. وأن سيطرة الأمريكان على مناطق سورية المفيدة، الغنية بالبترول والغار والمحاصيل الزراعية من القطن والحبوب والبقوليات، سوف يمهد الطريق أمام التنظيمات الكردية بمسمياتها المختلفة، لكي تفرض أمرا واقعا على الأرض، يمهد لتأسيس دولة او شبه دولة كردية وهو ما يقض مضاجع انقرة.

السفير الأمريكي الخاص بسورية جيمس جيفري كان قد داعب الخيال التركي عندما صرح قائلا: "لن نسمح للروس بدخول إدلب". حيث لا توجد قوة محتلة دخلت أرضاً وخرجت منها إلا من خلال تفاهمات دولية. لكن واقع الحال ان الروسي تدخلوا بقوة وشن الطيران الروسي عمليات قتالية في كل مكان تقريبا في ادلب ووفر غطاءا للنظام السوري لملاحقة التنظيمات المعارضة التي تدعمها تركيا.

والحاصل انه بعد ما يقارب عام من الاعلان عن اتفاق سوتشي تجد تركيا نفسها وقد خسرت الكثير على الارض وما تزال تركض وراء سراب انشاء المنطقة الامنة بالتحالف مع الاميركان من جهة والى كف روسيا والنظام السوري عن استهداف المعارضة التي تدعمها انقرة ولكن من دون ان تتمكن من تحقيق اي من الهدفين.