أميركا تختار الوقوع في فخ أردوغان في إدلب

أدى تصعيد أنقرة العسكري المتعمد، الذي شهد التوغل في إدلب، وهي محافظة سورية معترف به قانوناً، إلى تحريك عناصر مختلفة بين الأطراف الفاعلة الرئيسة المشاركة في الصراع المتفاقم.

من ناحية، تجد موسكو نفسها في مواجهة درس مرير مفاده أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس وديعاً على النحو الذي توقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يجد بوتين أن انعدم الثقة التاريخي المتأصل بين تركيا وروسيا قد تأكد مرة أخرى. ولا عجب في أن يشعر بوتين بتحدي هائل من أردوغان في لعبة الشطرنج الجيوسياسية، وقد تكون هذه اللعبة أكثر صعوبة من الآن فصاعداً.

بالنسبة لبوتين، تعد تركيا تحت حكم أردوغان مكوناً مهماً في الاستراتيجية الروسية لإضعاف الكتلة الغربية، لا سيما حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الأهمية تجعل من الصعب على موسكو ببساطة أن تنحي أنقرة جانباً وهي تتخذ الخطوات الحاسمة لمساعدة سوريا على إعادة السيطرة على أراضيها.

هل سيتعين على الرجل القوي في روسيا الاختيار بين الدعم الكامل لنظام بشار الأسد أم أنه سوف يُضطر إلى تقديم تضحيات لإقامة توازن إرهابي، ويقسم إدلب إلى جزئين - شمال وجنوب طريق إم 5 السريع - وبالتالي يسمح لأردوغان بمواصلة ما يريد؟

يتحدث الكثير عما سبق: إذا كان قد استخلص استنتاجات واضحة بما فيه الكفاية من التصعيد الأخير لأقوال وأفعال أردوغان، فسيتعين على بوتين التعامل مع انعدام الثقة في نظيره. نحن هنا نتحدث عن وعود جوفاء بابتسامة أو أن يتحرك أردوغان تماماً بخلاف ما يقول ولو حتى في وقت لاحق. سيتعين على بوتين أن يقارن كل هذا في مواجهة استراتيجية أردوغان في سوريا وليبيا. وكلما زادت التنازلات، ستضر استراتيجيته في دمشق.

ومن خلال استخدام حجة تدفق اللاجئين باستمرار، يبقي أردوغان الاتحاد الأوروبي خائفاً اعتماداً على تحركاته ويبقي أبواب أنقرة مفتوحة أمام الغرب. بالإضافة إلى ذلك، من خلال الإصرار على وجود دائم (هذه بالتأكيد نية أنقرة في شمال سوريا) في إدلب، يبقي السيف مسلطاً على عنق الأسد.

بالطبع لا علاقة لهذا الأخير بالمطالبة بالعدالة بالنسبة للجرائم التي تم ارتكابها ضد الإنسانية في الحرب الأهلية السورية بل بمواصلة الحرب السياسية القائمة على رغبة عنيدة في مواصلة رفع العلم الشمولي لجماعة الإخوان المسلمين. استراتيجية بوتين، القائمة على إبادة الجهاديين على الأراضي السورية، ستصطدم باستراتيجية أردوغان - عاجلاً أم آجلاً.

تتمثل المفارقة - وهذا يشمل المستنقع السوري بأكمله منذ عام 2011 - في أن الاستراتيجية الروسية مماثلة لتلك التي وضعتها الولايات المتحدة. على واشنطن الآن أن تفهم أنه ما دامت روسيا تتلقى الدعوة في سوريا، فليس هناك طريقة حقيقية لتحدي شرعية نظام الأسد.

لا تمثل دمشق تهديداً حقيقياً لحلف الناتو ولا لجامعة الدول العربية. يبقى التهديد الحقيقي، وإن كان ضعيفاً، من "قضية" المسلحين الإسلاميين. ومع ذلك، بدلاً من تنسيق عمل حاسم ومشترك لتطهير شمال سوريا من هؤلاء المسلحين الإسلاميين، كان يُنظر إلى روج آفا أولاً ثم إدلب على أنها ساحة للتصارع بين واشنطن وموسكو. يمكن للمرء أيضاً إضافة الاتحاد الأوروبي لهذه المعادلة.

توضح التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والتي أعقبتها زيارة سريعة قام بها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري إلى أنقرة، أن السياسة الدولية تطغى عليها الحماقة للأسف.

اعتمد الخطاب المذهل المؤيد لأردوغان على فرضية أن الوجود العسكري التركي على الأراضي السورية كان شرعياً، وهو موقف مثير للسخرية لا علاقة له بالقانون الدولي.

تمت الإشارة هنا إلى التحدي الذي يواجه بوتين فيما يتعلق بأردوغان، لكن قصر نظر إدارة ترامب الواضح لا يمكن تصوره - باستثناء أنه ربما كان نتيجة للفوضى السائدة في واشنطن.

هذا هو بالضبط الملعب الذي يفضل أردوغان أن يبقى دون تغيير. الرئيس التركي القوي، سواء يدعي أحد أنه ضعيف أو غير ضعيف في هذه الأيام، ينجح في تحقيق أقصى استفادة من الانقسامات الأساسية ومعارك الإرادة على الساحة الدولية، من خلال التلاعب بالأطراف المتعارضة بنجاح.

لا يوجد شيء يثير الدهشة في طريقته المعروفة الآن. الجزء المذهل هو أن قادة العالم الآخرين، الأكثر قوة وقدرة من أردوغان، يختارون الوقوع في هذا الفخ، فريسة لأوهامهم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/idlib/us-chooses-fall-erdogans-trap-syrias-idlib
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.