أحوال تركية
سبتمبر 04 2019

أنقرة تضع يدها في يد داعش ضد أكراد سوريا

أنقرة - شكّلت تركيا معبرا رئيسيا للجهاديين القادمين من مختلف أنحاء العالم للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. ولعبت دورا مهما في تسهيل دخول وإيواء قيادات وعناصر من داعش لتقديم العلاج اللازم أو تسليحهم وتهريبهم عبر الحدود للقتال إلى جانب التنظيم. وتكشف العشرات من التحقيقات الدولية أن أنقرة استخدمت المنظمات غير الحكومية وحملات الإغاثة الإنسانية لنقل الأسلحة وكل ما يحتاجه التنظيم من أدوية وغذاء ومعدات تحت إشراف الاستخبارات التركية وذلك بناء على اتفاقيات بين النظام التركي وداعش.

وفي هذا السياق نشرت صحيفة العرب اللندنية واسعة الانتشار تقريراً بعنوان "تقية تركية في التعامل مع داعش: حليفة له وشريكة في التحالف ضده"، أثارت فيه أسئلة حول سبب تجاهل الحكومات الغربية لأدلة تثبت رعاية أنقرة لتنظيم الدولة الإسلامية.

وذكر التقرير أنه في ذروة دولة الخلافة، التي أعلن عنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، كان مطار كمال أتاتورك في إسطنبول يستقبل الآلاف من المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم الذين عبروا الحدود التركية السورية للالتحاق بالتنظيم، كما كانت المستشفيات التركية تعالج جرحى داعش. وتحدثت تقارير عن توفير الحكومة التركية لمعسكرات لتدريب عناصر التنظيم.

وطرحت أسئلة كثيرة حول العلاقة بين تركيا، العضو في التحالف الدولي ضد داعش، وأحد أهم الشركاء في حلف الناتو، وكيف يمكن أن تلعب أنقرة هذا الدور المزدوج، من جهة يتعهد رئيسها رجب طيب أردوغان "باستئصال بقايا تنظيم داعش"، ومن جهة أخرى توفر الحكومة معسكرات لتدريب عناصر التنظيم.

وبينما كان أردوغان يقول أمام وسائل الإعلام وفي المحافل الدولية "نحن من بدأ تركيع داعش الإرهابي، بعدما أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الإسلام"، كان رجال مخابراته يشرفون على عمليات تسفير المقاتلين، من خلال تحريك أذرعه الإخوانية في عدة دول لاستقطاب الشباب في مرحلة أولى ثم تسهيل عمليات مرورهم عبر الحدود التركية السورية في مرحلة ثانية.

وأكدت ذلك مقابلات أجريت مع العائدين من سوريا من المقاتلين وعائلاتهم. وكشفت تقارير دولية أن تركيا صعدت دعمها لداعش في سوريا أساسا، بعد فشل الرهان على الإخوان، وسقوطهم في مصر. ويقول خبراء إن علاقة السلطات التركية بتنظيم الدولة الإسلامية لا تقل أهمية عن علاقتها بتنظيم الإخوان المسلمين ودورها في توجيه هذا التنظيم الدولي.

ويلتقي أردوغان مع داعش في فكرة دولة الخلافة الإسلامية في مفهومها التاريخي السلطوي. وجمعتهما في سوريا وليبيا والعراق هذه الأيديولوجيا. لكن ما كان يحرك تركيا بشكل أكبر، في سوريا تحديدا، هم الأكراد.

ولفت التقرير أن إحباط أنقرة كان بسبب فشلها في إسقاط النظام السوري، وانهيار حكم الإخوان في مصر وضعف تأثير الإخوان في سوريا، وضيق المجال أمام الإخوان في تونس، بالإضافة إلى تطور الوضع الكردي بدخول الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية، وهاجس تركيا من نشوء منطقة كردية على حدودها، وهي من الدوافع التي دعّمت علاقة تركيا بتنظيم داعش.

وأشرفت الاستخبارات التركية على تسهيل عبور مقاتلي داعش من تركيا إلى سوريا والعراق، ويمتد الأمر إلى رقعة جغرافية أخرى هي ليبيا، وإن اختلفت طريقة التسفير ودخل طرف آخر في المعادلة وهي قطر. وبالنسبة إلى سوريا كانت الممرات الحدودية مفتوحة لنقل المعدات والأسلحة للتنظيم.

إحباط أنقرة بسبب فشلها في إسقاط النظام السوري
إحباط أنقرة بسبب فشلها في إسقاط النظام السوري

وكشف تحقيق استقصائي أميركي أجراه موقع "إنفستيغاتيف جورنال" عن ضلوع تركيا في إنشاء وتمويل خلايا لتنظيم القاعدة وداعش. واشتمل التحقيق على شهادة أحمد يايلا، وهو قائد الشرطة التركية السابق، والذي استقال احتجاجا على تمويل إدارة أردوغان لعشرات الآلاف من مقاتلي داعش، وتهريبهم إلى داخل سوريا، إضافة إلى شراء النفط من التنظيمات الإرهابية، بما بلغت قيمته مئات الملايين من الدولارات.

وقال أحمد يايلا، الذي عمل لمدة 20 عاما في مكتب مكافحة الإرهاب في الداخلية التركية، إن الرئيس التركي، كان «يطمح في 2010 لتأسيس دولة إسلامية كبرى، وأنه وجد هدفه على وشك أن يتحقق عندما عمت الاضطرابات سوريا». وأضاف «أردوغان كان يرى أن دعمه للجماعات المتطرفة سيقود في النهاية إلى سيطرته على سوريا».

وأضاف أنه شهد حماية المخابرات التركية لمقاتلي داعش الذين منحتهم حرية المرور من تركيا وإليها، وقدمت لهم العلاج الطبي في مستشفياتها. وأكد أن الحكومة نقلت إمدادات عسكرية إلى التنظيم عبر وكالة مساعدات إنسانية تابعة لها.

مقابل صمت أنقرة حينا ونفيها أحيانا أخرى، تتصاعد الأصوات التي تؤكد ما ذهب إليه بايلا وما جاء في شهادات المقاتلين السابقين وفي تصريحات مسؤولين أتراك على غرار رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليجدارأوغلو، الذي أكد أن "السلطان العثماني" قام باحتضان تنظيمي داعش وجبهة النصرة، وتقديم كل أنواع الدعم والحماية لهما.

وإذا كان مبرر أردوغان سيكون لو ردّ على تصريح كليجدار أوغلو بأنه من أشد معارضيه، فغيره كثيرون ممن تحدث عن علاقة أنقرة بداعش، منهم مسؤول رفيع في التنظيم الجهادي نفسه، وهو أبومنصور، الذي قاتل لمدة ثلاث سنوات مع التنظيم وكان يحمل لقب "أمير".

قال أبومنصور المغربي، إن داعش تعاون مباشرة مع جهاز الاستخبارات الوطنية التركي لسنوات لمصالحهما المشتركة في عدد من المجالات، مشيرا إلى إن مسؤولين كبارا في الحكومة التركية عقدوا اجتماعات مع ممثلين من داعش لتنسيق عملياتهم، وضمنوا تقديم الدعم والملاذ الآمن للمقاتلين الأجانب. وشدد على أن تركيا تعتبر داعش أداة استراتيجية لتوسيع نفوذها في شمال سوريا.

وتحدث أبومنصور، وهو مهندس كهرباء من المغرب، جاء إلى سوريا في عام 2013، سافر من الدار البيضاء إلى إسطنبول وعبر الحدود الجنوبية لتركيا إلى سوريا، وقاتل مع التنظيم قبل أن يقبض عليه ويقبع في السجون العراقية، عن مهمته قائلا "كانت وظيفتي في الرقة هي التعامل مع القضايا الدولية، وتنسيق العلاقة بين تنظيم داعش والمخابرات التركية".

وحسب شهادة أبومنصور يتمتع مقاتلو داعش بحقهم في العلاج في المستشفيات التركية. كما قدمت الحكومة التركية المياه للجماعة الإرهابية وسمحت لها ببيع النفط عبر حدودها. وكان جهاز الاستخبارات الوطنية التركي متورطا في هذه العمليات. ودفع تنظيم الدولة الإسلامية أغلب فواتير مقاتليه الطبية، ولكن "بعض المستشفيات التركية عالجتهم مجانا".

سمحت المياه التي قدمتها تركيا لداعش للجماعة بالزراعة وحتى توليد الكهرباء من خلال السدود، حسب ما قاله أبومنصور، الذي أكد أن تركيا مثّلت القناة الرئيسية لخطوط مبيعات داعش النفطية. وقال إن "نجل" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أصبح "ثريا بسبب نفط داعش"، مشيرا إلى أن الصفقات كانت تتم عبر وسطاء في مجال النفط والتهريب وبيع الآثار المسروقة

داعش تعاون مباشرة مع جهاز الاستخبارات الوطنية التركي
داعش تعاون مباشرة مع جهاز الاستخبارات الوطنية التركي

وتشابهت قصص نقلت عن مصادر أخرى مع ما صرح به أبومنصور حول دعم المخابرات التركية المباشر لداعش. وذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية أنها اطلعت، خلال تحقيق استقصائي عن المسالك التي مر من خلالها الآلاف من المقاتلين إلى سوريا، من خلال مئات من جوازات السفر التي حصلت عليها من قوات سوريا الديمقراطية وكانت عليها أختام تركية.

ويقول مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية الكردي أنه تحصل على وثائق تكشف توقيع عدد من الاتفاقيات السرية التي تشمل تسهيل مرور الجهاديين الأجانب وعائلاتهم عبر الحدود التركية نحو المناطق التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق، ومعالجة المصابين التابعين للتنظيم في المستشفيات التركية.

مقابل هذه المزايا، التزم داعش بتسليم الأتراك الذين يتم احتجازهم إلى السلطات التركية دون اعتبار البلاد عدوا للتنظيم، كما تمنح أنقرة حق احتكار تجارة النفط والآثار المسروقة. وعلى تنظيم الدولة الإسلامية أن يدعم سياسة الدولة التركية التي تهدف إلى منع تأسيس أي كيان من شأنه أن يمنح الأكراد حقوقهم ويمنع العمليات العسكرية التي تستهدفها.

وفي شهادة أخرى، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن حقائق موثقة حول العلاقة المتينة بين داعش والحكومة التركية، بدءا من رعاية المتطرفين واستقطابهم من تونس وليبيا وإدخالهم الأراضي السورية بسهولة وأمان وتزويدهم بمختلف أنواع السلاح، لغاية دعمهم ماليا واقتصاديا وشراء ما يسرقه الدواعش من الذهب العراقي والنفط السوري.

وكشفت الأجهزة الأمنية لدى هولندا باستخدام تنظيم داعش الأراضي التركية كقاعدة استراتيجية لتدريب واستعادة قوة التنظيم، بالإضافة إلى عبور الآلاف من الإرهابيين التابعين لداعش للأراضي السورية.

ومن أبرز المواقع التركية التي كان التنظيم يستخدمها للتدريب والتجنيد ونقاط عبور هي: مدينة كرمان في الأناضول، -مدينة أوزماني، سان ليلورفا أورفا في جنوب غرب تركيا، مطارات إسطنبول، غازي عنتاب، هاتاي. ومن أهم المواقع التركية التي يستخدمها التنظيم للعبور إلى أوروبا هي:

مدينة أزمير حيث يسهل على الأجهزة التركية التستر على تحركات التنظيم لقربها من الجزر اليونانية.

الريحانية التي استغل فيها التنظيم تهريب الأسلحة بإشراف من الأجهزة الاستخباراتية التركية.

بعد انهيار دولة الخلافة وتراجع تنظيم الدولة الإسلامية خف الحديث عن دور تركيا وعلاقتها بهذا التنظيم المتشدد رغم أن التعاون بينهما بقي على أشده في ليبيا. ليعود الحديث مجددا مع صدور تحقيق موقع إنفستيغاتيف جورنال. ويأتي هذا التحقيق في وقت بدأت فيه سفينة أردوغان تغرق بعدما غادرها رفاقه وبدأت رياح المنطقة الإقليمية تجري بما لا تشتهيه سفينته.

يعلق على ما جاء في هذا التحقيق وغيره الصحافي الاستقصائي البريطاني نفيز أحمد قائلا إن هذه العلاقة تثير أسئلة حول دور تركيا العضو في حلف الناتو، مشيرا إلى أن هذه الشهادات المتطابقة تعزز الأسئلة حول سبب تجاهل الحكومات الغربية للأدلة التي تثبت رعاية تركيا لتنظيم الدولة الإسلامية، على الرغم من القوانين الدولية التي تتطلب اتخاذ إجراءات حازمة ضد الكيانات والدول التي يثبت دعمها للإرهاب.