أنقرة تحاول إعادة التموضع لمواجهة سياسات بايدن في المنطقة

أنقرة – تعمل الحكومة التركية على إعادة التموضع تحسّباً لمواجهة سياسات الرئيس الأميركي جون بايدن في المنطقة، ولاسيّما أنّه لا تزال العلاقات بين الطرفين متوتّرة، ومرشّحة للمزيد من التوتّرات في الأيام المقبلة بسبب مجموعة من الخلافات والملفات الشائكة العالقة بينهما.

وشهد الأسبوع الماضي أول تفاعل حقيقي بين البلدين منذ أن تولى بايدن منصبه قبل أسبوعين، ولم تكن النتائج واضحة تماماً. تحدث مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان يوم الثلاثاء مع نظيره التركي إبراهيم كالين حيث اتفقا على متابعة التقدم بشأن القضايا التي تفسد الشراكة الاستراتيجية في السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، سرعان ما أصبحت خلافاتهم علنية. يوم الثلاثاء، أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن قلقها إزاء استجابة السلطات التركية للاحتجاجات في جامعة البوسفور، مما دفع وزارة الخارجية التركية لتحذير غير مباشر بالابتعاد عن الشؤون الداخلية. وفي خطوة أبعد من ذلك، اتهم وزير الداخلية التركي الولايات المتحدة بالتورط في محاولة الانقلاب عام 2016 ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو أمر رفضته الولايات المتحدة بسرعة.

وفي هذا السياق قال يسار ياكيش، النائب السابق في البرلمان التركي ووزير الخارجية التركي الأسبق، لموقع "أحوال تركية" إن هذه المؤامرة لا تزال قوية بالنسبة للبعض في الحكومة التركية، وأن النفي لن يحدث فرقًا. وأضاف "أعتقد أن هناك رأيًا راسخًا في الأوساط القريبة من الحكومة في تركيا". وذكر أنّ "هذا ليس شيئًا جديدًا، وليس نهاية الأمر."

وتعهّد بايدن بالتركيز على القيم الديموقراطية بينما تعاملت إدارته ببرود مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، صديق ترامب الذي يشن حملة أمنية على الحراك الطلابي في جامعة البوسفور.

ويلفت محللون إلى أنّ الرد التركي على الانتقادات الموجهة إلى جامعة البوسفور كان غير مهني وكان عدوانيًا سلبيًا، ويسعى إلى المقارنة بين الاحتجاجات والحوادث غير القانونية في الدول الأجنبية.

وفي هذا الإطار قال نامق تان، السفير التركي السابق لدى الولايات المتحدة، إنه "لا يستطيع تصديق" أن "البيان مكتوب بالفعل من قبل وزارة الخارجية". وغرد تان قائلاً: "ذهبت وراجعت موقعهم على الإنترنت، للأسف كان هذا صحيحًا".

أما بالنسبة لياكيش، الذي انتهت مهامه كوزير للخارجية بعد أن صوّت البرلمان التركي ضد منح الولايات المتحدة الإذن باستخدام قواعدها خلال غزو العراق عام 2003، لم يكن الرد مفاجئًا تمامًا بل كان أحد "نقاط الانكسار" العديدة في تاريخ العلاقات بين الحليفين.

وعلاوة على المشكلات الخاصة بهم، هناك أيضًا توترات مع لاعبين آخرين تؤثر على العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، بما في ذلك روسيا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من المنافسة الإقليمية المستمرة بين البلدين، فقد تعاونت تركيا على نطاق واسع مع روسيا لدرجة أن العديد من المحللين يقترحون أن العلاقات مع واشنطن يجب أن تسعى لمحاكاة العلاقات مع موسكو.

وأعلنت إدارة بايدن الجمعة أنّها تريد من تركيا أن تتخلّى عن صواريخ إس-400 الروسيّة، لتتمسّك بذلك بموقف إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. وقال المتحدّث باسم البنتاغون جون كيربي إنّ "موقفنا لم يتغيّر"، مضيفًا "ندعو تركيا إلى التخلّي عن نظام إس-400".

وكانت واشنطن منعت إصدار أيّ ترخيص تصدير أسلحة إلى الوكالة الحكوميّة التركيّة المكلّفة المشتريات العسكريّة عقابًا على شراء أنقرة منظومة الصواريخ الروسيّة. واستندت في ذلك إلى قانون أقرّه الكونغرس الأميركي العام 2017 "لمواجهة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات".

وتابع كيربي خلال مؤتمر صحافي "تركيا حليف قديم وعضو له اعتبار في حلف شمال الأطلسي، لكنّ قرارها شراء صواريخ إس-400 لا يتوافق مع التزاماتها كحليف للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي". وقال "حظيت تركيا بفرص متعدّدة خلال السنوات العشر الماضية لشراء نظام باتريوت الدفاعي من الولايات المتحدة، لكنّها فضّلت شراء (نظام) إس-400 الذي يمنح روسيا المال وإمكانية الوصول والتأثير".

وتؤكّد تركيا أنّها اختارت الصواريخ الروسيّة بسبب عدم التوصّل إلى اتّفاق مع واشنطن لشراء نظام باتريوت الأميركي المتطوّر جدًا. وقبل العقوبات، كانت الولايات المتحدة علّقت مشاركة تركيا في برنامج إنتاج الطائرة الحربيّة الأميركيّة المتطوّرة "إف-35"، معتبرةً أنّ صواريخ إس-400 قد تساهم في خرق أسرارها التكنولوجيّة.

وكان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان أعرب في يناير عن أمله في التوصّل إلى حلّ وسط مع إدارة بايدن يسمح بإعادة أنقرة إلى برنامج إنتاج طائرة إف-35، لكنّ الاتّصالات بين الإدارة الأميركيّة الجديدة وتركيا ما زالت محدودة.

وفي تعليقه على ذلك قال ياكيش لموقع "أحوال تركية" إن الولايات المتحدة "يجب أن تنحي جانبا مسألة صواريخ إس-400" لأنه من غير المرجح أن تضحي تركيا بعلاقاتها مع روسيا أو تتغاضى عما وصفته بحقها في شراء نظام الدفاع الصاروخي.

وحول علاقة تركيا المضطربة مع جيرانها مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، قال ياكيش إن المحاولات الأخيرة لتحسين العلاقات كانت ملحة لأسباب منفصلة عن العلاقات مع الولايات المتحدة. وأضاف: "حتى لو لم يكن تحسين العلاقات داخل الشرق الأوسط أولوية لإدارة بايدن، يجب أن يكون أولوية لحكم حزب العدالة والتنمية.. لأن تركيا معزولة وتصبح أكثر عزلة في المنطقة".

ومع اندلاع "الربيع العربي"، تعاونت تركيا مع الولايات المتحدة وكان الانسجام بينهما أولوية بسبب رغبة واشنطن في الحفاظ على جبهة موحدة ضد إيران. ولهذا السبب، تم تكليف بايدن شخصيًا من قبل إدارة أوباما للتوسط في التقارب بين تركيا وإسرائيل بعد حادثة مافي مرمرة عام 2010 عندما قتلت القوات الخاصة الإسرائيلية عشرة نشطاء أتراك على متن سفينة مساعدات متجهة إلى قطاع غزة.

وأعرب أردوغان ومسؤولون آخرون في حكومته منذ شهور عن انفتاحهم على تحسين العلاقات مع إسرائيل، لكن دبلوماسيين إسرائيليين أوضحوا أن المشاعر لن تتغلب على الإجراءات. وعلّق ياكيش على ذلك بقوله إنّ تحسين العلاقات سيكون له تأثير استعادة شريك للتحدث مع واشنطن نيابة عن تركيا عند الحاجة.

وشدّد ياكيش على أنّ "اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس الأميركي كان أقوى لوبي لصالح تركيا"، ولفت على أنّ تركيا يجب ألا تواجه أي مشاكل مع إسرائيل في المرحلة المقبلة.

وقال ياكيش كذلك إن العلاقة المتوتّرة التي قد يكون من الصعب موازنتها هي مع الاتحاد الأوروبي. وسارعت إدارة بايدن بالمصادقة على استئناف محادثات تركيا مع اليونان للحد من التوترات في شرق البحر المتوسط ​، وهي مسألة ملحة لأنقرة. ويمكن للتطورات المستقبلية في هذا المجال أن تحدد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيمضي قدمًا في العقوبات، وهو أمر قالت بروكسل إنها ستنسقه مع واشنطن.

ولبايدن تاريخ طويل في المنطقة يعود إلى عقود حين كان سيناتوراً شاباً. كما أن علاقاته مع الجالية اليونانية الأميركية عميقة، حيث زعمت مجموعة تابعة للجالية اليونانية أنها أخبرت بايدن بشأن النزاع منذ عقود، وفي تعليقه على ذلك قال ياكيش "إن من المحتمل أن يكون بايدن متحيزًا"، في إشارة إلى احتمال تحيّزه لليونان في نزاعها مع تركيا.