أنقرة تريد التخلص من ورطة قره باغ بإضفاء طابع "المؤامرة"

إسطنبول - يراقب المتتبعون لما يحدث على الساحة الدولية أن تركيا تبدي إصرارا للدخول في أي معركة مهما كانت التكاليف باهظة من أجل كسب مؤيدين جدد لها في نزاعاتها حتى مع أقرب حلفائها سواء ضمن حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو في الجغرافية المحاذية لها.

ورغم أن المضي قدما في خيار الحل العسكري بدل التسوية السلمية ليس أمرا محبذا من طرف كبار الفاعلين في أزمة الإقليم الانفصالي، نظرا لتصاعد التوترات في مناطق كثيرة من العالم وسط خشية كبيرة من أن يعقّد تواصل الحرب الأزمة ويدفع باتجاه إطالة أمدها، لكن الدعم التركي لأذربيجان والتلكؤ الغربي المدفوع بحسابات جيوسياسية فرصة مواتية لفرض أنقرة خياراتها في تسوية الأزمة.

وانتقدت تركيا مرارا جهود مجموعة مينسك للتوصل إلى وقف إطلاق النار في المنطقة قائلة إنها لم تفعل شيئا على مدى نحو 30 عاما من المحادثات. وفي أحدث حلقة من هذا التوتر اتهم أردوغان صراحة كل من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، التي ترأس المجموعة، بتقديم دعم عسكري لأرمينيا في صراعها المسلح مع أذربيجان بشأن إقليم قره باخ المتنازع عليه.

وفي ضوء ذلك يتساءل المراقبون حول الدوافع من وراء الهجوم لاسيما وأنه يأتي بعد وقت وجيز من نشر تقارير تشير إلى مقتل العديد من المرتزقة السوريون الذين زج بهم أردوغان في أتون الحرب، في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي إلى نزع توتر قد يمتد إقليميا وربما يصل مداه إلى منطقة الشرق الأوسط.

يدرك أردوغان جيدا أن أي تصعيد للأزمة قد يجعله يفقد توازنة ويكلفه الكثير، فهو محاصر بالعديد من الأزمات، خاصة وأنه فتح على نفسه جبهات عديدة في أماكن متنوعة. والأمر المفضل بالنسبة له هو رمي الاتهامات جزافا حتى على حلفائه، وهنا قد تكون روسيا هي الأقرب له بحكم الطبيعة الجغرافية للبلدين لكن إلى حين فقط.

وتقاتل الجمهوريتان السوفيتيتان السابقتان منذ عقود من أجل السيطرة على المنطقة الجبلية التي تأوي نحو 145 ألف شخص. وتسيطر أرمينيا على الإقليم المسيحي، لكنه ينتمي بموجب القانون الدولي إلى أذربيجان، التي تقطنها أغلبية من المسلمين. وهذه هي نقطة ارتكاز أردوغان.

وساهم الدعم التركي لباكو منذ بداية الأزمة في تصلب مواقف الرئيس الأذري إلهام علييف وجنوحه للحل العسكري بعد أن كانت في بداية المطاف ميالة إلى الحلول السلمية في إطار المساعي الدولية. وانبرت أنقرة منذ الساعات الأولى لاندلاع الاشتباكات للتحريض على التصعيد، وسط تقارير عن إرسالها لمرتزقة سوريين للقتال إلى جانب أذربيجان وهو ما لمحت إليه موسكو وأكدته باريس.

وفي أعقاب كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان أن تركيا نقلت مجموعة من المرتزقة السوريين إلى أذربيجان، قال الرئيس ماكرون “لدينا معلومات تشير بشكل مؤكد إلى أن مقاتلين سوريين من مجموعات جهادية انتقلوا عبر غازي عنتاب للوصول إلى مسرح العمليات في ناغورني قره باخ. فهذا واقع جديد خطير للغاية يغيّر الوضع”.

وقبل أسابيع قليلة فقط، كان العديد من المحللين والمراقبين متشككين بشأن التقارير التي تتحدث عن نقل تركيا لوحدات من وكلاء الجيش الوطني السوري إلى ناغورني قره باخ، وذلك لأن المسؤولين الأتراك نفوا أي ادعاءات من هذا القبيل. ومع ذلك، ومع استمرار تزايد عدد الضحايا بين المرتزقة السوريين، لم يتبق سوى القليل من الشك فقد أصبح مقاتلو الجيش الوطني السوري وقودا للمدافع في العملية التركية لدعم أذربيجان.

وبلغت الدفعة الأولى من جثث هؤلاء السوريين الذين لقوا حتفهم في ناغورني قره باخ أكثر من 50 شخصا، وفقًا للرسائل ومقاطع الفيديو التي انتشرت على حسابات المعارضة السورية على واتس آب وتليغرام. ومن بين القتلى الذين تم تسليمهم إلى سوريا عبر معبر حوار كيليس الحدودي ودفنوا على عجل رجال من حلب وإدلب وحمص ومناطق أخرى من سوريا.

وتختلف تقديرات أعداد المرتزقة السوريين الموجودين في ناغورني قره باخ اختلافًا كبيرًا. بينما تشير التقارير الأولية إلى أن عددهم يبلغ 500 رجل، يُعتقد حاليًا أن العدد الفعلي قد يكون بالآلاف. وتشير هذه البيانات إلى أن ما لا يقل عن 10 في المئة من المقاتلين قتلوا خلال الأيام الأولى للتصعيد وهو إنذار خطير للمرتزقة وداعميهم الأتراك.

ويرى محللو مجلة “مودرن بوليسي” الأميركية أن هذه التطورات يجب أن تدق جرسا لأذربيجان أيضا لأنه كلما طال أمد النزاع، زاد خطر وقوع إصابات بين الجنود الأذريين، الذين تكبدوا بالفعل خسائر في الضربات الانتقامية الأرمينية.

وحتى الآن، تمكنت باكو من تجنب السخط بين الجيش وكذلك السكان المدنيين ليس أقلها بفضل المرتزقة السوريين الذين تم سحقهم كوقود للمدافع لكن هذا لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة.

يتوقع المراقبون السياسيون أن تعمّق الاتهامات الصادرة عن أردوغان من الهوة بين روسيا والولايات المتحدة وفرنسا ولكل من تلك أسبابه ومسبباته، فهو يبحث عن مخرج ولكن ليس على حساب مواقفه من العديد من القضايا الجيوسياسية ذات الطابع الحساس.

وربما يثير أردوغان روسيا هذه المرة بشكل أكبر بعد أن جدّد اتهاماته لها بدعم المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي من خلال شركة فاغنر الروسية، التي أرسلت عناصر لها إلى ليبيا لمساعدة حكومة بنغازي في وجه ميليشيات طرابلس وحكومة الوفاق الوطني التي تدعمها تركيا.

وليس هذا كل شيء، فقد تدهورت العلاقات المتوترة أصلا بين أنقرة وواشنطن العضوين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) منذ العام 2017 على خلفية عدة قضايا، بينها عدم تسليم الداعية فتح الله غولن وكذلك تاجر الذهب التركي الإيراني رضا ضراب الذي تعاون مع ممثلي الادعاء الأميركي، أمام المحكمة حول تفاصيل مخطط للتملص من العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

وإلى جانب ذلك هناك قضايا أخرى لا تقل حساسية بينها ما يحدث في شرق المتوسط، حيث انضمت الولايات المتحدة إلى منتدى شرق المتوسط الذي تحوّل قبل أسابيع إلى منظمة دولية لمواجهة أطماع الأتراك في حقول الغاز في مياه البحر المتوسط.

التطورات يجب أن تدق جرسا لأذربيجان لأنه كلما طال أمد النزاع، زاد خطر وقوع إصابات في صفوف جنودها

وتلوح في أفق العلاقات الفرنسية التركية معركة مفتوحة على كافة السيناريوهات السياسية والدبلوماسية بسبب عدوانية أنقرة في التعاطي مع القضايا التي تهم العديد من دول المتوسط رغم أن البعض يستبعد أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين في ظل عدم رغبة أي منهما في حدوث ذلك.

وبلغت الخصومة واستعراض القوة بين ماكرون ونظيره أردوغان خلال الأسابيع القليلة الماضية مستوى لا مثيل له في العلاقات الثنائية آخذا الأوروبيين على حين غرة ومعززا في الوقت ذاته الخطاب المتشدد تجاه سياسات أنقرة.

ويحذر البعض من إمكانية أن يكون التصعيد التركي يهدف إلى إلهاء المجتمع الدولي وفرنسا تحديدا للانقضاض على مدينة سرت الليبية التي تحشد لها تركيا منذ أشهر بالسلاح والمرتزقة السوريين.

ويدرك مراقبون سياسيون أن حديث أردوغان عن حل الأزمة شرق المتوسط عن طريق الحوار ليس سوى مناورة باعتبار أن الحوار من المفترض أن يجري مع فرنسا واليونان المعنيتين بالأمر وليس مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي.

وطلبت فرنسا، التي تشهد علاقتها مع تركيا تدهورا كبيرا بسبب تعارض المصالح في أكثر من منطقة في العالم من الاتحاد الأوربي إجراء مناقشة شاملة وبلا حدود بشأن علاقته مع تركيا.