أنقرة تصطدم بالجدار اليوناني مع تقرّبها من الإتحاد الأوروبي

لا شك أن أكبر عائق يقف في وجه اطماع حكومة العدالة والتنمية وسياساتها باتجاه اوروبا في الوقت الحاضر هو المواقف المتشددة التي اتخذتها اليونان عقب صعود حزب الديموقراطية الجديدة في انتخابات صيف العام 2019 وتسلم كيرياكوس ميتسوتاكيس رئاسة الحكومة.

منذ سقوط حكم اليسار وقيادة ميتسوتاكيس للبلاد بدأ نهج يوناني جديد لم يسبق أن اعتادته تركيا أيام حكم اليسار بزعامة الكسيس تسيبراس الذي دأب على استخدام لهجة لينة وحرص على عدم التصعيد مع انقرة في وقت كانت اليونان غارقة في أزمتها الإقتصادية مما أتاح لتركيا القيام بالعديد من الأعمال الاستفزازية.

أما مع ميتسوتاكيس فإن الواقع شهد تغييرا حادا، إذ سرعان ما اتجه للإحتماء بالأوروبيين كما طلب من الولايات المتحدة التدخل في النزاع المتصاعد مع تركيا والاستفزازات التي لا تنتهي.

الحاصل اليوم أن تركيا ما انفكت تصطدم بالجدار اليوناني في علاقاتها التي تريد لها ان تفتح صفحة جديدة مع أوروبا ولهذا طالما وجهت انقرة اتهامات للجار اليوناني بتشويه المواقف والتظلم المفرط والتحريض ضد تركيا.

في وسط ذلك بدى  أن بوصلة اردوغان بدأت تتجه مع بداية العام الجديد نحو العودة للتشبث بأذيال أوروبا.
اذ قال أردوغان في تصريحات صحافية مع مطلع العام، أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الأولويات السياسية لأنقرة التي ترى مستقبلها في الأسرة الأوروبية.
جاء ذلك في لقاء مع رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، حسب بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.
وشدّد أردوغان على أهمية استئناف القمم الدورية بين تركيا والاتحاد الأوروبي مبيناً أنّ الاجتماعات رفيعة المستوى ستعود بالفائدة على الطرفين.

وأعرب عن رغبته في فتح صفحة جديدة في علاقة أنقرة بأوروبا مع بداية العام الجديد.

اليونان

رئيس الوزراء اليوناني عرف بمواقفه المتشددة تجاه أنقرة

وعزا أردوغان تراجع العلاقات بين الجانبين في 2020 إلى "نزوات بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي وافتعالهم لمشاكل مصطنعة"، مبينا أنّ هذا الأمر لا يؤثر على مستقبل العلاقات الثنائية فحسب، بل على مساحة جغرافية واسعة ومشتركة بين الجانبين.
وبيّن أنّ أول خطوة يجب البدء منها في العلاقات، هي تحديث الاتفاق التركي الأوروبي (اتفاقية إعادة القبول) الموقع في 18 مارس 2016، موضحاً أنّ عام 2021 يهيئ فرصة لتعاون مثمر بين الجانبين بخصوص الهجرة.

على نفس النغمة ونفس الوتر راح وزير خارجيته مولود جاويش اوغلو يتحدث بنفس الاسلوب المتودد لأوروبا في تصريحات متزامنة.

اذ قال جاويش أوغلو، إن عام 2020 شهد تراجعا في علاقات أنقرة مع الاتحاد الأوروبي بسبب مواقف بعض الدول الأعضاء، معربا عن أمله في فتح صفحة جديدة.
رد الإتحاد الأوروبي لم يكن سرا بل أنه رد مباشر وصريح على الدعوات التركية لتوطيد العلاقات بين الطرفين.

اذ جاء في مسودة بيان للبرلمان الأوروبي أن "ابتعاد تركيا المستمر والمتزايد عن القيم والمعايير الأوروبية ادى  إلى دفع علاقة البلاد مع الاتحاد الأوروبي إلى نقطة تاريخية متدنية، حيث تدهورت إلى حد يتطلب من الطرفين إعادة تقييم عميق للإطار الحالي للعلاقات".

وأضاف البيان أن البرلمان الأوروبي يشعر بقلق عميق إزاء "تجاهل القضاء التركي لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وزيادة عدم امتثال المحاكم الأدنى لأحكام المحكمة الدستورية".

وأشار البيان إلى عدم التزام تركيا بتنفيذ إصلاحات الاتحاد الأوروبي، وأعرب عن قلقه العميق إزاء التراجع عن سيادة القانون والحقوق الأساسية، والتراجع في إصلاح المؤسسات، والسياسة الخارجية العدائية للدولة، فضلاً عن السرد المتزايد المناهض للاتحاد الأوروبي.

وأضاف البيان: "لا يوجد حافز يمكن أن يقدمه الاتحاد الأوروبي يمكن أن يحل محل الإرادة السياسية التي تشتد الحاجة إليها لبناء ديمقراطية ناضجة"، مضيفا أن الوضع في تركيا "أبعد ما يكون عن التحسن بل تدهور أكثر". وأصر البرلمان الأوروبي "بحزم" على التعليق الرسمي للمفاوضات على النحو المقترح في تقرير العام الماضي، بحيث يمكن للجانبين تقييم ما إذا كان الإطار الحالي يعمل أو "استكشاف نماذج جديدة محتملة للعلاقات المستقبلية".

وقال البيان إن الاتحاد الأوروبي "يأسف لعدم التفاهم الحالي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا".

فرنسا

مناورات عسكرية مع فرنسا وصفقات سلاح زادت من جاهزية الجيش اليوناني في مواجهة تركيا

أما اليونان فقد طالبت على لسان مسؤوليها، الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراء بشأن سلوك تركيا "المشين" وأن أنقرة تقاعست عن الرد على بوادر حسن النية التي أبداها الاتحاد الأوروبي.

ولم تكتف بذلك بل عززت قدراتها الدفاعية والتسليحية في شتى المجالات ومنها اقتناء اسراب من الطائرات الفرنسية المقاتلة المتطورة.

اذ تناقلت وكالات الانباء عن قرب توجّه وزيرة الجيوش الفرنسيّة فلورنس بارلي إلى أثينا لتوقيع عقد لبيع 18 طائرة مقاتلة من طراز رافال لليونان.

ويشمل العقد الذي تبلغ قيمته 2.5 مليار يورو، 12 طائرة مستعملة وست طائرات جديدة مع أسلحتها. واستغرقت المفاوضات حول العقد مدة قياسية بين الحكومتين ووافق عليه البرلمان اليوناني في منتصف يناير.

وتمّ شراء ست طائرات رافال جديدة من الشركة المصنّعة "داسو للطيران" يفترض أن يبدأ تسليمها اعتبارا من 2022.

لكنّ أثينا الراغبة في الحصول بلا تأخير على طائرات تضمن تفوّقها الجوّي في بحر إيجه، اشترت 12 طائرة مستعملة من باريس، وستتسلّمها من مخزون القوّات الجوّية الفرنسيّة. ومن المقرّر أن تبدأ عمليّات التسليم في الصيف.

وللحصول على بدائل لهذه الطائرات، يفترض أن توقع فرنسا عقدا مع شركة داسو للطيران لشراء 12 طائرة جديدة، وفقًا لوزارة الجيوش الفرنسية.

واتّخذ رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس قرار التفاوض بشأن شراء رافال في سبتمبر في مواجهة الخلافات مع تركيا بشأن استغلال موارد الطاقة في جنوب شرق البحر الأبيض المتوسط.

وتدعم فرنسا اليونان في هذا المجال وشاركت خلال الصيف في مناورات عسكرية مشتركة في البحر المتوسط.

كما أعلنت اليونان عزمها على تعزيز قدراتها العسكريّة في 2021 على الرغم من انكماش الاقتصار بنسبة تتجاوز العشرة بالمئة في 2020 نتيجة جائحة كوفيد-19، في وقت تواصل البلاد تعافيها من أزمة ديون استمرت عقدا.

وتعتزم أثينا تخصيص 5.5 مليارات يورو للدفاع هذا العام، ما يزيد إنفاقها على المعدات العسكرية خمسة أضعاف.

وإضافة إلى شرائها مقاتلات رافال، تخطط أثينا لشراء فرقاطات ومروحيات وطائرات مسيرة وتحديث أسطولها من طائرات إف-16 وتجنيد 15 ألف عسكري إضافي. كما أعلنت اليونان تمديد فترة الخدمة العسكرية إلى 12 شهرا بدلا من تسعة حاليا.

المشهد لا يبدو مطمئنا بالنسبة لأنقرة إذ لا يمكن أن تمضي في أحلامها في التقرب من الإتحاد الأوروبي واستمرار التفاوض معه في وقت تمضي في ممارسة عملياتها الاستفزازية تجاه أثينا والتي تقترب في كل مرة من المواجهة المسلحة.