انتهاك تركيا لحقوق الإنسان يرخي بظلاله على العلاقات مع أوروبا

بروكسل - تصطدم جهود التهدئة التي أطلقتها تركيا مؤخرا مع الشركاء الأوروبيين بأكثر من عقبة لعل أبرزها وضع حقوق الإنسان والحريات في بلد تعج فيه سجونه بمئات المعارضين السياسيين والأكاديميين ويتعرض فيه معارضو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مضايقات أمنية وقضائية بشتى الذرائع حتى باتت تلك التهم سياطا مسلطة على رقاب من تخول له نفسه انتقاد سياسات الرئيس.

وكان لافتا منذ البداية أن إعادة تركيا تطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتصحيح مسارها وإنهاء التوترات السابقة لن يكون أمرا هيّنا على الرغم من التصريحات الايجابية المتبادلة بين الطرفين.

وكان واضحا أيضا أن الجانب الأوروبي لن يوقع لأردوغان صكا على بياض لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه بينما تواصل تركيا انتهاك المبادئ والمعايير الأوروبية المتعلقة بالتعددية وحقوق الإنسان والحريات. 

وكان أردوغان قد أعلن في أكثر من خطاب استعراضي دعائي عزمه تنفيذ إصلاحات اقتصادية جوهرية وسياسية وقانونية وحقوقية، لكن تلك الإعلانات لم تهدئ المخاوف الأوروبية.

وقد عقدت الجمعية العامة للبرلمان الأوروبي الخميس جلسة تحت عنوان "حقوق الإنسان في تركيا ووضع دميرطاش وبقية السجناء السياسيين".

ويخضع الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي التركي (الموالي للأكراد) صلاح الدين دميرطاش للمحاكمة إلى جانب 107 آخرين بتهم تتعلق بالتورط في الدعاية للإرهاب وهي القضية المعروفة في الاعلام التركي الرسمي بـ"أحداث عين العرب" (كوباني) السورية عام 2014 والمعروفة أيضا باسم "أحداث 6-8 أكتوبر" والتي تقول أنقرة أنها أسفرت عن مقتل 37 مواطنا تركيا وإصابة 761 آخرين.

وجاءت جلسة البرلمان الأوروبي أثناء اجتماع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مع الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل.

وألقت عضو المفوضية الأوروبية لشؤون المساواة هيلينا دالي كلمة خلال الجلسة نيابة عن بوريل، قالت فيها إن الاتحاد الأوروبي أبلغ تركيا مرارا مخاوفه بشأن حقوق الإنسان في تركيا وأن توصيات معالجة القصور حول هذا الشأن وردت في تقرير المفوضية السنوي الخاص بتركيا، مضيفة أن المحكمة الدستورية التركية (لديها صلاحية النظر في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان) والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أقرتا بانتهاك حقوق دميرطاش.

وأشارت إلى أن القرارات المتخذة بحق رؤساء بلديات حزب الشعوب الديمقراطي يبعث على القلق، في إشارة إلى عزل العديد من رؤساء البلديات بدعوى "صلة مفترضة بالإرهاب".

ولفتت إلى أن مكافحة الإرهاب حق مشروع لتركيا، لكن عليها الالتزام بسيادة القانون وحقوق الإنسان والحقوق الأساسية.

وصادق البرلمان الأوروبي على قرار مشترك للكتل السياسية يطالب بإطلاق سراح دميرطاش فورا وإسقاط التهم عنه وعن فيكان يوكسكداغ (الرئيسة المشاركة للحزب سابقا) التزاما بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

كما طالب القرار المؤسسات والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي بإبقاء قضية دميرطاش وقضايا ناشطي حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين والسياسيين والأكاديميين على أجندة مباحثاتهم مع نظرائهم الأتراك، كما طلبت بتقديم الدعم لهؤلاء الموقوفين.

وأصدرت اللجنة التنفيذية المركزية لحزب الشعوب الديمقراطي الذي كان يرأسه كل من صلاح الدين دميرطاش وفيكان يوكسكداغ بيانا في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2014، تحت عنوان "نداء عاجل لشعوبنا".

وقالت اللجنة في بيانها "ندعو شعوبنا للخروج إلى الشوارع ودعم الخارجين للاحتجاج على الحظر الذي تفرضه حكومة حزب العدالة والتنمية على عين العرب".

ولم يكن حزب الشعوب الديمقراطي الجهة السياسية الوحيدة الرافضة للتدخل العسكري التركي في سوريا، لكن نتيجة الترهيب الذي مارسته أجهزة أردوغان الأمنية والقضائية خفتت الأصوات المنددة بخوض أنقرة حربا يدفع الشعب التركي ثمنها من دماء أبنائه ومن الأموال العامة.

والدعوة التي أطلقها حزب الشعوب الديمقراطي، تعبر عن رأي سياسي بعيدا عن التحريض والتجييش، لكن السلطات التركية اتخذتها ذريعة لإضعاف الحزب الموالي للأكراد والذي أصبح يمثل ثقلا انتخابيا مقلقا بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم.

ويقول متابعون للشأن التركي إن أردوغان كان ينظر لبروز دميرطاش وشعبيته على أنه منافس جدي وخطر على مستقبله السياسي، فيما كان حينها يدفع لتعزيز سلطاته تمهيدا لانتزاع صلاحيات رئاسية تنفيذية واسعة.