إقالة رؤساء 3 بلديات كردية.. لم نتفاجأ!

كانت نتائج الانتخابات البلدية في 31 مارس بداية لمرحلة انبعاث روح التفاؤل والأمل في انتعاش الديمقراطية، وانحسار مرحلة القمع والاستبداد في الساحة السياسية التركية. وكان فوز مرشح المعارضة في بلدية إسطنبول في 24 يونيو بشكل كاسح تأكيدًا لهذه المشاعر الإيجابية. ولكن ما لبث أن خمد بريقها في العملية الأخيرة التي أسفرت عن إقالة رؤساء ثلاث بلديات كبرى في شرقي تركيا من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد.

وعلى الرغم من الحيل الكبيرة والصغيرة، والتلاعب بنتائج الانتخابات بشتى الوسائل كان هناك من يأملون في الانتخابات، وبالتالي يُضْفون على نتائجها نوعا من الشرعية... ولكن هذه العملية الأخيرة هدمت كل تلك الآمال الهزيلة، وأثبتت أنها كانت عبارة عن أمنيات فارغة لا سند لها من الحقيقية.

والأسوأ أن نجد في صفوف الكُتّاب والمثقفين من لا يزالون يطلقون تصريحات حماسية تندد بمثل هذه التصرفات بعبارات مثل: "إن هذه التصرفات مناقضة للقانون". أو "إن عدم الاعتبار لإرادة الناخبين غير مقبولة".. وكأنهم لا يعلمون أن تركيا قد أصبحت منذ عام 2013 تحطم أرقاما قياسية في مخالفة القانون وانتهاك الدستور وأنها في مؤخرة قائمة الدول من حيث مراعاة القوانين.

وقد كتبتُ مقالا عقب انتخابات 31 مارس أشرت فيه إلى أن "الإدارات المحلية لا تزال تحت سيطرة الحكومة المركزية"، في إشارة إلى المواد 123 و126 و127 من الدستور، والتي تمنح الحكومة صلاحية الوصاية الإدارية. بمعنى أن هذه المواد من الصرامة بحيث لا تترك للإدارات المحلية (رؤساء البلديات) مجالا للتحرك بحرية من دون موافقة الحكومة وموظفيها المحليين الممثَّلين بالمُحافظ أو من ينوب عنه. 

ولذلك أقول للذين يتوهمون أن تركيا تُدار بطريقة ديمقراطية: إن هذه المواد وأمثالها قد تم وضعها للحفاظ على هيمنة المعيَّنين من قِبل المنتخَبين. ومن أراد الاستزادة من المعلومات في هذا المجال فليرجع إلى دراستي التي نشرتها حول "اللامركزية".

صحيح أن تركيا لم تزل تعاني من ظاهرة هيمنة الحكومات المركزية على الإدارات المحلية، ولكن في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية تم تعزيز هذه الظاهرة بشكل متزايد؛ فبينما كانت حصة البلديات من الميزانية بنسبة 15٪ منذ عقود، تم تخفيض هذه النسبة في عام 2002 إلى 10٪، وهذا يعني مزيدا من اعتماد البلديات على الحكومة المركزية، وإجبارها على الدوران في فَلك الحكومة طوعا أو كرها.

وقد أدى هذا الوضعُ بالبلديات إلى البحث عن موارد إضافية تغنيها عن الإدارة المركزية، فتوجهت بالفعل إلى التضحية ببيع ممتلكاتها من الأراضي، وبالتالي تدمير البيئة الطبيعية. ولذلك نستطيع القول بأن من أهم أسباب دمار البيئة الطبيعية في تركيا هي سياسة حزب العدالة والتنمية في تضييق الخناق على البلديات وتحديد مواردها المالية. ففي الوقت الذي تحولت فيه "حكومة حزب العدالة والتنمية" إلى "نظام أردوغان" الذي يحاول جمع كل الصلاحيات في يد واحدة، أَخذَت الإداراتُ المحلية نصيبها من هذا التحول البائس. وفي أغسطس الماضي صدر مرسوم رئاسي برقم 17 يقضي بربط ميزانية جميع المؤسسات والمنظمات الإدارية التي كانت خارج الميزانية العامة، بما في ذلك البلديات، بوزارة الخزانة والمالية التي يديرها صهر أردوغان. وبهذا القرار أصبحت البلديات مجبرة على طلب الإذن من الوزارة ليس فقط لنفقاتها بل للحصول مواردها ودخلها، كما أن ميزانيتها أصبحت تحت رحمة صهر أردوغان وموافقته. وهذا يعني أن البلديات التي انتقلت إلى سلطة المعارضين ستعاني كثيرا من معالجة الحطام المالي التي خلّفتها الإدارات السابقة.

وبالفعل هذا هو ما أشار إليه أردوغان في تصريح له على التلفزيون، حيث كان يقول: "إنهم (أي رؤساء البلديات التابعة للمعارضة والتي فازت في الانتخابات الأخيرة وانتشلت البلديات من الحزب الحاكم) لن يستطيعوا إدارة البلديات، ولن ينجحوا، لأنهم سيعجزون -حتى- عن دفع رواتب موظفيهم.. وبحوزتنا جميع قوائم ديون البلديات، وكلها مديونة للغاية، ونعلم حجم مديونيتها... لن يستطيعوا إدارتها.. والذين لا ينسجمون مع الحكومة المركزية سيعلنون إفلاسهم في المستقبل القريب...".

هذا هو نص خطاب أردوغان الذي أعلن على رؤوس الأشهاد أنه سيضيق الخناق على المعارضين. وبالفعل كان -على سبيل المثال- رئيس بلدية إزمير المنتخب في صفوف حزب الشعب الجمهوري المعارض واعيا لهذا الأمر عندما صرح بأنه سيطرق باب الرئيس أردوغان للحصول على الموارد.

يُذكر بأن نظام أردوغان كان قد أقال في الفترة السابقة 94 رئيس بلدية تابعين لحزب الشعوب الديمقراطي عن مناصبهم ليعين مكانهم موظفين.. وقد كان صرح بعد ذلك بأن الحكومة ستقيل التابعين لهذا الحزب مرة ثانية بحجة صلتهم بالإرهابيين حتى ولو فازوا في الانتخاب. وإذا أخذنا بالاعتبار أنه يفسر "الإرهاب" على حسب هواه، فسندرك أن مفهوم "الإدارة المحلية" أصبح فارغا عن مضمونه ولا يعني شيئا في ظل الأوضاع والممارسات الحالية.

وعلينا أن ندرك أن هذه العمليات لن تنحصر في رؤساء بلديات دياربكر وماردين وفان؛ فهناك معلومات تشير إلى أن هناك تحضيرات لإقالة رئيس بلدية أنقرة "منصور ياواش" الذي تم انتخابه في صفوف المعارضة... بل ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو أيضا. وهذان الرئيسان من أعضاء حزب الشعب الجمهوري...

ويا ليت صناع القرار وقادة الرأي في حزب الشعب الجمهوري قاموا بردة فعل كافية وتضامنوا مع حزب الشعوب الديمقراطية عندما تمت إقالة الرؤساء من أعضائهم... ولكن للأسف سكت حزب الشعب الجمهوري عندما تم اغتصاب البلديات من حزب الشعوب الديمقراطية بعد انتخابات 31 مارس وتقاعس عن التضامن معهم.. وكان عليه أن يدرك أنه إذا تجاهل عن هذه الممارسات القمعية وغير القانونية في شرق البلاد فستطاله أيضا يوما ما. وبالفعل، ها هو الآن مهدَّد بنفس الطريقة... حيث إن القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري صرح بأنه ليس هناك رئيس بلدية محسوب على المعارضة بشتى أطيافها إلا وهناك تحقيق يجري معه.

وهناك قوانين كافية لفتح الباب أمام نظام أردوغان حتى يقيل أيَّ رئيس بلدية عن منصبه بذرائع واهية.. وحتى لو كانت تلك الذرائع غير مطابقة لروح القانون لكنها كافية لتنحية الرؤساء المنتخَبين واستبدالهم بموظفين حكوميين، وعلى رأس تلك الذرائع اتهام الرؤساء بعلاقتهم مع الإرهابيين، أو عدم القدرة على تسيير الأمور وتقديم الخدمات البلدية... علما بأن البلديات غارقة في الديون بسبب القروض التي تحمَّلها الرؤساء السابقون من أعضاء حزب العدالة والتنمية. ولكننا نعلم أن هذه الأسباب لا تعدو أن تكون مجرد ذرائع يتمسك بها نظام أردوغان للوصول إلى مبتغاه في اغتصاب البلديات.

ولكن هناك نوع آخر من البلديات هي بمثابة المراكز التي يجلب منها النظام كل أعلافها، ويعتمد عليها كمصادر للموارد المالية، ويتصرف فيها لترضية أتباعه وتمرير مشاريعه الحزبية في الإطار المحلي..

وعلى رأس هذه البلديات بلدية إسطنبول الكبرى، التي انتقلت إلى المعارضة بعد 25 عاما من سيطرة أردوغان على إمكانياتها وخيراتها العملاقة، ولكن الأمر لا ينحصر في الحرمان من الإمكانيات الضخمة للبلدية، بل الأسوأ أن هناك احتمال انكشاف ملفات فساد كبيرة ستطال أردوغان وحاشيته. فالقضية ليست منحصرة في المكاسب المالية والسياسية فحسب، بل تبدو مصيرية بالنسبة لنظام أردوغان وأركانه.

لهذا وغيرها من الأسباب نعتقد أن النظام لن يرضى ببقاء مثل هذه البلديات في أيدي المعارضة حتى ولو كانت مرتبطة به في الجانب المالي. ونخشى أن تكون العمليات الأخيرة مجرد بداية لتطبيق مخطط خطير لا يكتفي النظام بالقيام بعمليات إقالة رؤساء دياربكر وماردين وفان عن مناصبهم، بل ستطال العمليات رؤساء آخرين، بل سيتوجه نحو تغيير جذري في التشريعات المتعلقة بسلطات ومسؤوليات المجتمع المحلي بأكمله لربطه بوزارات الحكومة المركزية بشكل مباشر..

وهناك جانب سياسي لهذه العمليات، حيث إن زعيم الحركة الكردية عبد الله أوجلان كان قد قام بتصريح يحمل بوادر الأمل لفتح صفحة جديدة مع الحركة السياسية الكردية.. ولكن هذه العمليات نسفت ذلك البصيص من الأمل، لتستبعد التوجه نحو حل سلمي للقضية الكردية التي لم تزل تستنزف طاقاتِ أطراف القضية من جميع النواحي.

وربما تكون هناك أيام سعيدة تعيشها تركيا في المستقبل البعيد... ولكن التطورات الراهنة تجعلنا نتخوف من أننا على مشارف ليال سوداء حالكة الظلام..

وأختم كلامي بمقولة فيثاغورس: "لا تأمل، فيما لا مجال فيه للأمل"

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kayyimlar/malumun-ilami-belediye-operasyonu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.