غوكهان باجيك
سبتمبر 18 2019

أقلية تركيا الجديدة المهمشة

تشير الأرقام الرسمية في تركيا إلى أن عدد الأشخاص الذين فُصلوا من وظائفهم بموجب قرارات طوارئ منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016 بلغ 125 ألفاً و678 شخصاً. وإذا أضفنا من خسروا وظائفهم في القطاع الخاص بقرارات حكومية، سيرتفع الرقم إلى 131 ألفاً و922 شخصاً.

والفصل من العمل ليس هو العقاب الأخير الذي يُفرض على ضحايا تلك القرارات. فلا يُسمح لهؤلاء أيضاً بالعمل في شركات خاصة، حيث يُنظر إليهم على أنهم أعداء للوطن. ولا يُسمح لهم أيضاً باستخراج جوازات سفر.

والكثير من هؤلاء متهمون بالانتماء لحركة غولن الإسلامية، التي كانت متحالفة فيما مضى مع الحزب الحاكم.

ويُمكننا تعريف هؤلاء الضحايا بأنهم الأقلية الجديدة التي ظهرت في تركيا في فترة ما بعد الحداثة. وكونهم هكذا، فإنهم أحدث مثال على من يوصفون بأنهم أعداء الوطن في الداخل.

وفي أول إعلان بعد الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1980، أعلن الجنرالات أن تركيا تتعرض لمؤامرات من أعداء في الداخل والخارج، هدفها تدمير استقلال البلاد والدولة والشعب.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الشهر إن أعداء الداخل عطّلوا تقدم تركيا.

ومسألة اعتبار بعض المواطنين أعداء للوطن جذورها ضاربة في عمق الثقافة السياسية التركية. لكن ما هو النموذج الأمثل الذي من الممكن أن يُوصف بعدو الوطن في تركيا؟

أعداء الوطن في الداخل هم من ولدوا في المدن التركية وتلقوا تعليمهم فيها، شأنهم شأن غيرهم من المواطنين.

والسبب في أن الدولة تمكنت من معاقبة عدد كبير من الناس هو لامبالاة المواطنين الآخرين. وفي حالات سابقة في الماضي، رأينا كيف أن معظم الناس يواصلون حياتهم اليومية كما لو أنه لا توجد أي مشكلة في البلاد، حتى وإن كانوا لا يُقرّون الدولة على الوسائل القاسية التي تستخدمها لقمع المعارضة.

وتستلزم أنماط العلاقات بين الدولة والمجتمع في تركيا أن يظل الشعب صامتاً في الوقت الذي تعاقب فيه الدولة أعداء الوطن في الداخل.

وفي حالة ضحايا تلك القرارات التي تحدثنا عنها، فإن الحكومة قد فرضت الكثير من القوانين والتشريعات التي جعلت هؤلاء الناس يعيشون داخل سجن كبير في بلادهم من الناحية العملية. هذا السجن يمنع هؤلاء الناس من العودة إلى الحياة الطبيعية التي يعيشها أي إنسان.

يُنظر إلى الموضوع دائما من منظور حقوق الإنسان، لكن من الممكن أن يُحدث هذا متغيرات جديدة في داخل المجتمع. فمعظم من فُصلوا من وظائفهم ينتمون إلى قطاعات محافظة من المجتمع، معروفة بطبيعتها الجماعية، على عكس النمط الغربي الذي يكون فيه الفرد مستقلاً بذاته. لكن بالنظر إلى أن الدولة والمجتمع تخلّيا عن هؤلاء الناس، فإن من الممكن أن ينشأ نوع جديد من الفردية.

كان هذا هو الحال عندما تعرض الكثير من الناس من اليسار على نحو مماثل لعقاب من الدولة بعد الانقلاب العسكري في عام 1971، والذي أنهى النفوذ المتزايد لليساريين وقتها في الطبقة البيروقراطية والجيش. نتيجة لهذا، أدارت الجماعات اليسارية ظهرها للدولة، وهذا أحد المتغيرات التي تفسر هيمنتهم منذ زمن طويل على الحياة الثقافية والفكرية وعدم انهيار هذه الهيمنة، حتى على مدى 17 عاماً من حكم الإسلاميين.

فهل يحذو من فُصلوا من وظائفهم حذو تلك الجماعات اليسارية ويكررون ما فعله هؤلاء بعد عام 1971؟ بعض ضحايا قرارات الفصل التعسفي يحاولون عدم الجهر بمظالمهم أملاً في العودة إلى وظائفهم.

لكن هذه القضية تذكرنا بأن القيم الديمقراطية الحديثة، مثل الفردية، ليست مجرد مفاهيم وإنما وسائل لتجاوز العقبات السياسية. وتتمحور الرواية السائدة بين الكثير من المحافظين الذين وقعوا ضحايا لهذه القرارات حول المصطلحات الرومانسية التي تعكس التضحية من أجل الدين، وهي رواية تمثل إشكالية كبيرة. ويجب أن يدرك هؤلاء أن صراعهم من أجل البقاء هو أيضا جهد فكري يجب وضعه في إطار يخلق أرضية أقوى لمخاطبة المجتمع الدولي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/gulen-movement/turkeys-new-marginalised-minority
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.