آرا غولر: عيون إسطنبول الأرمنية

"ما هو الوقت؟ وماذا يفعل؟ هل هو شيء لا يمكننا لمسه؟ ثم بعد ذلك ذات يوم تنظر في المرآة وتقول " أين ذهب كل هذا الوقت؟".

يذكرني الفيلم الوثائقي بعنوان "آرا غولر: آي أوف إسطنبول"، عن المصور التركي الأسطوري، بالكلمات التأملية والحزينة التي تنطق بها المطربة التاريخية، نينا سيمون، قبل أن تغني مقطوعتها الرائعة "أين ذهب كل هذا الوقت؟".

نحن نعلم ما حدث للأشخاص في صور آرا غولر بالأبيض والأسود: عمال فقراء، حمالون، صيادون، بائعون في الشوارع بوجوه مبتسمة، يأخذون نفَساً عميقًا من سيجارتهم، أطفال يتنقلون ويلعبون في الحقول المفتوحة والنساء اللواتي يحملن الماء بأوعية نحاسية على أكتافهن إلى بيوتهن.

تم حرق المنازل الخشبية التقليدية، التي صممت على الطراز العثماني، لإفساح المجال لمراكز التسوق الكبيرة والقبيحة؛ تم صب الشوارع الصغيرة اللطيفة ذات الأرصفة المرصوفة بالحصى عبر استخدام الخرسانة والأسفلت. لكن يبقى السؤال: أين ذهب كل هذا الوقت؟

تكمن قوة التصوير الفوتوغرافي في قدرته على التوقف والتقاط لحظة من الزمن، بدءًا من الصور البسيطة في ألبومات العائلة، إلى صور جواز السفر على تراخيصنا إلى روائع الصور الفوتوغرافية لـ بريسون، وكيرتيزي، وكوديلكا، وغولر. ومما يجعل "الصورة أقوى من آلاف الكلمات" هو الحنين إلى زمن بعيد، والحزن المعبر عنه.

صور آرا غولر بالأبيض والأسود هي ذاكرة تركيا، دولة مشهورة بقصر ذاكرتها أو افتقارها التام لها. ينظر ماضينا إلينا من مسافة بعيدة، حتى لو كان ذلك منذ وقت قصير فقط. وبسبب مكانته وإرثه كحافظ لذكريات التاريخ، تبرع آرا غولر بأرشيف صوره إلى تركيا، بدلاً من بيعه بملايين الدولارات مثل سليم أرونز، المصور الأسطوري الذي صوّر الأغنياء والمشاهير من الطبقات الأرستقراطية الأميركية ونشر صورهم في مجلة "تاون آند كنتري".

وفي المقابل، أحبت تركيا ابنها المخلص. كان الجمهور يلتف دائماً حول آرا في مقهى أنيق وعصري يحمل اسمه في بيوغلو، مزينًا بصوره المميزة. يتناول آرا دائماً طعامه في هذا المقهى، ويرتشف قهوته التركية، ويوقّع على كتبه ويقف لالتقاط الصور مع معجبيه.

لكنني لست متأكدًا مما إذا كانت تركيا قد أظهرت نفس الحب والولاء للأقلية الأرمنية التي ينتمي إليها آرا غولر.

حيث في 6 و 7 سبتمبر 1955، قام الآلاف من الأتراك، باستفزاز وتلاعب من قبل قوى الشر داخل الحكومة، بنهب المحلات التجارية التابعة للأقليات اليونانية والأرمنية، واغتصاب النساء، وضرب الرجال والأطفال. وقال لاعب كرة القدم الأسطوري، ليفتر كوكوكاندونياديس، لاعب نادي فنربخشة من أصل يوناني "لقد حملوني على أكتافهم عندما سجلت أهدافاً قبل أسبوعين. لكن في 6 و 7 سبتمبر، واجهت حشدًا غاضبًا بالحجارة والعصي. أكثر ما يؤلمني هو رؤية الأطفال الذين أعطيهم نقودًا في الشارع وهم يهاجمون منزلي. لقد حاولوا قتل فتياتي الصغيرات. وفي وقت لاحق سألوني كثيرًا عن المهاجمين، ولكن لم أخبرهن حينها".

وبصفته مصورًا صحافيًا صاعدًا، التقط آرا غولر صورًا لما حدث يومي 6 و 7 سبتمبر، وهو على الأرجح أحد أكثر الأحداث الوحشية المروعة في تركيا. وفي الفيلم الوثائقي، يصف آرا هذين اليومين بـ "الدراما والكوميديا" وهو محق في ذلك لأن الشخص الذي ضمد جراح يدي الناهب المصابة كان والد آرا غولر الصيدلي الأرميني.

قد يبدو الأمر مفاجئًا عندما نسمع آرا غولر يقول "لم أشعر أبدًا بالتمييز ضدي كأرمني"، ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئاً. ففي هذه البقعة من العالم دفع هؤلاء الذين تحدثوا عن المزيد من العدالة، أو طالبوا بمزيد من الحقوق، أو أطلقوا كلمات أساءت للأشخاص الخطأ ثمناً باهظاً. لكن القول بأن آرا غولر كان خائفًا جدًا من الانتقاد وخائفًا من الحديث عن الظلم الذي عانى منه شعبه سيكون إهانة لذكراه.

وإلى جانب كونه فنانًا عظيمًا وأحد أهم المصورين في القرن الماضي، فقد كان أيضًا إنسانيًا عظيمًا رأى نفسه جزءًا من سلسلة طويلة من تراث الأناضول الواسع من الحضارات المتنوعة مع العديد من الأعراق والأديان التي تتعايش بسلام.

ومن المؤكد أنه صور بيكاسو ودالي وهيتشكوك وصوفيا لورين والعديد من الشخصيات الشهيرة الأخرى في القرن الماضي وسافر حول العالم وشاهد حربين وبعض الأوبئة وأفضل وأسوأ ما يمكن أن تقدمه هذه الحياة.

ومع ذلك، فقد تمكن من إنتاج كتابين ضخمين كنتيجة للعمل الجاد والبحث الدقيق: "تأريخ فوتوغرافي للعبقري ميمار سينان"، المهندس العظيم في العصر العثماني الكلاسيكي، و"اكتشاف أفروديسياس"، الأطلال الهيلينية القديمة في قرية جيري في غرب تركيا.

وقد ألهمت إسطنبول، المدينة التي أنقذها آرا غولر بصوره من أولئك الذين لا يهتمون بأي شيء سوى المال، رون كولبروث، صديق غولر المصور، لالتقاط صوره الأولى.

وفي عامي 1967 و 68، غامر رون بالخروج من القاعدة البحرية حيث كان يتمركز في كارامورسل، تركيا وبدأ يقضي وقته في اكتشاف اسطنبول، والتقط صورًا بالأبيض والأسود تمامًا مثل آرا غولر، الذي اكتشفه لاحقًا. ومهدت تلك الصور التي التقطها بغريزة و حدس قبل أن يصبح مصورًا محترفًا بوقت طويل، الطريق أمامه لممارسة مهنة ناجحة.

وبالنظر إلى صور رون الجميلة بالأبيض والأسود، نسأل نفس السؤال؟

"أين ذهب كل هذا الوقت؟".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ara-guler/ara-guler-where-does-time-go?language_content_entity=en
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.