ذو الفقار دوغان
سبتمبر 08 2019

أردوغان أكل "الآيس كريم" وسلّم إدلب إلى بوتين

على حين بقي أسبوع على قمة أردوغان-بوتين-روحاني التي سوف تستضيفها تركيا في 16 سبتمبر، إلا أن الحرب العنيفة التي اندلعت في إدلب وتزاحم مئات الآلاف من السوريين على الحدود التركية في عقبها اضطر رئيس الجمهورية أردوغان إلى الذهاب إلى موسكو على عجلٍ بالرغم من أن ذلك لم يكن في برنامجه.

أردوغان الذي وقع اتفاقية المنطقة الآمنة مع الولايات المتحدة الأميركية في شرق الفرات وأَمَّن حدوده ضد الأكراد أصبح بحملة من بوتين والأسد في غرب الفرات في مواجهة مباشرة مع الإرهاب الجهادي وخطر ملايين اللاجئين السوريين على الحدود، ودون أن يستطيع الوصول إلى مراده بشكل كامل.

عندما استولى الجيش السوري على خان شيخون وقضى على الجهاديين تعرضت ثلاث نقاط مراقبة تابعة للقوات المسلحة التركية إلى حصار كامل من قبل جنود الأسد.

في الواقع إن ما عاشه أردوغان الذي التقى عاجلًا مع بوتين في سوتشي لوقف العمليات السورية والروسية العسكرية ضد إدلب ومنع تصفية الجهاديين، وعرقلة موجة هجرة جديدة إلى أوروبا على الحدود التركية وعبرها ووقع على اتفاق سوتشي في 17 سبتمبر 2018 يذكر بما هو عليه اليوم.

مرة أخرى استضافت روسيا قمة ثلاثية حول سوريا، ولكن عندما انتفضت إدلب من جديد التقى أردوغان على عجل مع بوتين، ووقع في سوتشي. كان بوتين يعلم أن اتفاق سوتشي الذي "وافق" عليه دون تأخير ودون أن يخذل أردوغان سيتم تنفيذه من قبل تركيا، وأنه سيكون بالنسبة له وللأسد في النهاية بمثابة ورقة رابحة بصورة أكبر.

إن اتفاق سوتشي بالنسبة لأردوغان الذي لم يستطع الوفاء بأي من وعوده كالتمييز بين المنشقين المعتدلين والجهاديين المتطرفين في إدلب، ونزع أسلحة المتطرفين وتصفيتهم، وفتح الطرق السريعة "إم 4"، و"إم 5" للنقل الآمن حتى نهاية عام 2018، وإقامة منطقة عازلة آمنة مساحتها تتراوح بين 15-20 كيلو متر أصبح الآن حجة لثمن أثقل.

وعلى حين كان بوتين والأسد يهاجمان إدلب، ويدفعان اللاجئين والجهاديين صوب الشمال، ويكدسونهما على الحدود التركية تشدقوا بالحجة والمبرر نفسه؛ "تركيا لم تستطع الوفاء بأي من التزاماتها التي تعهدت بها في اتفاق سوتشي. على العكس من ذلك؛ فإن منطقة عدم النزاع الآمنة عززت من وضع الجهاديين المتطرفين تحت إشراف القوات المسلحة التركية وزادت من أنشطتهم.

يتعين علينا تطهير هذا المكان وتحريره من الإرهابيين. وإلا فهناك خطر إرهابي حقيقي يهدد تركيا وأوروبا والعالم أجمع، وليس سوريا فحسب."

وكان الرئيس أردوغان قال في المؤتمر الصحفي المشترك في موسكو "إن هجمات قوات النظام التي نفذتها في إدلب تهدد أمن تركيا. إذا لزم الأمر سنمارس حقنا في الدفاع المشروع عن حدودنا."

وبعد أن أقر بوتين أن دفاع تركيا عن حدودها حق مشروع قال إن الحكومة السورية ناضلت من أجل إنقاذ بلادها وشعبها وأرضها من المنظمات الإرهابية والمحتلين والإرهابيين، وهذا كان حقها المشروع في السيادة والشرعية؛
"نحن نؤيد اتفاقية المنطقة الآمنة الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا. ونراها إيجابية للغاية فيما يتعلق بسيادة سوريا ووحدة أراضيها."

في الواقع، كانت كلمات بوتين هذه هي الجملة الأكثر أهمية في المؤتمر الصحفي المشترك. وقد كانت التصريحات الرسمية الروسية حتى آخر لحظة من قبيل: أنه لن يمكن قبول الاتفاق بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وليس من الوارد أن تتواجد دولة أخرى على جزء من أراضي بلدٍ ما.

كما يدور الحديث في كواليس أنقرة عن أن بوتين أدلى بتلك التصريحات بناء على رجاء من أردوغان، وأنها ستكسب زيارة موسكو أهمية ومعنىً على الأقل، وأنه –أي بوتين-لم يرفض طلب أردوغان مساعدته لتقديم زيارة موسكو على أنها مكسب.

واصل مولود جاويش أوغلو هذه اللفتة التي قُدمت لأردوغان والذي تتزايد مشاكله في إدلب جراء التطورات الساخنة التي وقعت في غرب الفرات، وذلك نظير قبوله تسليم إدلب إلى روسيا والأسد. فكان جاويش أوغلو أشاد بروسيا قائلًا "روسيا أكدت أنه لن يكون هناك أي هجوم على نقاط مراقبة القوات المسلحة التركية التي في إدلب." في حين كان يقول في اليوم السابق لذلك "لن يتم السكوت إزاء أصغر هجوم يقع على جنودنا في نقاط المراقبة، وسيكون الثمن باهظًا".

إن موقف روسيا هذا، والتي بدأت إنشاء نقاط مراقبة بالقرب من نقاط المراقبة التركية، يمثل في الوقت نفسه علامة على أن القوات المسلحة التركية ستنسحب ببطء من غرب الفرات ومن إدلب، وأن عملية الانسحاب قد تمت عبر نقل نقاط المراقبة إلى الشمال بضمان روسيا، نحو الحدود التركية مباشرة، وهكذا، قدم بوتين لأردوغان الفرصة لمغادرة المنطقة دون إظهار هزيمته أو فشله في إدلب.

هناك معنى آخر لإعلان بوتين دعم اتفاقَ أردوغان مع الولايات المتحدة الأميركية حول المنطقة الآمنة وهو أنه بذلك يكون قد تم منع دخول القوات المسلحة التركية إلى شرق الفرات، وشنَّها عملية عسكرية في المنطقة، وأن هذا يتماشى مع سياسات روسيا ومصالحها. وبينما أميركا في شرق الفرات، وروسيا في غربه يكبحون جماح أردوغان عبر حبسه داخل حدود، ويمكن الحديث عن أن هناك صفقة ضمنية "بين ترامب وبوتين "، وأنه تم بالفعل تنفيذ المصالحة التي تضع تركيا تحت الهيمنة وبين شقي المطرقة والسندان.

وبينما يبتز بوتين أردوغان بورقة إدلب ويسوق طائرات "إس يو-57"، قد يطلب ترامب من أردوغان مزيدًا من التنازلات، والذي يتم الضغط والتضييق عليه من خلال التهديد بتدفق اللاجئين وتسلل الجهاديين في شرق نهر الفرات. ولا سيما أن كلام وزير الدفاع خلوصي أكار "إننا نحافظ على الصفقة مع الولايات المتحدة الأميركية، ونحن نعض على أصابعنا" يمثل علامة على أن الأمور لا تسير بصورة كبيرة كما تريد تركيا.

ومهما ظل الرئيس أردوغان يقول إنه إذا لم تتحقق النتائج المرجوة في المفاوضات، فستبدأ العملية العسكرية وستدخل القوات المسلحة التركية شرق الفرات، وإذا فرض مشهد الابتزاز الذي ظهر في إدلب ضرورة تنفيذ عمليات عسكرية على الجبهتين في وقت واحد؛ فإن المشكلة قد تتفاقم أكثر. لهذا السبب، يبدو أن أردوغان وافق على تسليم إدلب إلى بوتين مقابل الآيس كريم الذي قدمه له الأخير.

إلا أن جعبة دمشق التي تريد السيطرة التامة والنهائية على إدلب، وبوتين الذي يستهدف القضاء تمامًا على الجهاديين الداغستانيين والشيشانيين والأوزبكيين ذوي الأصول الروسية الموجودين في المدينة لا تزال تحتفظ بخطة تسوية إدلب بالأرض على حساب تكديس ثلاثة ملايين ملتجئ على حدودنا، وتطهير المدينة من الجهاديين.

ولو أن القوات المسلحة التركية دخلت شرق الفرات رغمًا عن الولايات المتحدة الأميركية، وحدث في الوقت نفسه أن شنت قوات الأسد المدعومة روسيًا هجومًا على المدينة فإنه ليس من الغريب أن تدفع ملايين اللاجئين مع الجهاديين المسلحين إلى الشمال، إلى الحدود مع تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاَ:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye-rusya/erdogan-dondurmayi-yedi-idlibi-putine-verdi-suriyede-ortulu-ricat-basliyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.