أردوغان المُقامر باللاجئين

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان يمضي نحو الفشل في جهوده الرامية إلى إقناع أوروبا بقبول أعداد كبيرة من اللاجئين من سوريا، أو دفع أموال طائلة لتركيا للاستمرار في استضافة هؤلاء اللاجئين. فقد تبدّل الحال وتغيّرت الأمور بصورة كبيرة منذ أزمة اللاجئين التي حدثت في عامي 2015 و2016.

ولدى الاتحاد الأوروبي أسباب كثيرة تجعله يعارض هجرة اللاجئين من تركيا إلى أوروبا. القليل من هذه الأسباب مزعج للغاية، لكن الأسباب الأخرى تنطوي على اعتبارات تحوطيّة لزعماء الاتحاد الأوروبي.

يُحب السياسيون المناصب، ويعرفون جيداً أنهم لكي ينفذوا برامج تصب في مصلحة مواطنيهم، فإن عليهم استخدام أدوات القوة. أيضاً، لمزايا المناصب وممارسة السلطة على الآخرين سحر خاص. وفي داخل كل سياسي صراع بين الرغبة في خدمة شعبه من جهة، والطمع في مزايا المنصب وإرضاء الطموح الشخصي من جهة أخرى.

وبغض النظر عن الدوافع، فإن السياسيين يسعون دائماً إلى الفوز في الانتخابات مرة تلو الأخرى. ويعرف زعماء الاتحاد الأوروبي المنتخبون أنهم إذا سمحوا بتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا، كما حدث في عام 2015، سيدمرون فرصهم في الانتخابات. ومن ثم فإنهم لن يسمحوا بهذا أبداً. والحقيقة الواضحة هي أن الأحزاب القومية الكارهة للأجانب آخذة في الصعود؛ وإذا تجاهلهم الزعماء المنتخبون وازدروهم حتى، فإن هذا يجب أن يكون له حساباته الانتخابية التي تضع في الحسبان سلوك جميع الناخبين.

وبالمثل، فإن هناك القليل من التعاطف مع فكرة منح تركيا أموالاً من الاتحاد الأوروبي لمساعدتها، بالنظر إلى سلوك الرئيس وكبار القادة وخطابهم ضد الاتحاد الأوروبي. فهناك استياء متزايد في أوروبا من التكتيكات التي يستخدمها أردوغان في التعامل مع الاتحاد الأوروبي. يقوّض هذا التعاطفَ مع الجهود الرامية إلى مساعدته في إدارة أزمة اللاجئين، التي يرى الكثيرون أن جزءاً كبيراً منها ناتج عن إصراره على الإطاحة بالأسد من خلال دعم المعارضة المسلّحة. ويبدو أن هناك منطقاً جديداً في التعامل مع أردوغان برز خلال السنوات القليلة الأخيرة. يقول هذا المنطق إن على الرئيس التركي أن يتحمّل عواقب أفعاله.

أما أردوغان، فيتبنّى خطاباً يأتي بنتائج عكسية، ولا يسأم من تكرار حديثه لزعماء الاتحاد الأوروبي، والأوروبيين بشكل عام، حول ما يرى أنه التزام برعاية اللاجئين، ومعاملة غير عادلة لتركيا من جانبهم، وخوف شديد من الإسلام والمسلمين. وبشكل متزايد، يجسد زعماء الاتحاد الأوروبي سلوك جمهور الناخبين، ويُبدون القليل من الرغبة في أن يحكم الرئيس التركي على تعاملهم مع الحالات الإنسانية، بينما هو ينتهك حقوق الإنسان والحقوق المدنية للمواطنين الأتراك باستمرار، بسبب عرقيتهم (كما هو الحال مع الأكراد)، أو بسبب مهنتهم (كما هو الحال مع الصحفيين) أو بسبب السياسة (مثلما يفعل مع أحزاب المعارضة). بالإضافة إلى ذلك، فقد سئموا من تحميل أردوغان الاتحاد الأوروبي مسؤولية جميع الأخطاء والفشل في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

وبينما يُدرك قادة الاتحاد الأوروبي تماماً أن عدد القوميين المتطرفين ليس بالهيّن، وأن المواطنين الذين لديهم رهاب الأجانب ليسوا قليلين، فإنهم يعرفون أن الأغلبية العُظمى من الأوروبيين لا يكرهون المسلمين أو الأتراك بسبب دينهم أو قوميتهم. والخلاصة، أن لا أحد يحب أن يعطيه أحدٌ دروساً، وأن من غير الحكمة أن توبخ من تطلب منهم المساعدة أو تحط من شأنهم.

ولا يذكر أحدٌ في الولايات المتحدة أردوغان بكلام طيّب سوى الرئيس دونالد ترامب وعدد قليل من أعضاء الكونغرس. عدد أقل في دوائر السلطة في الاتحاد الأوروبي يذكرون أردوغان بالخير. وقد كتُبت تعليقات كثيرة بشأن تحوُّل تركيا عن الولايات المتحدة نحو روسيا. هذا التحول أبعدها عن أوروبا أيضاً. ولو أراد أردوغان أن يُبعد نفسه عن الولايات المتحدة، ويحافظ على علاقاته مع أوروبا في الوقت ذاته، لكان بإمكانه شراء أنظمة الصواريخ من شركات الدفاع الأوروبية.

ولو أراد تقليص اعتماده على النفط والغاز الروسيين، لكان تجنّب استعداء الاتحاد الأوروبي بأنشطته الاستكشافية ودورياته المستفزة في مياه بلد عضو في الاتحاد الأوروبي، وهو قبرص. ولأنه اتخذ خطوات محسوبة لإبعاد بلاده سياسياً عن الاتحاد الأوروبي، فإن أسفه لغياب دعم الاتحاد الأوروبي لتركيا لم يلق آذاناً صاغية.

مثل هذه التكتيكات، ومثل هذا الحديث، هما اللذان حدّدا النبرة، بينما كان الرد مبنيّاً على الأفعال التي حدثت في الآونة الأخيرة. فالاتحاد الأوروبي يزاداد إصراراً على إبقاء حدوده آمنة وعدم السماح لموجة اللاجئين الكبيرة القادمة من الشرق الأوسط بالدخول. السبب في ذلك هو استمرار أردوغان في الإعلان عن أن الحدود مع اليونان مفتوحة، وما أُثير عن نقل اللاجئين إلى المعابر الحدودية (على الرغم من أن المسؤولين الأتراك نفوا ذلك).

ومن الأمور التي زادت الاتحاد الأوروبي إصراراً، الأدلة التي أشارت إليها بعض التقارير الصحفية، والتي تشير إلى أن غالبية اللاجئين الذين يصلون إلى الحدود مع اليونان ليسوا من السوريين الذين منحتهم تركيا اللجوء بعدما فروا من بطش الأسد، وإنما هم مهاجرون من دول أخرى كثيرة حاولوا انتهاز الفرصة للبحث عن فرص عمل في أوروبا.

أيضاً، هناك فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). فالخوف المشروع من انتشار هذا الفيروس أدى إلى فرض إجراءات حجر شديدة القسوة داخل الدول وفحص الحدود بشكل صارم. ولدى قادة الاتحاد الأوروبي عُذر جاهز لعدم السماح بتدفق أعداد كبيرة من الناس على أوروبا، ومن الممكن أن نتوقع إعلاناً قريباً عن فرض إجراءات مشددة لمراقبة الحدود "من باب الحذر الشديد".

ولا عجب من التقارير التي تقول إن اجتماع أردوغان مع تشارلز ميشيل، رئيس الاتحاد الأوروبي، وأورزولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في بروكسل الأسبوع الماضي، حقق القليل من التقدم أو ربما لم يحقق تقدماً نهائياً. وأشارت فون دير لاين في بيان إلى أن اليونان تمثِّل درعاً لحماية أوروبا، وكان ذلك بعد وقت قليل من إطلاق اسم "درع الربيع" على العملية التركية في سوريا.

ومن غير المرجح أن يخفف الاتحاد الأوروبي إجراءات تأمين حدوده مع تركيا للحيلولة دون تدفق اللاجئين، سواء كان ذلك بدافع المخاوف الانتخابية والمشاعر السلبية تجاه أردوغان وتكتيكاته، أو التوجهات الرافضة للمهاجرين والتحيُّز الكامن ضد المسلمين، أو المخاوف من انتشار فيروس كورونا المستجد. قد يعطي الاتحاد الأوروبي تركيا المال لتعويضها عن تكلفة استضافة العدد المتزايد من اللاجئين السوريين؛ لكن استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين في أوروبا الآن أمر مستبعد تماماً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/greek-border/erdogans-refugee-gambit# &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.