Erdal Er
يوليو 27 2019

أردوغان اتخذ قرار الحرب في 24 يونيو 2015

‏كانت استراتيجية "‏لن نسمح لك يا أردوغان بنقل تركيا إلى النظام الرئاسي"، التي تبناها حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد خلال ‏انتخابات 7 يونيو 2015 قد آتت أكلها وأذاقت حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان هزيمة ساحقة أفقدته الانفراد في الحكم منذ عام 2002. 

وقد أحدث نجاح الحزب الكردي وخسارة أردوغان التي لم يتوقعها هزة كبيرة في "أعماق الدولة". 

كان أردوغان قد بذل ‏كل ما في وسعه من أجل منع ‏‏حزب العدالة والتنمية برئاسة أحمد داوود أوغلو من ‏تأسيس حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري والأحزاب الأخرى، بهدف ‏اتخاذ القرار بإعادة الانتخابات من أجل استرداد الحكومة المنفردة لحزبه ‏العدالة والتنمية مرة أخرى. ‏لكن لم يكن بمقدوره تحقيق ذلك عبر الطرق العادية، ‏وكان يحتاج إلى عدو. ‏نتائج الانتخابات كانت حددت فعلا من سيكون هذا العدو: الأكراد.

وما مضى وقت حتى ‏أكد أردوغان عدم وجود مشكلة تحت مسمى "المشكلة الكردية"، وأعلن تجميد مفاوضات السلام الكردي. ‏والقنابل ‏التي تفجرت قبيل ‏انتخابات 7 يونيو ‏كانت تحمل في طياتها مؤشرات قوية على ما سيحدث في المستقبل. 

لن يتردد أردوغان في الدفع بتركيا إلى طريق دموي. فقد بدأ يبعث رسائل عنيفة في القضية الكردية. فما كان رأيي قنديل؛ معقل العمال الكردستاني في شمال العراق، ‏الذي كان الطرف الآخر في مفاوضات السلام الكردي. ‏

كنت توجهت إلى قنديل في يوليو 2015 لمعرفة وجهة نظر قادة اتحاد المجتمعات الكردستانية، ‏‏في حين كانت ‏تشتد حدة رسائل أنقرة في هذا الشأن. ‏‏قادة قنديل كانوا يعلمون جيدا ‏أن أردوغان يستعد لحرب كبرى، ‏ويحاولون الحيلولة دون اندلاع هذه الحرب. ‏

الواقع أن الجميع كانوا في حيرة ودهشة؛ ‏إذ ذهب أردوغان الذي كان يقول "علينا إيقاف دموع الأمهات" ليحل محله أردوغان ‏الذي أخذ يقول "‏ستستمر العمليات الأمنية والعسكرية حتى القضاء على آخر إرهابي".

شهدت بلدة "سروج" التابعة لمدينة أورفة ‏الحدودية مع سوريا هجومًا إرهابيًّا أصاب الجميع بالدهشة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد تعرض 33 شابًّا كرديًّا في ربيع عمرهم للقتل على يد داعش وتحت أعين الدولة. ولا شك أن "العقل المدبر" لهجوم سروج كان دبر أيضًا عملية قتل شرطيين على فراشهما بوحشية في المدينة ذاتها بعد يومين من الحادثة الأولى، لتكون ذريعة لوضع مفاوضات السلام الكردي فوق الرفوف بشكل رسمي. كانت الرسالة التي بعثها العقل المدبر إلى الرأي العام عبر هاتين العمليتين البغيضتين ظاهرة للجميع. 

عندما سمعت أن شرطيين قتلا في بلدة جيلان بينار في 22 يوليو 2015، كنت مع عضو المجلس التنفيذي في اتحاد المجتمعات الكردستانية مصطفى كاراسو في جبال قنديل لإجراء مقابلة معه. كاراسو اطلع على خبر قتل الشرطيين عبر الشاشات التلفزيونية مثلنا. كانت وسائل الإعلام التركية أعلنت مقدمًا  قبل ظهور أي حقيقة حزب العمال الكردستاني مسؤولاً عن مقتل ضابطي شرطة. وفجأة بدأت الشاشات التلفزيونية تملأ بـ"خبراء" لا نعلم من أين جاؤوا يقودون دعاية تزعم أن حزب ‏العمال الكردستاني قد أعلن عبر هذا الهجوم انتهاء مفاوضات السلام الكردي. 

لقد سألت السيد كاراسو إذا كان لديهم أي معلومات عما حدث. كان هو الآخر مصدومًا، فرد قائلًا "لا"، ثم أضاف: "إنهم أشعلوا فتيل الحرب، فحزب العدالة التنمية كان يخطط منذ فترة للحرب".

وفقا للخطة المعدة خلف الأبواب المغلقة، كان داعش من سيتولى تنفيذ مجزرة "سروج"، وبعد يومين سيتم قتل شرطيين في جيلان بينار، يعقبه دعاية إعلامية للترويج أنه "معاملة بالمثل أقدم عليها حزب العمال الكردستاني ثأرا لدماء الأكراد في الهجوم الأول". 

كانت الدعاية تبدو معقولة. ذلك أن الذين لا يعرفون طبيعة كلا من أردوغان والدولة العميقة بحيث تسوّغ مقتل شرطيين بوحشية لم يكن ليخطر على بالهم هذه الاحتمالية. وقد نجحت هذه الدعاية في المراحل الأولى، حيث لم يكن من الممكن حل ألغاز الحادثتين وسط الغبار المثار حولهما، فاستسلم الناس للخوف قبل أن يحيطوا بأبعاد ما وقع بعدما ذاقوا طعم عملية السلام الكردي. 

ثم بدأت الإبادة الجماعية ضد الأكراد على حدود منطقة روجافا الكردية في سوريا. 

الهيئة الإدارية لاتحاد المجتمعات الكردستانية كانت على دراية بما حدث في كل من سروج وجيلان بينار، وتتوقّع هجومًا من قبل تركيا. وقد بادر معقل قنديل إلى اتخاذ التدابير اللازمة إزاء هجوم تركي محتمل.

في الساعة 00:00 من ليلة 22 -23 يوليو 2015، رنّت جبال قنديل بالأصوات المخيفة للطائرات الحربية التركية والقنابل التي أسقطتها على المنطقة، مما أدى إلى نشوب حرائق في الغابات، وكان أكثر ما يثير القلق لدينا هو وضع القرويين المقيمين بالقرب من قنديل. 

حسب البيانات الرسمية المعلنة في وقت لاحق، انطلقت في تلك الليلة 75 طائرة حربية لقصف مواقع العمال الكردستاني في جبال قنديل. ‏ووفقا للبيانات المقدرة، فإن المقاتلات التركية أطلقت في تلك الليلة ما لا يقل عن 150-200 طنّ من القنابل. 

بدأ القصف في الساعة 00:00 ليلًا واستمر حتى الساعة 05.30-06.00 من الصباح على فترات مختلفة. وكشاهد عيان لما وقع في جبال قنديل في تلك الليلة، كنت أقول في نفسي: "لعله لم يبق هناك أي دابة حية من غيرنا". 

كان صمت رهيب خيم على جبال قنديل عندما انتهى القصف وانقطعت أصوات القنابل مع حلول الفجر. ثم قررت مع صديقي المصور "موردم" زيارة الأماكن التي تعرضت للقصف. ومع أن قائد مسلحي العمال الكردستاني "دنيز" حذر من أن زيارة المنطقة أمر خطير، حيث لا تزال طائرات الاستكشاف تتفقد المناطق المقصوفة، غير أننا لم نستطع أن نصبر. إذ كنا نستعجل في معرفة ما جرى وتسجيل كل شيء من أجل إيصاله في أقرب وقت ممكن إلى تلفزيون "مد نوجه"، الذي كنت أعمل لصالحه. كنت أريد أن يطلع العالم على ما جرى في جبال قنديل عن طريقي بدلا من الأخبار الكاذبة للإعلام الرسمي.

وهكذا فعلنا. أنا وصديقي المصور "مردم" و"جان فداء" الذي قضى نحبه فيما بعد زرنا عددًا من المناطق المعرضة للقصف. كانت في كل مكان حرائق وتنتشر في الغابات بتأثير الحرارة والعشب الجاف والرياح الشديدة. وكانت المستوطنات المدنية أخذت نصيبها من عمليات القصف. كما أن قطيعًا من الخنازير بالقرب من قرية تعرض للنيران. ثم وجدنا أمًّا مع 5 أو 6 أطفالها وقد لقوا حتفهم.

عمليات القتل والدمار لم تقتصر على البشر فحسب في كردستان، بل الغابات والحيوانات كانت بين الضحايا أيضًا. على كل حال تمكنا من إرسال المعلومات الأولية عن العملية إلى التلفزيون. وكانت إدارة التلفزيون قلقة على حياتنا، وطالبتنا بالخروج من منطقة قنديل، لكننا رفضنا هذا، معلنين أن المسؤولية تقع علينا باعتبارنا صحفيين. 

كنت أرغب بالتواصل مع قادة اتحاد المجتمعات الكردستانية للاطلاع على آرائهم حول ما حدث، والتأكد مما إذا كان وقع ضحايا منهم جراء العملية. وتمكنت بعد ظهر اليوم من التواصل مع عضو المجلس التنفيذي للاتحاد مصطفى كاراسو. فقد أكد عدم سقوط أي ضحية منهم في مركز قنديل، مشيراً إلى احتمالية وجود ضحايا في مناطق أخرى تعرضت للقصف، وأردف: "كنّا على علم بخطة الهجوم على معقلنا، فاتخذنا كل التدابير اللازمة لحماية مقاتلينا، لكننا قلقون على حياة المدنيين". 

كان الهجوم على مناطق ما يسمى بـ"الدفاع الإعلامي" في 24 يوليو بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء مفاوضات السلام الكردي، بعدما انطلقت في الشهر الأخير من عام 2012. لم يكن 24 يوليو تاريخًا عاديًّا، بل تم اختياره بعناية فائقة ليتزامن مع تاريخ اتفاقية معاهدة "لوزان".

ماذا حدث بعد هجوم 24 يوليو؟ ما هي المكاسب التي حققتها تركيا بقرار الحرب وما هي خسائرها؟ لم تكسب تركيا أي شيء ولكنها خسرت الكثير، بحيث عادت إلى الوراء 50 عامًا. ثمن هذه العملية لا يقتصر على خسارة الأرواح التي لا يمكن التعويض عنها، وإنما -إضافة إلى ذلك- تلقت إرادة الحلّ والسلام ضربة قاتلة أيضًا. فضلاً عن أن كثيرًا من الناس فقدوا ضمائرهم وأخلاقهم بحيث اكتفوا بالتفرج على إحراق أناس وهم أحياء في الطوابق السفلية من العمارات من دون إبداء أي رد فعل.   

لا يبدو أن تركيا قد استخرجت الدروس اللازمة من أخطائها السابقة، إذ نرى أن بلدة جيلان بينار تم اختيارها مرة أخرى لتكون مركزًا وقاعدةً للاستفزاز قبل يومين من الذكرى السنوية لمجزرة سروج. وهذه المرة ترغب السلطات التركية في اتخاذ هذه البلدة قاعدة للهجوم على منطقة "روجافا" الكردية الواقعة في شمال وشرق سوريا التي تتمتع بالإدارة الذاتية. 

في مساء 22 يوليو، أطلقت عناصر مجهولة من بلدة "سيريكانيه" الكردية في الجانب السوري قذائف صاروخية على بلدة جيلان بينار بالجانب التركي، مما أسفر عن إصابة خمسة مدنيين بجروح، الخطوة التي استغلتها تركيا للهجوم على بلدة روجافا بأسلحة ثقيلة، وذلك في الوقت الذي كان وفد أميركي يجري زيارة إلى تركيا ووفد أميركي آخر إلى منطقة روجافا.  

هذه الطريقة التي أقدمت عليها تركيا في الهجوم على روجافا معروفة ومعهودة للرأي العام، إذ كان رئيس المخابرات هاكان فيدان يقول في اجتماع سري حضره كلٌّ من وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو ومستشار وزارة الخارجية فريدون سنرلي أوغلو والقائد الثاني للأركان، رئيس الأركان الحالي فريق أول ياشار جولر: "من الممكن أن نرسل أربعة من رجالنا إلى الجانب السوري، ليقوموا بإلقاء صواريخ على الجانب التركي من هناك، من أجل خلق ذريعة لازمة للتدخل العسكري في سوريا إن تطلب الأمر ذلك."  

وهنا سؤال يلحّ نفسه: هل يمكن أن يكون الشخص الذي ألقى صواريخ من "سيريكانيه" على جيلان بينار في الجانب التركي أحد الأشخاص الذين أرسله هاكان فيدان إلى روجافا من أجل الاستعداد لهذه الأيام؟

البيان الذي نشرته قوات سوريا الديمقراطية في هذا الشأن يثبت أن إطلاق الصواريخ من الجانب السوري على الجانب التركي جرى تمامًا مثلما وضع سيناريوه هاكان فيدان في ذلك الاجتماع.  

والسؤال نفسه ينطبق على هجومي "سروج" و"جيلان بينار"، المنسوب أحدهما إلى داعش والآخر إلى العمال الكردستاني. 
فهل يمكن تحقيق السلام والوئام من خلال التلاعب بأرواح الشعوب يا ترى؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/kurdistan/erdoganin-savas-karari-24-temmuz-2015
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.