أردوغان هو التهديد الحقيقي لتماسك المجتمع التركي

ترجع الأسباب التي جعلت تركيا تكافح من أجل استيعاب الأقليات إلى تأسيس الدولة في 1923، وفقا للأستاذ الفخري بجامعة أنقرة، الدكتور باسكين أوران.

دائما ما اعتُبرت شبه جزيرة الأناضول، حيث تقع تركيا، جسرا بين شعوب مختلفة من الشرق والغرب. وتاريخيا، وصفت العديد من الجماعات أجزاء مختلفة منها بأنها موطن لها، حتى لو ظل الأتراك العرقيون المجموعة المهيمنة. لكن تركيا كافحت للتعامل مع كل مواطن داخل حدودها على قدم المساواة، خلال القرن الماضي.

اعتبر أوران، وهو خبير في القومية والأقليات في تركيا، الصعوبات التي تواجه استيعاب السكان غير الأتراك بشكل كامل فريدة في بعض النواحي ولكنها شائعة في نواح أخرى.

وقال أوران لموقع أحوال تركية في تدوينة صوتية إن كل الدول القومية تمقت الأقليات، وتميز المجموعة العرقية والدينية المهيمنة، وتكمن في تركيا في: المسلم الحنفي السني التركي. فالمذهب الحنفي في الإسلام السني هو السائد في تركيا اليوم.

وذكر المؤلف، الذي كتب كتابا جديدا بعنوان "الأقليات وحقوقها في تركيا: من الإمبراطورية العثمانية إلى الدولة الحالية''، أن الجماعات العرقية غير التركية، وخاصة غير المسلمين، غالبا ما تكافح لتصبح جزءا كاملا من المجتمع التركي. واعتبر هذا عيبا في الدولة القومية الحديثة، التي تبني هويتها على الدين أو المذهب.

من بعض الزوايا، تعتبر هذه المشكلة جديدة للجمهورية التركية. ففي العهد العثماني، فصل النظام القومي الامتيازات والحقوق بين المسلمين وغير المسلمين داخل الإمبراطورية، لكن الأقليات مُنحت درجة من الاستقلالية في شؤونها على الرغم من أنها احتلت مكانة من الدرجة الثانية.

ووفقا لأوران، بعد أن أصبحت تركيا دولة قومية حديثة في 1923، انتهى تماسك الإمبراطورية العثمانية متعددة الأعراق واستُبدل بمحورة الأغلبية العرقية التركية السنية المهيمنة. فخلال الحقبة العثمانية، كانت الأقليات غير المسلمة في وضع أفضل لأنها كانت داخل إمبراطورية. وقال أوران إن أفرادها لا يعتبرون الآن من الدرجة الثانية فقط بل من "الطابور الخامس".

ويعتبر أوران أن هناك شواهد للاضطرابات التي جاءت مع الأقليات المحظورة في نقاط عديدة في تاريخ تركيا الحديث. وكانت المذابح المعادية لليونانين في 1955 مثالا مبكرا، ويستمر التمييز ضد الأرمن الأتراك بعد أكثر من قرن من الإبادة الجماعية التي طالتهم. ولم تسلم الأقليات غير المسلمة من التمييز أيضا. لا تزال الأقلية الكردية في تركيا، التي تشكل ما يقرب من خمس السكان، محرومة من حقوقها الثقافية الكاملة، وتواجه ريبة الأغلبية وسط الصراع الداخلي المستمر مع حزب العمال الكردستاني المحظور.

يكمن المثال الأكثر حداثة في الأربعة ملايين لاجئ سوري الذين يعيشون في تركيا بعد فرارهم من الصراع في بلادهم. لكن أوران يتوقع أن يكون اندماج السوريين أسهل بفضل معتقداتهم الدينية. وقال: "في الوقت الحالي، تعتبر تركيا في وضع سيء من الناحية الاقتصادية... ولكن، في المدى المتوسط ​​إلى الطويل، سنشهد استيعاب السوريين لأنهم مسلمون سنّة".

يكمن سبب آخر أثبتت فيه الدولة التركية أنها تتجاهل المطالب بمزيد من حقوق الأقليات في إرث تراجع العثمانيين وانهيارهم في نهاية المطاف. فغالبا ما استخدم الخصوم الأوروبيون الأقليات العثمانية كمبرر للتدخل في شؤون الإمبراطورية الداخلية. وعادت المخاوف من التدخل الأجنبي في أعقاب معاهدة سيفر، عندما احتلت قوات يونانية وأرمينية وأغلبية مسيحية أخرى تركيا، قبل أن تُطرد في حرب الاستقلال التركية.

اليوم، غالبا ما يشار إلى هذه المخاوف باسم متلازمة سيفر. لكن أوران يستعير مصطلحا من عالم النفس الاجتماعي التركي الأميركي فاميك فولكان لشرح هذه الظاهرة على أنها "صدمة مختارة"، أي أن المجتمعات مرتبطة بالألم المشترك بقدر ما ترتبط بالنصر المشترك.

ظاهريا، يبرز هذا كشعور بكون الطرف ضحية للقوى الغربية الساعية للهيمنة على تركيا. ويتسبب في تعزيز العداء لفكرة منح حقوق أكبر للأقليات.

ومع ذلك، قد يصبح هذا الخوف من الانقسام الداخلي نبوءة تحقق نفسها، خاصة خلال حكم الرئيس رجب طيب أردوغان المثير للانقسام. فقد عمل الرئيس على شيطنة مجموعة من الجماعات المحلية خلال عقدين من حكمه، من الصحفيين والصحافة الحرة إلى حملته المستمرة ضد حزب الشعب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

كما انضم حزب أردوغان للعدالة والتنمية  إلى حزب الحركة القومية المتطرف، الذي يدعم هجماته ضد ما يعتبروه أعداء مشتركين. وأثناء هذا، ينمو استقطاب المجتمع التركي خلال الاضطرابات الاقتصادية والوباء العالمي.

وردا على سؤال عما إذا كانت هذه الديماغوجية تضر تركيا أكثر من أن تنفعها، وافق أوران على أن أردوغان يخاطر بتمزيق المجتمع أكثر من أي عدو أجنبي. وقال: "ليس أردوغان في وضع يسمح له باستخدام المنطق. إنه في حالة ذعر تام. فأي زعيم يتحدث عن الذهاب إلى القمر بينما يوجد كساد اقتصادي مروع وحتى جوع في بلاده ووباء؟ ليس هذا سوى ذعر".

رغم كل الحديث الأخير عن إصلاح السياسة الداخلية والخارجية، استمرت حكومة حزب العدالة والتنمية في سحق المعارضة من خلال التشهير والتهديدات القانونية وفترات السجن الطويلة.

لذلك، يرى أوران أن أردوغان هو القوة الوحيدة القادرة على تقويض حكمه بنجاح. ويرى أن المبالغات التي أبداها الرئيس التركي نفسه هي التي ستدمر نظام الرجل الواحد.