أردوغان لا يريد الإفراج عن السجناء السياسيين رغم تفشي كورونا

اكتظاظ السجون في تركيا أمر شائع، مما يجعل التباعد الاجتماعي والالتزام بالنظافة الشخصية وغير ذلك من الإجراءات الأساسية للحد من انتقال فيروس كورونا المستجد في السجون أمراً مستحيلا ًفي الأساس.

إدراكاً لهذه المشكلة، يدرس البرلمان مشروع قانون من شأنه توسيع معايير منح الإفراج المبكر لما يزيد على ثلث السجناء في البلاد والبالغ عددهم 300 ألف سجين. لكن مشروع القانون يستثني الآلاف من الصحفيين والسياسيين المعارضين والأكاديميين والمحامين والنشطاء المحتجزين بتهم الإرهاب أو الجرائم ضد الدولة.

وقالت كاتي بيري، عضو البرلمان الأوروبي، لموقع (أحوال تركية) "إنه قرار حكيم اتخذته الحكومة التركية لإطلاق سراح ما يصل إلى 100 ألف شخص من السجن بسبب أزمة فيروس كورونا". وفي فترتها الأولى، كانت بيري مقررة البرلمان الأوروبي المسؤولة عن عملية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

وتابعت بيري قائلة "لكن من الواضح أن إبقاء أولئك الذين لا يشكلون أي تهديد على الأمن العام في السجن له دوافع سياسية ويمثل كارثة. لقد حان الوقت لتعويض أخطاء الماضي وتوحيد البلاد وإطلاق سراح السجناء السياسيين".

وشهدت تركيا العديد من الهجمات السياسية العنيفة على مر السنين، التي نفذتها الجماعات الكردية واليسارية المتطرفة، وكذلك الجهاديين مثل تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن منذ وصوله إلى السلطة في عام 2003، قام الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه بقمع المعارضين من جميع التيارات السياسية، وتمت مقاضاة مجموعة واسعة من المنتقدين وسجنهم.

وقال هوارد إيسنستات الأستاذ المساعد في جامعة سانت لورانس والزميل غير المقيم في منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط "تواجه تركيا تحديات حقيقية مع العنف السياسي ... تتمثل المشكلة في أن أنقرة غالباً ما استدعت العنف السياسي الفعلي مع مجموعة واسعة من الأنشطة السياسية السلمية".

وأردف قائلاً "كان هذا صحيحاً قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وقد قام حزب العدالة والتنمية بدوره بتحويل الملاحقات القضائية ضد الإرهاب إلى سلاح قوي ضد جميع أنواع الخصوم السياسيين، بمن فيهم الصحفيون ونشطاء المجتمع المدني وقيادة المعارضة السياسية. ويواصل مشروع القانون هذه العملية، ويحتمل أن يجعلها مسألة حياة أو موت للمعارضين السياسيين خلف القضبان".

وقال عضو البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي المعارض عمر فاروق جرجرلي أوغلو لموقع (أحوال تركية) "في تركيا، حتى المعارضة الأكثر اعتدالاً يمكن أن تتناسب بسهولة مع فئة الإرهاب في قانون مكافحة الإرهاب".

وأضاف أن مشروع القانون المعروض على البرلمان قد يؤدي إلى مخاطر جمة على السجناء السياسيين.

وقال جرجرلي أوغلو "إذا كان هناك تمييز، وإذا تم الإبقاء على السجناء السياسيين في السجون خلال جائحة فيروس كورونا، فستكون هناك قصص مؤلمة للغاية حول انتهاكات الحقوق الصحية للمرضى والمسنين والحوامل والسجناء الذين لديهم أطفال وغيرهم من الأشخاص المعرضين للخطر".

وفي ظل استيعاب السجون فوق طاقتها بكثير بالفعل، بقي مشروع القانون مدرجاً على جدول الأعمال لمدة عام، لكن الحكومة عززت الآن العملية بسبب تهديد فيروس كورونا.

وقال بيرك إيسن، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت، لموقع (أحوال تركية) "هذه سجون في دولة نامية، لذا فإن الظروف ليست جيدة". وقال إنهم مكتظون لأسباب سياسية "لا سيما النزاع الذي تخوضه الحكومة مع بعض جماعات المعارضة".

كما تفتقر السجون إلى الموارد، ومن المرجح أن تتدهور الأوضاع فيما تشتد وطأة الوباء وتؤدي إلى تفاقم الانكماش الاقتصادي في تركيا. وقال إيسن إن وصول السجناء إلى الرعاية الصحية محدود في الظروف العادية. وتابع قائلاً "بالنظر إلى مدى سرعة زيادة عدد مرضى فيروس كورونا في السياق التركي، فمن المحتمل أن يكون لديهم وصول محدود للغاية إلى الرعاية الصحية".

جنباً إلى جنب مع زملائه النشطاء في مجال حقوق الإنسان، أطلق جرجرلي أوغلو حملة واسعة من أجل معاملة السجناء السياسيين بالمعاملة نفسها في مشروع القانون. وقال إن حملات التوقيعات في تركيا عادة ما تحصل على 10 آلاف إلى 15 ألف توقيع. وفي أقل من أسبوع، حصلت حملة المطالبة بالمساواة في الإفراج المبكر عن السجناء على ما يربو على 70 ألف توقيع.

وقال جرجرلي أوغلو إن الناس واصلوا التوقيع على العريضة وإن عدد الأشخاص الذين وقعوا كان مهماً "في الفترة التي توجد فيها أغلبية كبيرة يخشون التعبير عن أفكارهم والتوقيع في الحملات".

وأردف قائلاً إن حزب العدالة والتنمية الحاكم وشركاءه في الائتلاف من اليمين المتطرف لم يكونوا على استعداد حتى الآن لتقديم تنازلات بشأن مشروع القانون، لكنه قال إن المعارضة تمكنت من الحصول على بعض التنازلات من الائتلاف في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أنه لن يكون سهلاً، يعتقد جرجرلي أوغلو أنه بدعم من الجماهير يمكن تغيير موقف الحكومة.

وتضمن مشروع القانون في البداية إمكانية الإفراج المبكر عن مرتكبي الجرائم الجنسية والمذنبين في جرائم عنف أخرى. ولكن بعد رد فعل من الجماهير، سيتم استبعاد مرتكبي الجرائم الجنسية والقتلة وعدد من المجرمين المدانين الآخرين من الإفراج المبكر.

وقال إيسن "من المنطقي أكثر أن تمنح الدولة عفواً عن الجرائم المرتكبة ضدها وليس عن الجرائم المرتكبة ضد المواطنين. لكن مبدأ المساواة في الدستور ربما يمنع مثل هذا الفصل الواضح".

وأشار إلى أنه من أجل تحقيق بعض التغطية الإيجابية، يمكن أن يفكر أردوغان في إطلاق سراح السجناء السياسيين مثل عثمان كافالا، وهو رجل أعمال ومدافع عن حقوق الإنسان أعيد اعتقاله في الآونة الأخيرة بتهم مرتبطة بالانقلاب لاقت انتقادات واسعة وذلك بعد ساعات من تبرئته من تهم الإرهاب.

وقال إيسن "الحزب الحاكم يفكر في تخفيض الأحكام، لكن هذا غير عادل أيضاً بطرق أخرى ... التفكير في الإقامة الجبرية وخيارات أخرى مماثلة يمكن أن تكون فكرة جيدة".

في الحالتين، من غير المرجح أن يتبنى أردوغان إطلاق سراح آلاف السجناء المسجونين في إطار قمع المعارضة.

وقال إيسنستات "المنطق الذي يحفز عفو حزب العدالة والتنمية سليم، ولكن على المستويين الأخلاقي والعملي، سيكون من المنطقي استخدام هذه الأزمة كفرصة لإنهاء عملية التطهير المستمرة للخصوم السياسيين في تركيا بدلاً من التركيز على إطلاق سراح المجرمين الذين يمثلون خطراً محتملاً... لسوء الحظ، هذا ليس نهج الحكومة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-prisons/early-release-likely-turkish-inmates-not-political-prisoners
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.