أردوغان والحكم عبر لعبة "الديمقراطية المهيمنة"

برلين - يحاول حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان تدمير الثقافة والمؤسسات الديمقراطية في تركيا، وذلك عبر العبث بمؤسسات الدولة، ومحاولة صياغة نظام يتماشى مع سياساته التي أدخلت البلاد في أزمات متعدّدة على مدار عقدين من حكمه، بحسب ما قال المحلل السياسي حسين جيجك الذي يعمل في مركز الإسلام والقانون في أوروبا التابع لجامعة فيينا وجامعة فريدريش ألكسندر إرلانجن نورنبرغ، في حوار له مع القسم التركي في موقع دويتشه فيليه الألماني.

أشار حسين جيجك إلى ما وصفه بأسلوب الرئيس أردوغان الملتوي من أجل الحفاظ على شعبيته، وكيف أنّه يقوم بالحكم عبر لعبة "الديمقراطية المهيمنة" وتشجيع التحركات "الشعبوية" و "التوسعية" واللعب على أوتار العصبيات والمشاعر القومية لزيادة دعم الناخبين.

وبسؤاله "لماذا يواجه حزب العدالة والتنمية أزمة؟" ذكر جيجك أن الرئيس أردوغان جعل من الصعب بالفعل الحفاظ على سلطته مع نظام الحكومة الرئاسية الذي بناه. وقال إن حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول التستر على إخفاقاتها في السياسة الداخلية والخارجية والاقتصاد بسياسات سلطوية وشعبوية، وإنها اتخذت خطوات تضليلية للفت الانتباه إلى اتجاهات أخرى.

ونوّه إلى أنّ الحكومة تواجه طريقاً مسدودة دستورياً، وأنّ أي انتقاد لحكومة حزب العدالة والتنمية، يعتبر إهانة شخصية أو إساءة للوحدة الوطنية أو محاولة تدمير لها، وأكّد أنّ هذا النهج السياسيّ هو "تدمير الثقافة الديمقراطية والمؤسسات في تركيا".

وبسؤاله عمّا يعنيه بأن الديمقراطية التركية تتحول بشكل متزايد إلى "ديمقراطية مهيمنة". وما هي الديمقراطية المهيمنة؟ ذكر حسين جيجك أنّه في معظم الحالات، تبدو الديمقراطية المهيمنة وكأنها ديمقراطية ليبرالية، حيث تُجرى الانتخابات، وتصل الحكومات إلى السلطة من خلال الانتخابات، وتؤخذ في الاعتبار مبادئ حكم القانون وحقوق الأقليات. لكنّه لفت إلى أنّه مع ذلك، في الديمقراطيات المهيمنة، تستمر الحكومات في الحفاظ على سلطتها بشكل كامل من خلال تقييد المؤسسات الدستورية، والضغط على المعارضة، والقيام باعتقالات، وتكون الحريات الديمقراطية محدودة. ولهذه الغاية تجرى انتخابات مستمرة ودورية لدعم صورة الديمقراطية الليبرالية.

وبالحديث عن حقيقة أن أردوغان، الذي تتراجع شعبيته يواجه معضلة؛ أزمة في النظام الدستوري الذي بناه بنفسه، شدّد جيجك أنّ الأنظمة الديمقراطية تعيش فقط من خلال الثقافة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية، وهذا يشمل حماية سيادة القانون والامتثال للدستور. وأنّه من ناحية أخرى، يحاول حزب العدالة والتنمية تدمير هذه الثقافة والمؤسسات الديمقراطية.

أما بالحديث عن أنّ أردوغان أصبح المصدر الوحيد للشرعية في إدارة البلاد تحت شعار "زعيم قوي، شعب قوي" يؤدي إلى تصريحات مفادها أن الدولة لم تعد دولة. وهل يعتقد أن تركيا تدار بطريقة ما هي عليه اليوم؟ وما هي المخاطر التي يمكن أن تجلبها هذه العملية؟ أجاب جيجك أنّه يمكننا القول إن الأخطار محسوسة، وإنّه بإلقاء نظرة على الأحداث في جامعة البوسفور، تمكن ملاحظة أنّه قد يلعب الشباب دورًا في مستقبل تركيا، وأنّ جيل الشباب حاسم فيما يتعلق بمستقبل تركيا، وأردوغان يحاول إسكاته عمدًا. وأضاف: نحن نشهد أن أولئك الذين لا يتماشون مع حزب العدالة والتنمية مستبعدون. البيئة الديمقراطية في البلاد تختفي. تصبح الانتخابات مجرد وسيلة لفرض الاختيار بين "نحن" و "الآخرين"، والقضاء على "الآخرين".

وفيما يتعلق باستهداف حكومة حزب العدالة والتنمية وأنصارها المعارضين السياسيين، وخاصة حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي، قال جيجك إنّ هناك إدانة لثقافة سياسية تقوم على تراكم سنوات طويلة في تركيا. يلجأ الحكام إلى مثل هذه الخطوات عندما لا يستطيعون إضعاف أحزاب المعارضة بالوسائل الديمقراطية. بمعنى آخر، نشهد بداية مثل هذه المقاربات السياسية عندما لم تتمكن من كسب تأييد الناخبين وإضعاف المعارضة من خلال ممارسات دولة الرفاهية، مثل زيادة المعاشات والتأمين الصحي العام.

وتطرق جيجك للحديث عن اتّهام أردوغان للمعارضة بأنّها تستهدفه وعائلته عبر توجيهها انتقادات لصهره بيرات البيرق الذي استقال من وزارة الخزانة والمالية قبل أكثر من شهرين، وقال إنّه يمكن فهم أن حزب العدالة والتنمية يحاول "تقليل الأضرار"، ويحاول أن يكون الضرر محدودًا. وإنّه من ناحية أخرى، تتبع أحزاب المعارضة سياسة ذكية للغاية من خلال عدم السماح لهذه القضية بالمرور دون أن يلاحظها أحد. وأعرب عن اعتقاده أن مثل هذه الحوادث يمكن أن تضر بشكل خطير بسمعة وشعبية حزب العدالة والتنمية في نظر الجمهور.

وبسؤاله عن أبحاثه حول الإسلام السياسي والعلاقات بين الدين والسياسة، وبخطابه الديمقراطي المحافظ في سنواته الأولى، وأنّه كان يُنظر إلى حزب العدالة والتنمية بأّن أعضاءه "إسلاميون معتدلون" أو "ديمقراطيون مسلمون" في الولايات المتحدة وأوروبا، وأنّه في الوقت الراهن هناك تعليقات مفادها أن أردوغان قد وضع نهاية للإسلام السياسي بيده، ومن من الملاحظ أن العلمانية أصبحت مهمة مرة أخرى في الغرب، ذكر تقييمه للأمر وعبّر عن اعتقاده أنّه ينبغي التعامل بحذر مع تصريحات وقرارات مثل "نهاية الإسلام السياسي" أو "العودة إلى العلمانية". وأنّه حتى اليوم، جاء الحزب التركي الإسلامي إلى السلطة في تركيا بطرق مختلفة، ودائمًا ما كان يعطي أجندة خاصة، لا ينبغي نسيانها. وقال إنّه "سيكون من الأهم أن نحقق علمانية دينية مفتوحة، كما في ألمانيا."

وفي النهاية أجاب جيجك عن سؤال ما الذي تنتظره من التطورات السياسية في المستقبل القريب؟ هل لديك أي أمل في أن تصبح الديمقراطية أقوى؟ بالقول إنّ كل هذا يتوقف على ما إذا كان حزب العدالة والتنمية جاهزًا لإجراء انتخابات ديمقراطية، وإذا خسر، ما إذا كان مستعدًا للتخلي عن السلطة ديمقراطيًا. واستدرك بالقول إنّ التطورات الحالية لا تبدو كذلك. بل يسعى حزب أردوغان إلى زيادة شعبيته بين القاعدة الانتخابية من خلال الاستبداد في الداخل والتوسع في الخارج.